لا تُعتبر الأزمة القائمة اليوم بين مصر والسعودية هي الأولى في تاريخ العلاقات بين البلدين، فقد تكررت مثل هذه الأحداث مرات مُتعددة ولأسباب مختلفة في كل مرة ..
لكن هناك للأسف حقائق غائبة عن المُتابعين المُحايدين لتلك الأزمة، فمن يعرف السعودية عبر أزمات إقليمية ودولية سابقة، يُلاحـظ بأن المملكة لا تلجأ أبداً للتصعيد، بـل تركن دوماً للمعالجات الهادئة لمثل تلك الأزمات، كما لم يُعـرف في تاريخها أن استخدمت التصعيد الإعلامي، كأسلوب ضغط أو طريق لحـل أزمـة..
إن السياسة السعودية الثابتة تقوم على المبدأ القرأني الكريم المُتمثل في قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، سواء كان ذلك حيال مواطنيها أو لغيرهم، فهناك أكثر من شخص سعودي مُعارض ومُقيم في الخارج، في حين تُقيم أسرته وأبنائه في بلدهم في أمن وأمان، بل إنهم يقومون في كل إجازة بالسفر لزيارة ذلك الشخص والعودة للسعودية بشكل إعتيادي، ولعل أخر ما حدث ليثبت رُقي التعامل السعودي الرسمي، كان ترحيب الحكومة السعودية بعودة أرامل بن لادن وأطفاله مُترفعين عن المطالبات (التافهة) برفض عودتهم، من باب الأنتقام والتشفي. كما سبق وأن أصدرت الداخلية السعودية ــ في عـز أزمة أحتلال العراق للكـويت ــ بياناً أكدت من خلاله على إحترام كل المقيمين في المملكة من الأشقاء العرب، بما فيهم مواطني الدول التي أيدت أحتلال الكويت وضمان كافة حقوقهم ..
إن السعودية أكبر من أن تتصرف بمثل هذا المستوى، بهدف الأنتقام من شخص أو استخدام مثل هذه الأساليب لشخص لم تكن الحكومة السعودية تعرف عنه أي شـئ أصلاً، فالجميع يشهد دوماً للمملكة بحكمة سياستها وتعقّـل تعاملها ..
من جهة أخـرى فإن السعودية لها نظرة استراتيجية ثابته تجاه مصـر، ترتكز هلى أهمية أستمـرار وجود علاقة حميمية بين البلدين، بالشكل الذي يخدم مصالحهما ومصالح شعوبهما، بحيث تقوم كل دولة بدعم الأخرى على كل الأصعـدة وبالذات على الصعيد الدولي .. كما أن مثل ما حدث يتناقض مع المواقف الإيجابية العديدة التي تبنتها السعودية لصالح مصـر، ولعل أخرها كان ما أعلنه الدكتور كمال الجنزوري في 20 إبريل 2012: “بأنه تم الاتفاق مع السعودية علي تقديم حزم مالية متكاملة لمصر تتضمن مليار دولار كوديعة لدي البنك المركزي لتدعيم الاحتياطي النقدي المصري وتقديم نصف مليار دولار من الصندوق السعودي لتمويل مشروعات تنموية في مجالات المياه والصرف الصحي وصوامع تخزين الغلال إلي جانب 750 مليون دولار لتمويل الصادرات السعودية لمصر منها 250 مليون دولار لتغطية صادرات 5 مراكب بوتاجاز لمصر، و200 مليون دولار منحة لا ترد, مــع وصول وفد من الصندوق السعودي للقاهرة، لتغطية التفاصيل الخاصة بمبلغ النصف مليار دولار.”
هناك أشخاص كثيرون لهم مواقف ضـد السعودية لأسباب ودوافع مختلفة، لكن الخطير في الأمر أن تستغل بعض القوى ما يحدث لتأجيج الخلاف وتوسيع فجوته، ولعل أكبر المستفيدين مما حدث ويحـدث اليـوم هو إيران ..
الغريب في الأمر هـوا ما لاحظته مـن تردد الكثيرين من قول الحق اليوم، لأن كل من قال رأياً مُنصفاً تعرض للهجوم وبشراسه، بما في ذلك السفير المصري في الرياض الذي تلقى سيلاً من الشتائم والأتهامات، مثل بأنه من أتباع النظام السابق الذي كان يُهين المصريين ويذلّهم ..!! كل هذا فقط بسبب ظهوره على الشاشات لإيضاح حقيقة ما حدث من منظور رئيس البعثة الدبلوماسية المصرية في السعودية..
والسؤال الذي يطرح نفسه وبقوة اليوم هــو .. أين عقلاء مصـر وحكمائها ليقولوا قولاً منصفاً .. لا أن يقوموا مع الأخرين بتحويل مهرب حبوب مخـدرة إلى بطل قومي ..!!!