أصعب شيء أن تتحول العباسية الحي إلى العباسية مستشفى المجانين.. بكل مقاييس العقل. لا ذرة عقل فيما يحدث هناك وإنما جنون في جنون!
المصريون مع المصريين حولوا المنطقة إلي ساحة وغي وقتال ونزال. أعد بعضهم لبعض ما استطاع من ليزر ومولوتوف وسيوف وسنج وأسلحة آلية وكرات لهب. يرهبون به بعضهم بعضا. ويثيرون الفزع والخوف في نفوس سكان المنطقة ويروعون الشيوخ والأطفال.. النتيجة أكثر من 11 قتيلاً. و100 مصاب.
سكان مستشفي العباسية وهم عقلاء جداً قلقون جداً على البلد. مما يفعله الموجودون خارجها. ويصرخون علّ صوت عقلهم يصل إلى المجانين خارجها: اتقوا الله في مصر والمصريين.. لا تتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.. الحسبة غاية في البساطة: "أبوإسماعيل قد يكون مظلوماً أو غير مظلوم. هل هناك احتمال ثالث؟ الإجابة لا.. فلو أخذنا الاحتمال الأول ونحن هنا نقدر الرجل الجليل ونحترمه ونخاطب أعلى وأهم صفاته وهي أنه رجل قانون عاقل متزن ذو مرجعية دينية لها جذور طيبة وأصيلة.
لذا نرجو منه أولا أن يتصرف كرجل يحترم سيادة القانون ويسير على الطرق التي تؤدي إلى عتباته وليس السبل التي تخرج عنه. فإن كان له حق أخذه.. وغير القانون نرجو منه أن يطبق قواعد ألف باء دين وإسلام. فيأمر رجاله بالعودة إما إلى ميدان التحرير أو إلى بيوتهم. حقنا للدماء. ورحمة بالعالمين، حيث تعطلت مصالح البلاد والعباد. واندس البلطجية بين الموجودين في المنطقة وعاثوا فيها الفساد. حتي يقول القانون كلمته، وإما أن يلغي لجنة الانتخابات والمادة 28 أو حتى الإعلان الدستوري. وإما أن يقول لأبوإسماعيل أمك أمريكية.
المتناحرون خارج أسوار مستشفى المجانين بالعباسية. لايستجيبون لصرخات ونداءات العقل الصادرة من النزلاء الموجودين بها. ويصرون على دق طبول الحرب وتصعيد حدة القتال.
بدأت المسيرات تتوافد من أمام مسجد الفتح بميدان رمسيس. لمناصرة إخوانهم في العباسية والتضامن معهم وتنديدا بالاشتباكات الدامية بمحيط الميدان. يحملون اللافتات ويطلقون الهتافات ضد المجلس العسكري.
على أساس أنه بالنسبة لهم الخصم والعدو فيقولون: "جيشنا فوق الرأس مرفوع والمجلس تبع المخلوع".
بعض القوي السياسية تناصر المعتصمين وتقف في صفهم. والبعض الآخر يرفض لقاء المجلس العسكري لبحث مشكلة تأسيسية الدستور والوصول إلى حل لها. على اعتبار أن مجزرة العباسية لها الأولوية. وأن المجلس العسكري حتي ولو كان المعتصمون يريدون اقتحام وزارة الدفاع. فإنه لابد أن يوفر لهم الحماية.
الميدان.. ميدان العباسية تصل للمعتصمين فيه المؤن والعتاد من كل فج عميق. وكأن هناك إصرارا وترصدا من البعض على أن تصل المواجهة أقصاها.
البديهي أن يكون هناك رد فعل من الطرف الآخر.. مدرعات قوات الجيش والأمن المركزي تصل لمنطقة الاشتباكات وتتمركز بها. فتتحول الأطراف.. كل الأطراف إلى خصوم وأعداء. وتتحول العباسية كلها إلى ساحة قتال مجنونة.
البنوك تغلق فروعها. والمصالح والمدارس والجامعات تتعطل والمحلات والأسواق يتوقف أحوالها ولا تبقى في الأقفاص سوى الطماطم. لأنها مجنونة وهذا وقت انتعاشها.
يصل الصدام أقصاه.. طبول الحرب في كل شارع وزقاق بالعباسية.. بديهي أن تلعب أصابع الفتنة ويندس المندسون، فكلما هدأت النار نفخوا فيها بأفواه شيطانية حتى تأتي على كل شيء ولا تبقي ولا تذر.. مجهولون يشعلون الأحداث بالهجوم على المعتصمين بالسلاح الآلي. فيهب المصري لتصويب سلاحه وسنجته ومولوتوفه إلى رأس وصدر ووجه أخيه المصري في الجبهة الأخري فيتساقط القتلى والجرحى ويتحول الميدان إلى ساحة "جنان".
هذا هو المطلوب إثباته أو حدوثه، كما تقول نظريات الهندسة. فانتبهوا أيها السادة. فكلما سارت البلاد نحو الانتخابات الرئاسية واقترب موعد تسليم السلطة واقتربنا إلى شاطئ الاستقرار قلق البعض واستشاطوا غضبا وأحرقتهم نيرانهم. فيكون الحل هو البحث عن ثغرة ينفذون منها حتى يعطلوا المسيرة. وينحرفوا بالثورة عن الفساد.
أعجبني كلام الدكتور محمد سليم العوا، المرشح لرئاسة الجمهورية. الذي لخص الموقف بقوله: "إن ما يحدث بالعباسية هو محاولة أخرى لجر البلاد إلى فتنة أو حرب أهلية يخطط لها ويديرها جماعات وأشخاص لهم مصالح خبيثة شيطانية. هدفهم جر البلاد إلى مستنقع لا تخرج منه سالمة أبدا عن طريق بث الفتنة والفرقة بين أبناء الشعب المصري الواحد.. لذلك يهيب بالمعتصمين وكذلك بالمجلس العسكري عدم الانزلاق.. يهيب بالمعتصمين ألا ينزلقوا مع العنف. وكذلك يهيب بالمجلس العسكري بصفته السلطة التي تدير البلاد بتحمل مسؤولياته أمام الله ثم أمام الشعب بتأمين المعتصمين والعمل على سرعة القبض على البلطجية والقتلة ومن يقفون وراءهم.
الشيخ حافظ سلامة استشاط هو الآخر غضباً مما يحدث وأصدر بيانا غاية في العقل والحكمة، حيث أكد أن هناك مؤامرة ومخططا وراء ما يحدث. وهناك أياد عابثة تريد استكمال إجهاض الثورة بإشعال الفرق والانقسامات والتخوين بين الجميع. والنتيجة عشرات القتلى ومئات المصابين بميدان العباسية. وهو ما يضر بمستقبلنا ونحن في أوقات فارقة في تاريخ هذا الوطن. ولابد من التوقف عن العنف من الجانبين سواء المتظاهرين أو المجلس الأعلي للقوات المسلحة. واستمرار المظاهرات في سلمية حتى إجراء الانتخابات الرئاسية وعودة العسكر إلى ثكناتهم.
وأعجبت أكثر بحكمة نزلاء مستشفى العباسية الذين يمصمصون الشفاة مما يحدث حولهم ويقولون: من يفعل هذا في ذلك الوقت الحرج يستحق أن يكون من نزلاء الخانكة الأشد خطراً من أهل مستشفى العباسية لأنكم تعيدون إلي العباسية زمن الفوضى والحروب والدماء. وتذكروننا باسمها الحقيقي قبل أن يبنيها عباس حلمي الأول ويقيم عليها المنازل، وذلك المستشفى الذي هو الآن البقعة العاقلة الوحيدة في المنطقة.
للأسف أعدتم العباسية إلى سيرتها الأولى، حيث هي صحراء الريدانية التي شهدت العديد من الحروب ومنها الحرب الشهيرة بين طومان باي والسلطان سليم الأول العثماني، والتي انتهت بهزيمة الأول وإعدامه على باب زويلة، وذلك بعد أن رويت أرضها بالدماء ونعقت في سمائها البوم والغربان، يعترض نزلاء الخانكة بقوة على رأي نزلاء مستشفى العباسية، والذين يطالبون بتحويل المتناحرين إليها بقولهم: نحن مكان أنشئ خصيصا لأهل العقل والحكمة والمتصوفين. حيث أسس المكان السلطان الناصر محمد بن قلاوون عام 725 هجرية وأسماه الخانقاه ليتعبد فيه المتصوفون.
ولا يزال حتى الآن يقطن به العديد من أبناء الطرق الصوفية وتنتشر به مقامات الأولياء. ومن هنا لن يسمح هذا المكان الذي تصفو فيه نفوس الناس وعقولهم بأن يأوي أولئك الذين نشط فيهم فيروس الجنون بعقولهم حتى راح يحصد أجران حصاد الثورة في أهم وأدق الأوقات.
وأنا أقول لكل المقتتلين في ساحة الوغى بالعباسية. اتقوا الله في مصر والمصريين. احتكموا إلى عقولكم وولوا وجوهكم شطر مصلحة البلاد وليس أهداف بعض العباد.. القانون موجود وميزان العدالة بخير. ولا يجوز الجمع بين السيف والسنجة والمولوتوف وبين الميزان. كذلك لا يجوز أن نزج المصريين ضد المصريين في حرب. الكاسب فيها خاسر والحصاد فيها لا يكون إلا المزيد من القتلى والجرحى وشلالات الدم.
وأتذكر هنا من شعراء الجاهلية شاعراً عاقلا جدا وحكيما جدا في وقت تحولت فيه خلايا الحكمة إلى خلايا جنون نشطة. هذا الشاعر هو قيس بن عاصم والذي ضرب مثلا في حقن الدماء بعد أن أخبروه بأن أبناء عمومته قتلوا أخاه:
قومي هم قتلوا أميم أخي .. فإذا رميت يصيبني سهمي
نقلاً عن جريدة الجمهورية المصرية".