ماذا بقي من التعليم طالما أن بإمكان المعلم أن يشتري التحضير من المكتبات كما يشتري وجبة جاهزة ؟ ، ماذا بقي من التعليم طالما أن بوسع طلاب الجامعات أن يحصلوا على البحوث من المكتبات ومراكز خدمة الطلاب التجارية ، وأحياناً بإيعاز من بعض أساتذتهم ، ممن وجدوا فيها جانباً تجارياً ومصدراًً إضافياً لمعاشاتهم ؟ . ماذا بقي من التعليم طالما أن الفصل الدراسي تلتهمه الإجازات من كافة أطرافه ، فيما تزداد المناهج سمنة وتضخماً وتطويراً بعد تطوير ؟ ، ماذا بقي من التعليم طالما أن الطلاب باتوا يقضمون قبل وبعد كل إجازة أياماً من هنا وأياماً من هناك ليضيفوها لإجازاتهم رغم التلويح بالحسم من الدرجات وما إلى ذلك ؟ ، ماذا بقي من التعليم طالما أن التقويم في معظم صوره يحتاج إلى تقويم ، وطالما أن بعض من ينفذونه رجالاً ونساء يحتاجون إلى من يقومهم ؟ ، هل تكفي هذه ( اللماذات ) ؟ .
لقد صدمت فعلاً عندما بلغني أن بعض أساتذة الجامعات يطلبون بحوثاً جاهزة تباع على الملأ في مكتبات بعينها وبسعر معروف ، ولا من يحتج أو يعترض أو حتى يرفع حاجبيه ، وبعضهم يرفض أي بحث يأتي به الطالب من غير هذا المصدر بدعوى الخوف من أن يكون منقولاً من النت ، وكنت أتخيل واهماً أن الأستاذ سيسره أن يجد تلميذه وقد بحث حتى ولو في النت . فضلاً عن أن يكون قد أعد بحثاً بمجهوده الشخصي يحمل بصمته واستنتاجاته وطريقة تفكيره . مهما بدا البحث ساذجاً أو بسيطاً ، بدلاً من أن يدفع طلابه لشراء البحث مغلفاً من قرطاسية ما كوجبة هامبرجر لا يعرف مصدر ولا نوع محتوياتها ، وربما لم يكلف الطالب نفسه حتى طي غلاف ذلك البحث ليعرف ما بداخله . كل ما عليه فعله . أن يكتب عليه اسمه! .
إخفاق مخرجاتنا التعليمية لم يأتِ من قليل ، فقد وصلنا كما يبدو مرحلة التعليم بالدليفري على طريقة الوجبات السريعة !! ، وطالما أن هذا هو الواقع الذي لن تخفيه كل محاولات الترميم . فهل يحق لنا أن ننتظر مخرجاً تعليمياً سليمًا لا يشبه ما تنتجه الوجبات السريعة من الأجسام المنتفخة دون عافية ؟ .
ما الحل ؟ .
أنا أعتقد أن الأمر يحتاج إلى جراحة عاجلة ، تقضي أول ما تقضي على مشروعية المتاجرة بأدوات التعليم كالبحوث . لا بل تجرمها بما يوازي تجريم المخدرات فهي لا تقل عنها فتكاً بعقول من سيمسكون برسن المستقبل في بلادنا ، وإعادة الروح إلى الجهد الطالبي حتى وإن كان هزيلاً وباهتاً . فهو حتما سيكون أنضج من بحوث تأتي بها النقود . جراحة تحفظ للتعليم هيبته وكبرياءه ، وهذا لا ولن يتحقق إلا بتنظيم ضوابط صارمة للحد من هذه التجاوزات العابثة .
بالأمس ضخت الدولة أكثر من 81 ملياراً في بناء التعليم العالي ، ولمسايرة هذا الضخ الكبير . ألا يجدر بمؤسسات التعليم أن تعيد صياغة ضوابطه بما يضمن حفظه من هذه الاختراقات ، حتى لا يذهب هذا الدعم غير المسبوق على مخرجات هشة تنال مؤهلاتها بجهد تجار البحوث عوضاً عن أن تنفق فيها دقيقة تفكير واحدة ؟.
نقلاعن صحيفة" الوطن"