ليس من المحبب لمصر وثورتها وصورتها أن يكون الجيش هو العاقل الوحيد من بين القوى السياسية التي استعادت حريتها الكاملة ووعيها الشامل لكنها ما زالت تعاني انفصاماً بالشخصية، يدفعها الى اتخاذ مواقف تنم عن سوء تقدير لما أنجزه الثوار وتفسح المجال لاضطرابات متلاحقة في الشارع.
ما جرى في محيط وزارة الدفاع وعلى بواباتها خلال الايام القليلة الماضية، شغب من داخل الثورة وليس شغباً عليها. وبكلمة اخرى، هو تعبير من الشارع عن ضيقه من السلفيين الذين كانوا المفاجأة الوحيدة والحصان الأسود في مرحلة ما بعد إسقاط حسني مبارك.. والذين كانوا يعتصمون احتجاجاً على استبعاد مرشحهم للرئاسة حازم ابو اسماعيل، الذي أثار ترشيحه شعوراً عاماً بالخجل مثلما سبق لفوز حزبه بنحو عشرين بالمئة من مقاعد مجلس الشعب ان أثار شعوراً عاماً بالحرج من تلك الظاهرة التي كانت تبدو مجرد حالة تديّن ريفية فولكلورية، فإذا بها تصبح قوة مؤثرة في السياسة المصرية.
معركة وزارة الدفاع التي انتهت امس كانت بمثابة عملية احتواء لتلك الظاهرة التي اتسعت الى حد الطموح بمنصب رئاسة الجمهورية، مثلما كانت معركة ماسبيرو الشهيرة تحذيراً للأقباط من مغبة الاندفاع في طلب حقوقهم الوطنية والسياسية. كانت الثورة تضع ضوابط للعمل السياسي وكان المجلس العسكري يستجيب للرغبات الصادرة من الشارع حرفياً وبدقة.
بعض الثوار ما زالوا يعيشون في عالم الغيب والخيال: الاشتباه في أن المجلس العسكري يود الاحتفاظ بالسلطة لنفسه ولا يريد تسليمها، ليس مبنياً على فرضيات وتجارب مرحلة ما قبل الثورة فقط، بل هو مستوحى من ثقافة تنكر حصول الثورة نفسها، وتنفي نفياً غريباً أحد أهم إنجازاتها وأولها، وهو أن مصر لن يحكمها بعد اليوم فرعون يخرج من الجيش وينصّب نفسه ملكاً يورث العرش الى سلالته.
الظن صحيح في أن المجلس العسكري قادر عملياً على الاستيلاء على السلطة في أي وقت، ومن خلال بيان مقتضب يذاع عبر التلفزيون. لكنه لن يكون قادراً على الاحتفاظ بها يوماً واحداً. أما الشك في أنه يرغب في تقويض الوضع الأمني والسياسي من أجل الانقضاض على السلطة فهو يتعارض مع سلوكه في الثورة والأشهر الـ١٥ التي تلتها، والتي تحوّل فيها الى متهم مدعو بين الحين والآخر لكي يقسم اليمين تلو اليمين بأنه ليس طامحاً الى الحكم.
عدا التلكؤ في المحاكمات لرموز النظام السابق وضباطه، والذي يمكن أن ينسب الى الخوف الشخصي أكثر مما يمكن أن يعزى الى التآمر على الثورة، فإنه يصعب العثور على ما يدين السلوك السياسي لذلك المجلس الذي انسجم منذ اللحظة الاولى للثورة مع مطالب الشارع وما زال.. برغم انها كلها كانت متناقضة مع عقيدته وثقافته وتجربته ودوره، وطبعاً مع مشاعر ضباطه وطموحات بعضهم.
لن يعطل المجلس العسكري انتقال السلطة، لكنه يمنع غلوّ الشارع وتطرّفه، لان قوى الاعتدال المدنية والإسلامية ما زالت تمارس السياسة بعقلية ما قبل الثورة، وتتجه الى صناديق الاقتراع باعتبارها صناديق فرجة، وتستعد لاختيار رئيس للجمهورية من دون أن تحدد صلاحياته ومن دون أن تكتب الدستور الذي يحكمه.
غداً، سيكتب التاريخ أن الجيش المصري هو الذي حمى الثورة ومنع انزلاق مصر في فوضى رهيبة ومديدة أسوأ بكثير من تلك التي تسجل الآن في الدولة المركزية الأقدم في التاريخ.
* نقلاً عن صحيفة "السفير" اللبنانية