الرئيس الفرنسي ساركوزي لا يدخن ولا يشرب الكحول لكنه مهووس باستطلاعات الرأي العام، فقد طلب إجراء 264 استفتاء في سنتين كلفت 6.35 مليون يورو. هذا كل ما وجده أحد المعارضين كي ينتقد خصمه ساركوزي. هذه الجملة تجعلك تشعر بحرقة تصعد في صدرك ولسانك يقول بعد زفرة طويلة يا الله من فضلك. هذه هي نقيصة ساركوزي، فلقد اتهمه خصومه في انتخابات الرئاسة أنه زودها فكلما أراد أمراً ذهب للناس يستطلع رأيهم، وتقول الصحيفة إنه حتى حين أراد أن يتزوج كارلا استطلع الرأي العام مثل ابن بار بأهله، فهل هناك أفضل من أن يعامل رئيس شعبه مثل تلك المعاملة كلما همّ بأمر قال: «اصبروا أشاور الناس»! حتى أصبح الناس من كثرة ما يشاورهم مثل أمه يشاورهم حتى وهو يتزوج. هذا هو بالضبط ما يبعث الحرقة في قلوب الشعوب المحرومة التي لا يسألها أحد رأيها، بل إن الذي يفكر أن يقول رأيه يسمع جملة «ما هوب أحسن لك»، وإن قال فعليه أن يكون مؤدباً أما إذا أراد أن يكون مؤدباً بحق فعليه أن يحتفظ برأيه لنفسه.
كلنا شاهدنا بأم أعيننا كيف استقبل بعض الرؤساء العرب شعبه حين قال رأيه، فالرئيس العربي الليبي السابق بالكاد تعرف إلى شعبه في جملته الشهيرة: «من أنتم؟»، أما التونسي فقد احتاج إلى 30 سنة كي يفهم رأي شعبه. أما اليمني فإنه لم يفهم أبداً، فحتى بعد أن خلعوه ذهب يحضر تنصيب الرئيس الجديد ويسلمه العلم بيده منكراً أنه رئيس مخلوع. الثورات العربية سببها أن الشعب حاول أن يقول رأيه بعد أن انتظر في منزله استطلاعات الرأي لكنها تأخرت كثيراً، وهو شعب عجول، ما ضره لو انتظر قرناً آخر فالأيام تمر بسرعة. المثل يقول: «عندما تطرق الباب تسمع الجواب»، لا شك أن المواطن العربي تمنى لو أنه لم يسمع الجواب وظل صابراً.
لكنها فرصة لنعرف أن الرئيس العربي يجيد الشتائم والتحقير مثله مثل أي مواطن، وأصبحت خطبة واحد منهم يصاحبها صوت «طوط» من كثرة بذاءتها، فمن يلوم رجلاً يغضب حين تمتد يد لممتلكاته. لكن الشتيمة لم تكن هي الحل الأمثل للرد على شعب عجول تسرع فأعلن رأيه، فالرئيس العربي صار مثل طبيب جراح تقطر يداه دماً لأنه أدخل يده في فم الشعب وقص لسانه، لكنه يريد أن يدخل يديه أكثر ليقصه على طريقة عادل إمام من «لغاليغه».
كيف يمكن لرئيس أن ينام ويصحو ويخطط وهو لا يعرف ما استطلاعات الرأي؟ وإن أراد أن يستطلع رأياً سأل أصدقاءه وموظفيه الذين يجلسون معه إلى مائدة المصالح والنمائم نفسها؟ من يستطيع أن يكدر صفو الرئيس وهو ولي نعمته، لكن على الشعب العربي ألا يتمادى ويتوقع أن يشاوره الرئيس بمن يتزوج، فهذا لا يحدث إلا في فرنسا. ولأن الإنسان يجب أن يكون واقعياً فحتى في فرنسا لا يحب الرئيس الاستطلاعات التي لا توافق على فوزه كما فعل ساركوزي. صحيح أن الرئيس الفرنسي لم يقل عن الشعب الذي أظهرت الاستطلاعات أن الغلبة لخصمه إنهم من القاعدة «كاعدة كاعدة»، لكنه قال: «لا تهمني الأرقام». حتى أنت يا ساركوزي!
*نقلا عن "الحياة" اللندنية.