عندما صرح مدير صندوق تنمية الموارد البشرية ابراهيم المعيقل لصحيفة الحياة الشهر الماضي بأنه لا يجد حرجاً في عمل المرأة السعودية عاملة نظافة وأن هناك شركات تخطّط لتشغيل السعوديات خادمات منزليات، لم أرغب أن أدلو بدلوي في حينها حتى تهدأ العاصفة المتوقعة ويكون الطرح خالياً من التشنجات المصاحبة لردة الفعل.
والآن أود أن أحرك لكم بوصلة هذا المقال في اتجاه المجتمعات المحيطة بنا، فلو اتجهنا قليلاً نحو الشرق على سبيل المثال، نجد أن الشقيقة قطر مرت بتجربة مماثلة عندما نشرت إحدى شركات جلب العمالة في قطر خلال شهر أبريل الماضي إعلاناً محلياً عن وظيفة شاغرة لمدبرة منزلية يشترط فيها ان تكون من الجنسية القطرية، وهو ما أثار موجة غضب شعبية على مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الاعلامية، حيث رأى القطريون بكافة أطيافهم في ذلك الإعلان استفزازاً للمواطنين واهانة وانتقاصاً للمرأة القطرية، وهو ما أجبر تلك الشركة على الاعتذار فوراً.
ولو حركنا البوصلة باتجاه الشمال، فقد كشف وزير التنمية الاجتماعية الأردني السابق الدكتور عبدالله عويدات في سبتمبر 2005م عن مشروع لإعداد أكاديمية أردنية للتدبير المنزلي، حيث قامت وزارته بدراسة واقع خادمات المنازل في الأردن، وتبين آنذاك وجود ما يزيد على 25 ألف خادمة أجنبية، وبالطبع عزة وكرامة المجتمع الأردني المحافظ أبت أن تسمح بمشروع توطين العمالة المنزلية على الرغم من أن نسبة الفقر بلغت أكثر من 15% ، وبعد سبع سنوات من اعلان الوزير، لم ينفذ مشروع الأكاديمية، بل وتضاعف عدد الخادمات الأجنبيات حتى بلغن أكثر من 60 ألف خادمة.
وبالنظر جنوباً بإتجاه أشقائنا في اليمن والتي تصل نسبة الفقر فيها قرابة الـ71%، تسبب تصريح نائب وزير العمل السعودي الدكتور مفرج الحقباني العام الماضي بتاريخ 18 سبتمبر 2011 بالسماح باستقدام العمالة المنزلية من اليمن في موجة عارمة من الغضب والاستنكار في اليمن الشقيق، دفعت وزارة العمل السعودية في اليوم التالي للاعتذار، وإبداء احترام ثقافة وعادات المجتمع اليمني، والتوضيح بأن العمالة المنزلية المقصود منها الرجال فقط.
لذلك فإن ما يمكن أن نفطنه من كل هذا، هو أن المقترحات عن «المواطنة الخادمة» تبدو وكأنها مجرد «فانتازيا» ينسجها البعض في مخيلته، وذلك لأنها أمر لا تتقبله المجتمعات المحيطة بنا حتى وإن كانت اوضاعها الإقتصادية متردية، فكيف لنا أن نطرح ونتقبل مثل هذا المقترح من جميع النواحي سواء اقتصادياً أو اجتماعياً أو دينياً أو ثقافياً، وهذا إذا ما وضعنا في الإعتبار أيضاً أن ميزانية المملكة المقدرة بـ 184 مليار دولار تعادل أكثر من 10 أضعاف ميزانيتي اليمن والأردن مجتمعة.
وللأسف هذه ليست المرة الأولى التي يطالب فيها أحد المسئولين بعمل المرأة السعودية في الخدمة المنزلية، بل سبق ذلك مطالبة رئيس لجنة الأسرة والشباب والشؤون الاجتماعية في مجلس الشورى الدكتور طلال بكري خلال إحدى جلسات شهر مارس من العام الماضي بتوطين وظائف العاملات المنزليات، وتسببت هذه المطالبة حينها في استنكار عدد كبير من شرائح المجتمع السعودي، الذين رأوا بأن هذه التوصية تسيء للمرأة السعودية، خاصة وأننا دولة نفطية غنية، وبإمكاننا إيجاد فرص عمل أرقى اجتماعيًّا.
هذه المطالب مجرد إهدار للوقت وإشغال للرأي العام عن القضية الأم وهي قضية «البطالة»، لأن المرأة السعودية العاملة حتى وإن بلغت مرحلة العَوَز والعياذ بالله لا يمكن أن تعمل في وظيفة خادمة منزلية إلا في ظروف نادرة جداً، لذلك فإن هذه القضية ربما بحاجة إلى تدخل مباشر من هيئة كبار العلماء الأفاضل لشرح الجوانب الشرعية في هذا الشأن وقطع دابر تكرار هذه المطالب مستقبلاً، وتدفعنا نحو التركيز على وضع الحلول في نصابها السليم عبر إقرار إستراتيجية وطنية لمكافحة البطالة، وقد أوضح لنا مؤخراً معالي وزير العمل المهندس عادل فقيه ملامح الحل عندما صرح بأن توطين 10% فقط من وظائف الوافدين يحل مشكلة البطالة.
وعليه .. يجب علينا أن ندرك أن عمل المرأة في الخدمة المنزلية ليس مجرد «تابو» إجتماعي من الممكن أن نتغلب عليه في المستقبل.
* نقلاً عن "المدينة" السعودية