أطلت من العباسية خلال معاركها الضارية ومحاولات غزو وزارة الدفاع ذكريات أليمة لمنظمات متشددة اتخذت العنف منهجاً وروت الأرض بالدماء وزرعتها بالقتلى.
في الذكرى الأولى لمقتل أسامة بن لادن ردد بعض المتظاهرين في العباسية هتافات تمجده وحمل ملثمون أعلام "القاعدة". ومن بين الذين هتفوا له محمد الظواهري الخارج حديثاً من السجن والمبرأ من حكم الإعدام، وهو بالمناسبة شقيق أيمن الظواهري خليفة أسامة بن لادن والذي كان الرجل الثاني في تنظيم القاعدة.
مصر الآن مهيأة كأرض رخوة تشهد انفلاتاً أمنياً لم تمر به في تاريخها رغم وجود جيش نظامي قوي مدجج بالأسلحة والقوات المدربة وقوات شرطية مازالت متماسكة رغم تفتيتها وهزيمتها بسقوط نظام مبارك.
إطلالة القاعدة لا تأتي من فراغ، فهنا نشأت التنظيمات المتشددة مثل الجهاد والجماعة الإسلامية، وحملت السلاح وقاتلت الدولة سنوات طويلة، ولم تهدأ الأرض إلا بعد دخول الآلاف منهم السجون إلى أن خرج بعضهم عقب المراجعات الشهيرة للقيادات التاريخية للجماعة الإسلامية، واستكمل الخروج بعد ثورة يناير 2011 والذي ضم أسماء وقيادات بارزة.
هذه التنظيمات المتشددة السابقة تمارس السياسة حالياً، تخلت عن العمل المسلح السري وكونت أحزاباً أو تحالفات، ولبعضها تمثيل في البرلمان.
أؤمن بأن منح الإسلاميين حرية الحركة السياسية والتعبير عن آرائهم وعدم جرهم مجدداً إلى المعتقلات هو السبيل الوحيد لمنع عودة العنف المسلح بواسطة تنظيمات العمل السري تحت الأرض، أما محاصرتهم وحظرهم سياسياً وتكميم أفواههم فيعني فتح باب حرب أخرى غير مأمونة العواقب بين الدولة وبين تنظيمات مستحدثة قد تصبح أكثر عنفاً وشراسة من تلك التي كانت في الثمانينات والتسعينات.
لا أحمل الدولة وحدها المسئولية، فالإسلاميون مطالبون بأن يتغيروا مع الديمقراطية والحريات ويبتعدوا عن لغة العنف وينأوا بأنفسهم عن خلق بيئة بديلة للقاعدة عقب الهزائم التي منيت بها حول العالم. صحيح أن التنظيمات الإسلامية المسلحة المصرية قبل أن تلقي السلاح كانت أهم روافد القاعدة في أفغانستان وأن قادتها الكبار مصريون أبرزهم زعيمها الحالي أيمن الظواهري، لكن هذا لا يجب أن يكون مدعاة لإعادة دورة حياة "القاعدة".
ما جرى في العباسية حمل إلى مصر أجواء القاعدة المخيفة، فعشرات هتفوا في محيط وزارة الدفاع "صور صور يا أوباما.. كلنا أسامة" ورفعوا أعلام الجهاد السوداء المكتوب عليها "لا إله إلا الله".. وردد مجموعة من الملثمين أحاطوا بمحمد الظواهري هتاف "حي على الجهاد".
القيادي السلفي حسن أبو الأشبال وهو من أنصار الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل حرض على قتل أعضاء المجلس العسكري التسعة عشر وداعياً إلى النموذج الليبي، والغريب أن كلامه لم يقله عبر منشورات سرية وإنما علنا بواسطة قناة "الحكمة" التي تبث من مدينة الإنتاج الإعلامي في القاهرة وتعتبر لسان حال الشيخ أبو إسماعيل.
وضبطت كمائن الشرطة على الطرق السريعة أسلحة محلية الصنع في طريقها إلى العباسية، لدرجة أن الناشط السياسي علاء عبدالفتاح المناوئ العنيد للمجلس العسكري قال في تغريداته على "تويتر" إنه شاهد أسلحة في خيام معتصمي العباسية.
وقال شاب سلفي كان موجوداً في اعتصام العباسية إن ملتحين قاموا باقتحام عدد من المحال والمقاهي. ولا تبدو الأرض الرخوة مهيأة لإطلالة القاعدة فقط فقد أعلن تنظيم باسم "كتائب الحرس الثوري المصري" وهو تنظيم شيعي على غرار الحرس الثوري الإيراني أن إحدى وحداتهم اشتبكت مع قوات الجش أمام وزارة الدفاع. هذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها عن وحدة وكتائب مسلحة غير القوات النظامية في مصر.
وأعلنت صفحة التنظيم على الإنترنت عن مشاركته بشكل مسلح في العباسية، وأن أهدافهم تتجه نحو القوات المسلحة. وكان ذلك التنظيم هدد من قبل بعمليات انتحارية ضد زوار مولد أبو حصيرة اليهود مما جعل السلطات الأمنية تلغي الاحتفال هذا العام.
*نقلا عن صحيفة "الجمهورية" المصرية