لست من هواة كرة القدم، وتاريخيا كانت علاقتي بمباريات الأهلي والزمالك هي أن أرتب مشاويري المهمة في أوقات مباريات الفريقين لأنعم بجنة الشوارع الفارغة التي لا تعرفها القاهرة عادة إلا قبيل الفجر، فإن أخطأت التوقيت كنت في ورطة كبيرة.
بعد الثورة توقعت أن نأخذ من كرة القدم أجازة لننشغل بأمور هي واجب الوقت، ولكن إدارات الأندية وأساطين صناعة الكرة وتجارها عارضوا ذلك إلى أن وقعت مذبحة بورسعيد فتم إلغاء الدوري قسرا. ولكن هل صحيح أننا في أجازة كروية حقا؟
بالتأكيد لا؛ فالواقع أننا دخلنا عالم السياسة الواسع بخبرات وأدوات ألتراس كرة القدم الذي يرى فرقا ولاعبين يتبادلون الكرات والأهداف فلا يلبث أن يختار منهم فريقا يمارس معه هوايته المعتادة في التعصب المتطرف؛ يبرر أخطاءه، ويهاجم خصومه بحق أو بغير حق، ويخوض من أجله معارك دموية، ويفقد كل قدرة على أن يشجع لعبة حلوة إذا أتت من فريق آخر.
هكذا نحن الآن.. "ألتراس سياسي" نحب "محترفي الشو" و"خبراء الدخلة"، ونعشق "شماريخ السياسة" التي تحول ليل قنواتنا الفضائية إلى صخب دافق بالأدرينالين حتى وإن كانت تحرق وطنا، ونكيل كل الأمور بمكيالين.
هكذا نحن نرى الخير "نحن" والشر "هم"، وذلك الآخر إما خائن أو عميل أو مغفل أينما توجهه لا يأت بخير، وعلى طريقة الملاعب فإننا لا نمانع أن نحسم خلافاتنا ببعض قذائف الحجارة أو الهتافات المهينة أو لي الذراع.
هكذا نحن، منعنا تعصبنا أن نطلق أحكاما متشابهة على المواقف المشابهة، ولهذا اختلفت ردود أفعالنا على مذبحة العباسية عن ردود أفعالنا على مذابح محمد محمود أو مجلس الوزراء أو ماسبيرو مع أن الدم في الحالتين دم مصري والتفاصيل والمطالب متشابهة، وجميعها يمكن تصنيفها سويا تحت بند المعارك الصحيحة في الأماكن الخطء والأزمنة الخطء.
أستطيع أن أفهم كيف تحولنا إلى ألتراس سياسي، ولكنني لا أستطيع أن أقبله!
أما أنني أفهمه؛ فلأن النشاط الجماعي الشرعي الوحيد الذي كان متاحا للمصريين منذ ثورة يوليو 52 كان هو التعصب الكروي، نمارسه قبل أن نبلغ الرشد، ونبدأ في تصنيف الناس على أساس انتمائهم الكروي. فلما جاء العام 2011 وجدنا أنفسنا مضطرين هذه المرة أن نتبنى رأيا في شأن الوطن وأن نؤيد حزبا ونهجا سياسيا، ولأننا لا نملك غير خبرة الكرة فما لبث أن اختار كل منا لافتة -لم يدرك بعد كل معانيها- وتحول إلى واحد من مهاوييسها والألتراس الذين يدافعون عنها.
وأما أنني لا أقبله؛ فلأن لعبة السياسة تختلف كثيرا عن لعبة كرة القدم، وما هو مطلوب من جمهورها ولاعبيها يختلف بوضوح عما هو مطلوب من محترفي الكرة وهواتها، وإذا لم نفهم تلك الفوارق بين اللعبتين فإن عبور مأزقنا الوطني سيحتاج إلى معجزة حقيقية.
دعني أخبرك ببعض الفوارق.
عندما تقرر أن تشجع فريقا كرويا يكون هذا عادة قرارا عاطفيا، تتأثر فيه بمزاج أسرتك أو أصدقائك، وفي كثير من الأحيان تكون عاجزا أن تبرر سبب تشجيعك لهذا الفريق -ولا سيما إن كنت "زمالكاويا"- دون أن يهدد هذا العجز من قبلك مستقبل فريقك.
في السياسة، التبرير مهم.. وعندما يسألك أحدهم لماذا تشجع هذا الحزب يفترض أن تكون لديك إجابة مقنعة تفهمها لا تحفظها وتستطيع شرحها للآخرين، الزعيق العالي الذي يستخدم في المدرجات ليس مطلوبا.. فالمطلوب صوت العقل.
وفي الكرة فريق يلعب ضد آخر، وفقا لقواعد ثابتة، أما في السياسة فقد يتحد فريقان ضد ثالث، وقواعد اللعبة تتغير باستمرار، ولذلك فإن على الداخلين في غمارها أن يراقبوا مواضع أقدامهم، وأن يتعلموا أن يحسنوا الاختلاف لأن فرقاء اليوم قد يكونون حلفاء الغد.
في عالم الكرة، اللاعبون هم "الكل في الكل"، ودور الألتراس أن يهتفوا لهم أو ضد خصومهم، أما في السياسة فجماهير "حزب الكنبة" التي تصفق للعبة الحلوة هم ملوك المشهد وصناع القرار، ودور الألتراس السياسي أن يعرف لغة هؤلاء واحتياجاتهم وأن يكون صوت حزبه بين هؤلاء البسطاء الذين لا يفهمون إلا لغة المصالح.
وفي السياسة تتغير خريطة الولاءات والانتماءات مع بداية كل موسم، يكفي أن تخذل جمهورك مرة أو مرتين لتجد نفسك وحدك في العراء في الموسم التالي.. وبقدر ما يمثل هذا كابوسا لأولئك الذين في الحكم بقدر ما يمثل فرصة وأملا دائما لأولئك في مقاعد المعارضة.
وللأمانة فإن سلوكنا كـ"ألتراس كروي" يبدو أكثر وعيا من سلوكنا كـ"ألتراس سياسي" في نقطتين، أولاهما أننا في الكرة وإن سخرنا من الخصم إلا أننا نظل نخشاه ولا نغامر بالاستهانة به، لأن الخبرة تقول إن فريقا صغيرا يستطيع أن يلقن الأقوياء درسا مؤلما، وأن لاعبا احتياطيا يعتبرونه "إستبنا" قد يدخل المباراة في الدقيقة الأخيرة فيقلب الطاولة!
والثانية أننا في الكرة ننجح بعد قليل في تجاوز ارتباطنا بالأشخاص لنرتبط بالمؤسسة، قد تعشق الأهلى لأنك أحببت الخطيب أو حسام حسن أو أبو تريكة أولا، ولكنك لن تتخلى عن ذلك الفريق إذا اعتزل لاعبك المفضل أو انتقل إلى فريق آخر.
دخلنا عالم السياسة بعقلية وعصبية مشجع كروي، وهذا ليس عيبا كنقطة انطلاق، ولكن علينا الآن أن نعلم أننا نتحدث عن لعبتين مختلفتين بقواعد مختلفة وأهداف مختلفة، فإذا أردت أن تواصل حياتك كألتراس فعد لموطنك الأصلي في مدرجات الكرة، وإن أردت السياسة بلدك فنح أدوات الألتراس جانبا واستخدم أدوات أخرى.
نقلا عن جريدة "الحرية والعدالة" المصرية