لم يسبق لموظف معتبر المكانة أن كسر ثقة ولي الأمر وجاوز حدود الأمانة مثل ما فعل عبدالمحسن العبيكان أخيراً، بل إنَّ صغار الموظفين على امتداد العقود كانوا أكثر إدراكاً والتزاماً.
يزعم العبيكان أنَّ الملك خصه بلقاءات منفردة واستشاره في أمور معينة، من باب الثقة قبل الموقع، فلم يحفظ السر فيها بل بثها وأذاعها هذا إن كان دقيقاً في النقل مع أن من يفشي ماأؤتمن عليه لاغرابة في أن يكون قوله خلطاً وتغريراً.
إنَّ مارمى به العبيكان من أقوال متناثرة لاأهمية لها في مضمونها لأن الصدق لايكون مرحلياً، ولأنها تشي، كما يبدو، بتطلع إلى منصب رئيس القضاء، وأنها رد فعل ذلك؛ إذ لم تظهر الاتهامات بالخطط التغريبية وانحراف القضاء وماخالطهما من عبارات تمس بنية الدولة إلا بعد أن تجاوزه المنصب بمعاييره ومقتضياته ففاض مكنونه كاشفاً مرارته، ومظهراً طبيعة غلبت عليها شهوة المنصب فكانت أغلب وأطغى من معطيات الثقة.
الأمر المهم هو أنَّ هذه التجاوزات تخترق سياج المسؤولية، وتنتهك الأمانة الموكولة، وتتعدى حدود الالتزام التي يفرضها الموقع إن قصرت عنها حدود النضج مما يستدعي تطبيق نظام محاكمة الوزراء في مادتيه الثانية والخامسة لأن هذه المضامين تتعدى على هيبة الدولة، وتفشي الأسرار وتشكك في القضاء وتؤلب الرأي العام، وتشيع المغالطات وهي انتهاكات يكفي واحدها للمساءلة الصارمة لو وردت من أي فرد فكيف والحال يمثلها مستشار قضائي بمرتبة وزير!
لم يفعّل نظام محاكمة الوزراء أولاً لأنه لم يسبق لموظف مماثل أن خالف أنظمة منصبه؛ إذ كانت الثقة هي المرجع، والالتزام هو الإطار، والنصيحة لاالوقيعة هي المسلك، أما وقد غابت جميعاً فلقد حان للنظام أن يطبق مساراته.
* نقلا عن صحيفة "الشرق" السعودية