الفكر العربي اليوم هو طائر كسيح تكسر وتكوم على طرف الطريق إثر العواصف التي عصفت به ورمته على جادته! لا يعرف كيف يقوم من مكانه ولا إلى أين يذهب إن قام؟! ومن الذي سيقبله إن أراد أن يعيش واقعه محلقاً بالسماء؟. ففقده العاشقون، وهجرته الأشجار التي تصحرت وتصخرت من قسوة المكان وحرارة الأرض، فغاب من يتغنى لي على الأشجار، كل صباح، في مدينتي الصغيرة!
غاب، لأن دولنا العربية تتعامل مع الفكر باستحياء تارة، واستعداء تارة أخرى! مقتربة من نظرية (هو يفكر.. إذن هو خائن). وكأن التقليدية اليوم أصبحت الكينونة التي يختبئ العرب من ورائها أمام العالم وحضاراته المتفجرة. فتجد حال الوطن العربي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ونيل الكثير من الدول العربية الاستقلال، يتمحور حول الذات مدافعاً عن نفسه وتراثه وكأنه مازال في حرب مع مستعمر جاء ليمحيه! ناسفاً أي محاولة للتجديد في الفكر والإصلاح وإيجاد بدائل تخرجنا من الواقع الفكري المؤسف الذي نعيشه، والأهم من ذلك معرقلاً أي محاولة للخروج من التقليدية الفكرية المظلمة والتي أتت بنا إلى التطرف.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى هزيمة العرب (الأنظمة الثورية) أمام إسرائيل في 1967م، انقسم الفكر بعد هزيمة الفكر القومي والعمل العربي الموحد، إلي فسطاطين متباينين: الأول كان يلوم الهزيمة بأنها هزيمة طبيعية لمجتمع بعيد عن الدين والتراث مطالبين بالعودة للماضي والتمسك بالدين والتقاليد لننجح من جديد! أما الفسطاط الآخر فكان من يشكل خطرا حقيقيا على الساسة بالرغم من قلة عددهم! فهم مجموعة صغيرة من المفكرين العرب رأوا أن النتيجة طبيعية في هذه الهزيمة عندما يكون الواقع العربي في ضعف وتخلف! معتبرين أن هذه النكسة هي نكسة حضارية قبل كل شيء، فوضعوا لوم الهزيمة على الحكام وأنظمة الحكم، وبالرغم من أن هذه المجموعة لم تنادِ بإسقاط الحكام ولم تضع أنظمة الحكم في قفص الاتهام، فإن الحكومات فتحت أبواب السجون لاحتضانهم.
ولكن هل العيب اليوم في الحكومات أو العيب في الأفراد التقليدين على الوجه الآخر من الضفة؟ أو بالأصح، هل العيب بمن يحكمنا أو العيب فينا؟
وصل العالم العربي اليوم، إلى حالة انقلاب من التقليدية إلى التطرف الذي لا يعي تطرفه: فالتاريخ الإسلامي ذكر لنا نماذج مخيفة من التطرف وكيف يكون هذا التطرف أعمى. فحتى غلاة الخوارج من الأزارقة الذين كانوا يرون جواز قتل المخالف لهم بالرأي، حتى من النساء والأطفال، كانوا يعيشون في يقين راسخ أنهم (معتدلون وسطيون) وأنهم لا يريدون إلا الخير لدينهم.
التقليدية تؤسس للتشدد والتشدد يبني التطرف في الذهنية والمجتمعات لتصبح التقليدية هي العامود الفقري للتطرف.
التطرف بداية ونهايةً، هو ما أوصلنا إلى الفكر الذي يؤسس لمشروعية التطرف الديني ويحاول شرعنته! وأنا متأكدة أن الكثير ممن يقرؤون هذه السطور اليوم، هم على قناعة كاملة بأنه لا يوجد هناك تطرف فكري بيننا كعرب ومسلمين للدرجة التي تجعلنا نتوجس من الواقع وللمستقبل، إلا أن جوابي لهم بأن التقسيم أصبح قسمة واضحة يتفكر ويتمعن بما هو حوله، فقد قسمها لنا الشيخ المحمود في كتاباته «تقسيم واضح للشريعة: نصوص وأحكام لا يجوز الاستهزاء بها.. وقسم آخر لنصوص وأحكام لا يجوز الاستهزاء بها» فإن «يفحص الإنسان ذاته، ومقولاته، ومقدساته، ورموزه الاعتبارية، ليس عملاً سهلاً: لأنه ليس عملاً تلقائياً، بل هو مضاد للتلقائية الغرائزية التي يتصدر عنها التقليد والتقديس والتوثين».
لا تمسوا شيئا، ولا تفكروا، ولا تطوروا، فلا تذهبوا ببعيد خارج الصندوق! وإلا كنتم من (الخائنين) لأن «من يفكر هو خائن»… وما أمامنا اليوم إلا أن نأمل أن يخرج من التصلب الفكري والتطرف من سيقف وينسلخ من هذا التحجر، وأن يأتي ممن لا يؤمنون بالعقل من سيؤمن بالعقل ويتمرد على واقعه ليهزم العداء المزروع والمضمر داخل هذا التطرف والتقليدية، للإنسان والإنسانية وللحضارة والرقي.
* نقلاً عن صحيفة "الشرق" السعودية