توالت التغريدات والرسائل الإلكترونية تؤكد ضرورة السفر إلى إمارة الشارقة، يعرف الأصدقاء الذين يبعثون بها أننى كنت دائما شديد الحرص على حضور المؤتمر السنوى الذى تنظمه مؤسسة الخليج، وتدعو إليه عددا من الكتّاب والمحللين العرب لمناقشة صريحة وجريئة لقضايا نشترك فى الاهتمام بها. يجب أن أعترف بأننى مدين للمؤتمرات الاثنى عشر التى عقدت فى رحاب هذه الدار بعديد الصداقات الخليجية التى أعتز بها، ولا أنكر أنه بفضل هؤلاء الأصدقاء اكتسبت بعض الخبرة فى سياسات دول الخليج والعلاقات الدولية الخليجية. استفدت كثيرا من المعلومات المعلنة والسرية التى يتبادلها المشاركون، واستفدت أكثر من تحليل الآراء، كل فيما يخصه، ومن تسريبات المسئولين الذين يتصادف وجودهم فى المكان أو يتعمدون. لا شىء يعادل، عند الكاتب الصحفى، مثل هذه اللقاءات حيث يختبر دقة معلوماته وقوتها وأهميتها ويحصل من أصدقائه المشاركين على إجابات عن أسئلة قضى أياما قبل السفر يجمعها ويصنفها.
على موائد الفطور وقبل الانتقال إلى قاعة الاجتماع دار الحديث حول موضوع ملكية الصحف، لم يصبر القادمون من كافة دول الخليج وبعض دول المشرق والمغرب حتى تنعقد الجلسة الأولى للمؤتمر، وموضوعها ملكية الصحف. كان واضحا أن الموضوع ضاغط على أعصاب الجماعة الإعلامية فى كل دولة من الدول العربية، ويؤذن بتطورات خطيرة فى مجال عملهم، ومن بعده فى العمل السياسى والثقافى.
كانت فرصة تبادلنا خلالها النماذج وتجاربها، وتطوع أحدنا بشرح جميع أبعاد قضية روبرت ميردوخ، الملياردير الأسترالى الأصل الصهيونى الهوية والمعتقد ومالك عدد هائل من الصحف وقنوات التليفزيون، ومسلسل الآثار التى خلفتها القضية على النظام السياسى البريطانى، وعلى أشخاص معينين مثل طونى بلير واللورد كارادون وعلى نظام المخابرات وجهاز الشرطة. تطوع صديق آخر بتقديم آخر صورة من صور ملكية وسائط إعلامية مصرية كالصحف وقنوات التليفزيون، مشيرا إلى عمليات تجريف كافية لو استمرت لانحرف النظام السياسى المصرى، الذى لم يقم بعد، نحو التيه والضياع وبعيدا عن حلم الاستقرار الاجتماعى والاقتصادى ولتدهورت مستويات أداء الإعلام وانفرطت منظومة الأخلاق. لم يكن الصديق يتحدث من فراغ، فقد جاء إلى مائدة الفطور ومعه قائمة بدول «فشلت»، حين استولى على ملكية الصحف فيها من لا يهمه تحقيق ربح مادى أو استقلال وطنى أو نهضة حضارية بقدر ما يهمه تحقيق أغراض لا يعلن عنها.
ومن مطعم الفطور فى الفندق المطل على الخليج انتقل الضيوف إلى قاعة المؤتمر فى مبنى الدار على أطراف المدينة، حيث دار نقاش امتد لساعات حول الإعلام الجديد ودوره فى تكوين «فرد» إعلامى مختلف ومجتمع اتصالات مختلف وتقويتهما إلى حد جعل أنظمة حكم عتيقة تلهث وهى تحاول اللحاق بهما، اللحاق بالفرد المختلف وبمجتمع الاتصالات المختلف.
لدينا الآن فى جميع مدننا العربية وقرانا فرد يتخلى تدريجيا عن «جماعاته» التى تعود أن يقضى وقت فراغه فيها أو معها لينشئ «جماعته الصغيرة» الجديدة. كانت جماعاته الأساسية فى السابق توجد فى الحى الذى يسكن فيه والنادى الرياضى أو الاجتماعى الذى يرتاده، والمقهى البلدى حيث اللقاء المعتاد بين أصدقاء ومعارف نشأت علاقاته بهم ونمت وتوطدت على مر السنين. أما الجماعة الصغيرة الجديدة التى استحوذت على معظم وقته، ليله ونهاره، فهى تتكون من أفراد مثله ولكن لا يعرفهم ولا يعرفونه كما عرف وعرفه أصدقاء المقهى والنادى والحى. الجدد ينتمون إلى طبقات متعددة ولا تجمعهم مستويات اجتماعية أو تعليمية متقاربة ويسكنون فى مواقع جغرافية متباعدة. هؤلاء هم أفراد فى جماعة فيس بوك والتويتر التى تشكلت حول موقع يحمل اسمه، ويفخر بها ويفاخر بهم، فهو يقول إن عنده من الأصدقاء مئات، وهم ليسوا أصدقاء ومن الأتباع آلاف، يتبعونه حينا ويتبعون غيره أحيانا كثيرة.
يرتاح الفرد الجديد المختلف لانضمامه لجماعات من هذا النوع، فهى لا ترتب عليه مسئوليات اجتماعية أو مادية، وهى لا ترتب أعضاءها حسب أقدميات عمرية أو طبقية أو وظيفية. لا أحد فيها يفرض ما يقول ولا أحد فوق النقد والمؤاخذة. كل فرد فيها يساوى الآخر. إنها السعادة المطلقة والراحة النفسية لفرد خرج لتوه من مجتمعات وجماعات القهر والقمع والأمر والنهى. هذا الفرد شعر بقدرة لم يكن يمارسها من قبل فى علاقاته داخل جماعاته المفتوحة. هو الآن مشارك فى صنع السياسة وإعلامى بامتياز، لأنه يصنع أخبارا تنقلها عنه وسائل الإعلام التقليدية، ويصحح أخبارا تنشرها ويعلق عليها ويضيف إليها. هذا المواطن الصحفى، لم يكن موجودا من قبل، يكتب ويبث وينشر ويثير المشكلات للدولة ويقترح حلولا لمشكلات أخرى.
رأيناه فى الآونة الأخيرة لاعبا دوليا خطيرا، رأيناه يتدخل للتأثير فى علاقة سياسية بين مصر وأكثر من دولة. ولا شك أن قوة تأثيره أذهلت صانعى القرار فى المنطقة بأسرها وجعلهم يقفون على أطراف أصابعهم فى توقع دائم لتدخل من فرد منفرد أو فرد فى جماعة تضم أفرادا رحل يجوبون الفضاء، يكتب مدونة أو تغريدة تشعل الغضب، وقد تشكل حربا أو تقطع علاقة سياسية واقتصادية بين بلدين.
هذا الفرد الفاعل فى عصر وسائل الاتصال الاجتماعى أصابه ما أصاب غيره من الأفراد فى عصور الثورات والانتقال الحاد من حال إلى حال، أصابه نوع من ثنائية السلوك، فها هو ينشئ أو ينتمى إلى جماعات عديدة كثيرة التنقل، وينشغل بكل وقته فيها، وتطير رسائله إلى عشرات الألوف، ومع ذلك يشعر بالوحدة كما لم يشعر من قبل. لا يعيش وحيدا ولكنه يشعر بالوحدة. الوصول إلى الآخرين صار أسهل من أى وقت مضى، لدينا وسائل اتصال لم تتوافر من قبل ولكننا انفصلنا عن المجتمع الأكبر ودخلنا مجتمعات أصغر، بمعنى آخر كلما ازددنا اتصالا ببعضنا البعض كلما ازداد شعورنا بالوحدة وانعزلنا «جسديا» عن بعضنا البعض.
اقتربت النهاية. كان أحد الحاضرين قد عرض بعدا جديدا من أبعاد ظاهرة الفيسبوك وتأثيرها على حياتنا ومستقبلنا، أشار إلى أن عدد المشاركين فى هذه «الظاهرة» بلغ رقم 836 مليونا، وطلب أن نتأمل قليلا فى هذا الرقم. قال إنه لم يحدث فى التاريخ أن قامت امبراطورية بلغ عدد رعاياها هذا الرقم، وباستثناء الصين والهند لا توجد أمة بهذا الحجم أو تخضع بكل الولاء والطاعة لنظام موحد للعلاقات والقواعد بين أفرادها، ولا توجد شركة عابرة للجنسيات تتحكم فى هذا العدد من المستهلكين.
انتهى وقت الكلام المباح. شدنى من يدى مسئول كبير وابتعد بى عن وسط القاعة ليهمس فى أذنى بأنه يحنى رأسه احتراما لما حققه أفراد من العرب خلال عام ونصف العام. قال مستمرا فى الهمس «سبقونا وانقطعت أنفاسنا ونحن نحاول اللحاق بهم.. هم يخطئون ونحن نخطئ.. ولكن هم يصلون بسرعة، ونحن كالعادة أبطأ وأثقل».
* نقلا عن "الشروق" المصرية