كلما تعمقنا في نقاش قضايانا صدمنا أكثر لما يكشفه النقاش من خبايا لم نكن نتصور أنها موجودة، أو أن هناك من يمتلك البراعة لخلق عوالم مخفية يمارس من خلالها نزقة وشراهة روحه في تحقيق المكاسب.
نبقى بسطاء نغلب حسن الظن على سوئه، وإن حصل تغيير في المفاهيم فما تلبث أن تتراجع لكثرة من يلوم البعض على الانسياق وراء تلك الأقلام والأصوات التي لا تعلو إلا بحثا عن الشهرة من وراء الادعاءات المزيفة كما يقولون !
هكذا دائما يأتي الاتهام معلبا وجاهزا لكل من ينبري لطرح مشاكلنا على البساط مستعينا بالأدلة والبراهين شاحذا همة المسؤول للجلوس قبالة المواطن المغلوب على أمره ليطرح علية أسئلته التي تفتقر إلى المراوغة والحنكة فتأتي مباشرة عفوية لكنها تتكسر على رصيف الإجابات النارية الداحضة لكل إخفاق وخلل
ويمضي وقت المكاشفة وقد قلبت الموازين، وأصبح المواطن في موقف المدافع عن نفسة فهو المسيء الاستخدام للمرافق العامة، غير المقدر للجهود التي تبذل لخدمته. بمعنى «ناكر» للجميل وما يعجبه العجب، بل إن شغله الشاغل الترصد للهفوات البسيطة لتلك الإدارة وذلك المسؤول الذي يسهر الليل لأجل راحتك.
أحيانا تزداد قناعتك أن كل ما يقال ويكتب عن تلك المشاكل مجرد هدر للوقت، وضياع للجهد ونبش لحقائق تزيدنا وجعا وفي النهاية تنتهي إلى المجهول، ويبقى الوضع على حاله.
قد يقال إن هذا تشاؤم وقصور في النظرة غير إن الواقع يكشف ذلك وخير شاهد تلك البرامج الحوارية الثامنة وقبله الثانية مع الشريان، وياهلا مع العلياني وكلها تحمل جدية وشجاعة المعد والمقدم وقوة الحجج. لكن الغلبة في النهاية للضيف النجم و تأتيه تلك الغلبة إن غاب أو حضر فغيابه يفقد الحلقة وهجها والنقاش أهميته وإن حضر فسلطته طاغية ومن في حضرته يستهلكون أصواتهم التي لا تتجاوز حلمة أذنه.
أي أن مجرد التفكير في قبول الملاحظة ودحضها أو إثباتها بالنقاش مرفوض، وهو غير ملام له فقد تعود أن يملي أوامر ويتلقى الثناء عليها مهما كانت تسلطية فكيف نحتجزه إلى كرسي شبه وثير ويصبح متهما يواجه أخطاءه
لا نقلل من جهود القائمين على هذه البرامج فهم شجعان بحق لكن المواطن لا يريد نقاشا وكشف حقائق دون أن يرافق ذلك تغيير للواقع ومحاسبة للمقصر وهذا جزء يسير من حقوقه التي ضاعت بين المطالبة والنقاش وأزمنة طويلة قضاها في قوائم الانتظار عند باب موصد أو طريق مسدود أو شارع تملؤة الحفر.
*نقلاً عن "عكاظ" السعودية