حصل "الاستفتاء" حول عهد الرئيس نيكولا ساركوزي، وفاز فرنسوا هولاند في الانتخابات الرئاسية الفرنسية. لكن، أبعد من النتائج التي ظهرت سريعاً بُعيد إغلاق الصناديق وأهميّتها ومدلولاتها ومفاعيلها المستقبلية، بدت العملية الديموقراطية في أبهى حللها، وعكست رُقياً واحترافاً وتنافساً والتصاقاً بـ "قيم الجمهورية"... مما يؤشّر، مرّة جديدة، إلى تعلُّق الفرنسيين بنظامهم الديموقراطي، والمواطَنة، والمشاركة، وتداول السلطة، والتغيير.
أما الإعلام الفرنسي، فأتى أداؤه مميّزاً طوال العملية، بدءاً بالانتخابات الحزبية التمهيدية، وصولاً إلى النتائج النهائية، وخطابات الفوز والخسارة، وانتهاءً بالاستعداد لدخول الفائز قصر الإليزيه، وخروج الخاسر إلى منزله... لا إلى القبر أو السجن أو المنفى! كما جاء هذا الأداء على قدر التحدّيات والطموحات، من حيث احترام القانون، والالتزام بتوصيات "المجلس الأعلى للإعلام المرئي والمسموع" (CSA)، والتمسّك بالمهنية، والإعداد والتوثيق، والقدرة التحليلية، ومقارعة المرشحين بالملفات والحجج والأرقام، مع تأمين حقّهم في الظهور وإعطائهم المساحة المتكافئة ضمن نشرات الأخبار والبرامج السياسية... وكذلك، عقد المناظرات التلفزيونية المتساوية الفرص وفترات الظهور والكلام، والابتعاد عن الإثارة والمبالغة والتوجيه والسعي لاستغلال الإحصاءات، وإن كانت دقيقة، لمصلحة هذا المرشح أو ذاك... إضافة إلى النجاح في تغطية أيام انتخابية بكاملها، عبر مختلف الوسائل الثابتة والتفاعلية والمتنقّلة، من دون اللجوء إلى تصريحات المرشحين، أو نشر الإحصاءات والمعلومات التي قد تؤثّر في حسن سير العملية الانتخابية ونتائجها، أو الوقوع في التكرار... كل ذلك، مع الحرص على السبق الصحافي، خصوصاً في الأوقات المفصلية للحملات، والفترات الحرجة التي يَمُرّ بها المرشحون، والتي تُرافق ظهور النتائج وتَسبق خطابات الفوز والخسارة. ولا ننسى "الشكل" وإعطاءه حيّزاً يوازي بأهميّته "المضمون"، أكان في استديوهات الأخبار والبرامج، أو في الكواليس، أو خلال مواكبة المرشّحين ميدانياً، عبر اعتماد التقنيات الحديثة، والإمكانات اللوجستية المتطوّرة، والحرص على تأمين الصورة البرّاقة والمبهرة والقادرة على جذب الجمهور.
يخرج المتابع للانتخابات الفرنسية بانطباع أن نتائج الاستحقاقات الديموقراطية ليست محسومة سلفاً، كما الحال عندنا... وأن النتائج محترَمة وتُوصل الفائز، أياً يَكُن، إلى المركز الذي يَستحق... وأنها أفضل وأكثر ديموقراطية وحريّة ونزاهة واحترافاً وتنافساً من مختلَف أنواع الانتخابات في لبنان! فلنشاهِد ونتعلَّم كيف تكون الحياة السياسية راقية ومحترفة وخلاّقة وهادفة، وكيف تجري الانتخابات وتُفرَز نتائجها بفعالية وحياد، وكيف تتم المساءلة والمحاسبة ويحصل التغيير... وأخيراً، كيف تأتي التغطية الإعلامية لتعكُس الواقع بأمانة، و"تُعرّي" المرشح بخفر، وتغطّي الحدث بإسم المصلحة العامة، لا الخاصة.
*نقلا عن "النهار" اللبنانية.