يقول من يعرف مدير وكالة "سي آي اي" الجنرال ديفيد بترايوس، أن استقالته المفاجئة جاءت في شكل أساسي، نتيجة تمسّكه بمبادئه وقناعاته، وبما يعرف به من شغف بـ"روح القيادة" و"الولاء" و"الشرف"، باعتبار أن هذه القيَم هي، في رأيه، أساسية ليتمكّن الرجل، كل رجل، من أن يكون قائداً ملهِماً، ومثلاً ومثالاً، وقدوة أخلاقية ومهنية. ويُضيف عارفو بترايوس أن علاقته "العابرة" بكاتبة سيرته، خارج إطار الزواج، شكّلت دافعاً للاستقالة، لكن كان يُمكن لقائد استثنائي مثله أن يسلك طريق "النكران" أو "التجاهل"، ويستخدم سلطته ونفوذه لإخفاء كل أمر عن أي شخص، أقلّه لناحية البراهين الحسّية... لولا إيمانه بأن القانون هو فوق الجميع في أميركا، وأن المساءلة والمحاسبة، هما من ركائز النظام الديموقراطي... ولولا حرصه على عدم الدخول في متاهات فضيحة جنسية وإعلامية وسياسية ومخابراتية طويلة الأمد، أوّلها معلوم، ووسطها شديد الاشتعال، وآخرها مجهول ومفتوح على مختلف الاحتمالات والملفات
والأسماء!
صحيح أن استقالة بترايوس أفقدته منصبه الأمني الرفيع، وأعاقت مسيرته المهنية، وأثّرت سلباً في مصدقيته وحياته العائلية، لكن الأصح أنه، بخروجه الاستباقي، يكون ابتعد عن الأخطاء القاتلة المتمثّلة في تُهَم "الخيانة العظمى" أو "الكذب تحت القسم" أو "انتهاك الأمن الوطني" أو "تهديد جهود الاستخبارات المضادة"... وتالياً، يكون حافظ على سجلّه العسكري الناصع، واكتسب احتراماً مضافاً لدى الجمهور الأميركي المستعد لمسامحة "أبطاله" على تجاوزاتهم الجنسية، تماماً كما سامح الرئيس بيل كلينتون وغيره.
ما حصل مع بترايوس لا يُغيِّب من الذاكرة ما فعله من أجل لبنان، إذ سعى إلى تعزيز قدرات الدولة اللبنانية ومؤسساتها وأجهزتها، عبر توفير الدعم للجيش اللبناني والقوى الأمنية، لتتمكّن يوماً من مواجهة التحدّي المتمثّل في الجنوح نحو إقامة "دولة ضمن الدولة" امتداداتها اقليمية، وما هدف إليه كي تَخرُج الجمهورية من منطق "التبعية والوصاية والهيمنة". كما ساهم بترايوس في الجهد الرسمي الهادف إلى مكافحة التطرّف والإرهاب والحدّ من انتشار التيارات الأصولية. أخيراً، حرص بترايوس على حماية الأقليات في المنطقة، إيماناً منه بدورها في نشر قيَم الاعتدال والتسامُح والديموقراطية والحرّيات وحقوق الإنسان وبناء "دول الحق".
أي مستقبل ينتظر بترايوس، وهل يترشّح للانتخابات الرئاسية الأميركية سنة 2016، في اوضاع ومعطيات مختلفة، لتعود إلى الواجهة المبادئ والقدرات القيادية التي يُسجّل عارفوه تميّــــــزه بهـــــــا، بعدمــــــا يكون الزمن تكفّل بتراجع تداعيات علاقاته
"العابرة"؟!
*نقلا عن صحيفة "النهار" اللبنانية.