.
.
.
.

الأزهر وثورة 25 يناير رصد توثيقي وقراءة موضوعية

الدراسة توثق مواقف المؤسسة الأزهرية الرسمية أثناء الثورة المصرية وما تلاها

نشر في: آخر تحديث:
تقتصر هذه الدراسة على أربع من ملفات الأزهر فيما تلا تفجر "الربيع العربي":

أولاً: الأزهر أثناء الثورة

ثانياً: الموقف من "الربيع العربي"

ثالثاً: وثيقتا الأزهر الداخليتان

- "وثيقة مستقبل مصر": 19 يونيه 2011

- "وثيقة منظومة الحريات الأساسية": 8 يناير 2012

رابعاً: ملف قانون الأزهر



محدِّدات أولية.

هذه الدراسة التوثيقية الذي أعدها الباحث والكاتب المصري أحمـد عبدالرحـيـم تنصبُّ على توثيق مواقف المؤسسة الأزهرية الرسمية أثناء ثورة 25 يناير 2011 وما تلاها حتى لحظة التدوين (أوائل أكتوبر 2012م).



والمراد بها هنا: مشيخة الأزهر، وما يتصل بها بشكل مباشر.. كجامعة الأزهر، ومجمع البحوث الإسلامية، وصحيفة "صوت الأزهر".

وبالتالي..



فليس من مقصودها تتبع مواقف "المؤسسة الدينية الإسلامية المصرية الرسمية" بعمومها.. فلا يدخل في حيز الدراسة مواقف "دار الإفتاء المصرية"، ولا وزارة الأوقاف" وما يتصل بها من هيئات ومؤسسات.

وليس أيضاً من مقصودها رصد مواقف أبناء الأزهر في المواقع المختلفة، ممن لا يشغلون منصباً رسميًّا في "الأزهر الشريف".. كـ"جبهة علماء الأزهر"، والائتلافات والحركات الأزهرية، والأفراد الأزهريين الذين كان لهم حضورٌ فاعلٌ بزيهم وصفتهم الأزهريين دون أية صفة رسمية.

كما لا يدخل في حيز الدراسة التعرض لشيء من تاريخ الأزهر، ولا مواقف أبنائه وأعلامه قديماً ولا حديثاً، إلا بالقدر الذي يتصل بصُلب موضوع البحث السابق.

اختصارات

المؤسسة الأزهرية: مشيخة الأزهر، وما يتصل بها بشكل مباشر.. كجامعة الأزهر، ومجمع البحوث الإسلامية، وصحيفة "صوت الأزهر".

الإمام الأكبر: الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر خلال فترة الدراسة.
المؤسسة الدينية الإسلامية: مشيخة الأزهر، دار الإفتاء المصرية، وزارة الأوقاف.. وما يتصل بكلٍّ من هيئات.

الثورة: ثورة مصر المنطلقة في 25 يناير 2011.

الموجة الأولى من الثورة: منذ يوم 25 يناير 2011، وحتى خلع الرئيس السابق محمد حسني مبارك، وإعلان هذا مغرب الجمعة 11 فبراير 2011.

أيام التحرير: أيام الموجة الأولى من الثورة في "ميدان التحرير" بقلب القاهرة رمز الثورة الأشهر، منذ 25 يناير وحتى احتفالات الميدان ابتهاجاً برحيل مبارك في 11 فبراير 2011م، والتي انتهت بتنظيف الميدان وإخلائه بعد اعتصام متصل طوال ثمانية عشر يوماً، كانت - بنظرٍ وطنيٍّ شبه إجماعيٍّ – "يوتوبيا" مصر المثقلة بأعباء مخاض عسير، ونموذجاً لمصر التي يريدها المصريون: نظيفةً، منظمةً، متحدةً، متآخيةً، قويةً، ذكيةً، فطِنةً، ساخرةً، مبتهجةً رغم كل الآلام، تعرف ما تريد، مصممةً على أهدافها، واثقةً بالله تعالى في بلوغ جميع الآمال.

الميدان: ميدان التحرير وسطَ القاهرة، منذ الاعتصام به يوم "جمعة الغضب" 28 يناير 2011، وحتى أيام كتابة الدراسة. واستخدامه بالإفراد يحيل إلى جميع الميادين في سائر محافظات مصر، فهو رمز للحراك الثوري في جميع أنحاء مصر.

المجلس/ المجلس العسكري: المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

المشير: محمد حسين طنطاوي، رئيس "المجلس الأعلى للقوات المسلحة"، والمسؤول الأول عن مصر منذ 11 فبراير 2011، وحتى تنصيب الرئيس محمد مرسي في 30 يونيو 2012م.

أولاً: الأزهر أثناء الثورة

(1)
منذ بداية الدعوة إلى التظاهرات الحاشدة في أنحاء مصر بدايات 2011، واتخاذ 25 يناير (يوم "عيد الشرطة") موعداً لإحدى ذُراها، لم يخرج الموقف الأزهري الرسمي عن "المتوقع" منه: كلامٌ عامٌّ مستهلكٌ حول "حرية إبداء الرأي"، ووجوب "سلمية" التظاهرات. مع التأكيد الدائم، بمناسبة ودونها، على الثقة في "القيادة الرشيدة الحكيمة للرئيس مبارك والقيادات الأمنية".

وتأكَّد موقف الأزهر غير الإيجابي من هذه التظاهرات، وانحيازه مع نظام مبارك، يوم 28 يناير 2011، "جمعة الغضب".. حيث لم تكن التظاهرات قد هدأت طوال الأيام الثلاثة السابقة، وحيث بدأت أسقف المطالبات تعلو.. وإذا بصحيفة "صوت الأزهر"، الصوت الرسمي للأزهر جامعاً وجامعةً، تنشر تهنئةً إلى وزير الداخلية اللواء حبيب العدلي، مع صورة كبيرة له، بمناسبة "عيد الشرطة"!

ومثل هذا التصرف وإن بدا معتاداً، بل وآليًّا، يدل على "المعتاد" و"المتوقع" من "المؤسسة الدينية الرسمية" طوال عقود نظام مبارك وما قبلها: التأييد الدائم، والمباركة المستمرة.. دون اعتبار لموقف الشعب الحقيقي من النظام ورموزه. وهو الأمر الذي تتضاءل دلالته بالاعتياد والتوقع، إلا في مثل هذه الأيام التي بدت أنها استثنائية منذ سقوط أوائل شهداء "الأحداث".

ومما يزيد توقع بطء انتباه أهل المؤسسة إلى خطورة ما يجري واستثنائيته، ووجوب أن يكون للمؤسسة رأي "طليعي" مستشرف، أن المؤسسة ذاتها جزء من نظام بليد بطبعه، وأن "الإمام الأكبر" الدكتور أحمد الطيب لم يكن بعيداً عن مثل هذا السلوك منذ أيامه الأولى في منصبه الرفيع (مارس 2010)، حيث لم يتنازل عن عضويته بـ"الحزب الوطني" و"لجنة السياسات" فيه التي اختُرعت لـ"الوريث" المرتقب جمال مبارك، إلا بعد لأْيٍ ومداورةٍ، بل واستئذانٍ صريحٍ في أن يتقدم "الإمام الأكبر" باستقالته إلى "السيد الرئيس"!

ومع تصاعد أحداث التظاهرات، وارتفاع سقف المطالب إلى حد إقالة الرئيس، بل ومحاكمته (لا سيما بعد "موقعة الجمل" 2 فبراير).. بدأت المؤسسة في طرح نفسها مركزاً للقاء ممثلين عن الشباب الثائرين، ومحاولة تقريب وجهات النظر، وحماية البلاد من الانزلاق في الفوضى الكاملة.

وحث د.الطيب في بيان له (3 فبراير 2011) الشباب على "التعقل" لافتاً نظرهم إلى أن هذه "الأحداث يراد بها تفتيت مصر وتصفية حسابات وتنفيذ أجندات خارجية"، وتساءل: "أين أصوات العقلاء؟!"، ودعا شباب الميدان "الذين يحظون بثقته حتى هذه اللحظة" إلى العودة إلى بيوتهم وتهدئة الأوضاع، وإلى انتخاب مجموعة منهم للاجتماع معه للتباحث في حل للأزمة و"لنقف على كلمة سواء». وقال: "أناشد المحتجين كوالدهم، فلا يوجد من في قلبه مثقال ذرة من دين يريد أن يغمس يده في ما يحدث" .
وصاحبت هذا الدعواتُ المستمرة إلى وجوب الحفاظ على الأرواح والممتلكات، لا سيما بعد انسحاب الشرطة الكامل من جميع شوارع مصر، ونزول الجيش المصري منذ مساء "جمعة الغضب" 28 يناير، وبدايات تشكيل "اللجان الشعبية" في جميع نواحي مصر.

(2)
ومن أهم ما حصل تلك الأيام، في 3 فبراير، إعلان المتحدث الرسمى باسم مشيخة الأزهر السفير محمد رفاعة الطهطاوي (غير الأزهري، القادم من وزارة الخارجية) تركَ منصبه وانضمامه بشكل كامل إلى المعتصمين في ميدان التحرير، وأنه "يساندهم بكل ما أوتى من قوة، ولن يترك الميدان إلا برحيل الرئيس مبارك عن الحكم".
هذا هو الموقف العملي الوحيد لأحد ذوي المناصب في المؤسسة الأزهرية تأييداً واضحاً للثورة وتسميةً للأمور بأسمائها، وإن كان صاحبه غير أزهري!
وكان لافتاً تأكيد السفير الطهطاوي على أنه لا يمثل الأزهر منذ لحظة إعلانه استقالته، وسكوت المؤسسة عن هذا.. فلم تعترض، ولم تؤيد: انتظاراً لما ستُسفر عنه الأيام! هذا السكوت المتربص أباح للإمام الأكبر بعد أيام من خلع مبارك أن يؤكد أن الأزهر لم يتملق أو يهادن النظام السابق خلال المظاهرات، مشيرا في هذا السياق إلى موقف السفير الطهطاوى، "الذي كان قد شارك في المظاهرات، وهو المتحدث الرسمي باسم الأزهر، وهو ما يعنى أن الأزهر كان مسانداً للثورة وليس للنظام"!

(3)
ومع ارتفاع مطالب الميدان، واشتداد حدة النقد لمبارك لحثه على التنحي.. حصل "تلاسنٌ" بين الإمام الأكبر والفقيه المصري/القطري الكبير (والأزهري القديم، وعضو "مجمع البحوث الإسلامية" أيضاً) د. يوسف القرضاوي.. حيث تكرر ظهور هذا الأخير على إحدى القنوات الفضائية العربية مندداً بمبارك ونظامه، وحاثًّا جماهير الشعب على "المرابطة" في الميدان وعدم التراجع عن أيٍّ من مطالب الثورة.. وفي أثناء بعض هذه المداخلات حمل القرضاوي بشدة على الإمام الأكبر، متهماً إياه بـ"خيانة الثورة والركون إلى الظالمين" ..

فرد عليه الإمام الأكبر "ضمنيًّا، وبما يشبه التصريح، وفي سياق انتقاد حاد لتدخل مرشد الثورة الإيرانية آية الله خامنئي في الشأن المصري بتأييده القوي لمطالب الميدان .

حذر الإمام الأكبر (7 فبراير 2011) بوجهٍ خاص من "إثارة المشاعر، واللعب على عواطف الجماهير، عبر فتاوى دينيةٍ صدرت بالأمس القريب من مرجعيات فقهية ورموز دينية دعت فيها إلى فتنة حرَّمها الله ورسوله وأجمع المسلمون كافةً على تأثيم كل من يدعو إليها" .

ووصل الأمر، وفقاً لمصدر مقرب من شيخ الأزهر، إلى حد الإيعاز إلى "مجمع البحوث الإسلامية"، في اجتماعه الذي عقد الخميس 10 فبراير السابق لقرار التنحي، للتصويت على سحب الثقة من د. يوسف القرضاوي، إلا أن عدم اكتمال النصاب القانوني حال دون ذلك !

وفي يوم التنحي 11 فبراير، وقبل إعلانه بساعات، صرح الإمام الأكبر للتلفزيون الحكومي بأن المظاهرات غدت حراماً، حيث تحققت مطالب الميدان، وانتهى "النظام" بقرار الرئيس تعيين نائبه اللواء عمر سليمان بالصلاحيات المطلوبة . وهو الموقف الذي اضطره لاحقاً، وأكثرَ من مرة، إلى الاعتذار عنه، مبرراً إياه بأن دافعه كان حقنَ الدماء وتهدئةَ الأمور !

في هذه التصريحات الأخيرة، قبيل التنحي، طالب شيخ الأزهر المتظاهرين في ميدان التحرير وكافة المحافظات المصرية بالعودة إلى بيوتهم وفض اعتصامهم فوراً، معتبراً أن ما يحصل نوعٌ من الخروج على الشرعية.

وزاد موقف المؤسسة الأزهرية حرجاً، وتأكيداً لمساندتها النظامَ المتداعي، بنفي مكتب شيخ الأزهر في اليوم ذاته (11 فبراير 2011) ما تردد عن استقالته، حيث كانت شائعات قد ترددت صباح اليوم السابق عن استقالة الطيب احتجاجاً على القمع الذي يمارسه النظام مع المتظاهرين المطالبين بتنحي الرئيس حسني مبارك .

(4)
ولم يطرأ تحولٌ نوعي على موقف المؤسسة حتى مساء "جمعة الحسم" 11 فبراير (أو"جمعة الزحف" أي إلى القصر الجمهوري بمصر الجديدة)، حين أعلن اللواء عمر سليمان، المسمَّى قبل أيام "نائباً للرئيس" تخلي مبارك عن السلطة وتكليفه "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" إدارةَ شؤون البلاد.
من لحظتها بدأت المرحلة الانتقالية "المستطيلة"، والتي لم تنتهِ إلا بتنصيب الدكتور محمد مرسي رئيساً للبلاد في 30 يونيو 2012، أو بالأحرى.. في يوم أغسطس بإقالة رأسي "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" المشير محمد حسين طنطاوي والفريق سامي عنان، وإلغاء إعلانه الدستوري "المكمِّل" (والمكبِّل) الذي أصدره قبيل إعلان فوز محمد مرسي بالرئاسة.

ثانياً: الموقف من "الربيع العربي"

(1)
بانتصار الثورة المصرية في موجتها الأولى، التي تكللت بإزاحة مبارك معظم رؤوس نظامه الكبار في 11 فبراير، بدا للمراقبين أن المؤسسة الأزهرية تتأهب لاستعادة زمام المبادرة على أكثر من صعيد.. ومنها ملف "الربيع العربي" (كما استقرت تسميته من قِبَل معظم المعلِّقين) برُمَّته..
ففي حين لم يكن للمؤسسة رأي واضح فيما حصل في تونس نهايات 2010 من ثورةٍ شعبيةٍ ظافرةٍ أدت إلى هروب رئيسها زين العابدين بن علي وسقوط نظامه الأمني العتيد.. وفي حين كان موقف المؤسسة باهتاً، كما هو التوقع المؤسف!، طوال الأيام الثمانية عشرة الممثلةِ الموجةَ الأولى من الثورة المصرية..
.. لم يعد مقبولاً، بعد انتصار الثورة المصرية الكبير الأول، أن يظل موقف المؤسسة الأزهرية كما هو: متراوحاً بين الغياب الكامل، أو التواطئ السافر، أو الخفوت غير اللائق!
من هنا.. كانت المؤسسة على قدْر التوقع هذه المرة.. فتتابعت التصريحات والبيانات من الإمام الأكبر ومن عدد من أبرز رجال المؤسسة (لا سيما رئيس المكتب الفني لشيخ الأزهر د. حسن الشافعي)، تأييداً لحق الشعب الليبي، ثم الشعب اليمني، ثم الشعب السوري في طلب حريته وكرامته، وتغيير سلطاته الظالمة الباغية.. وذلك بعد تأييد الشعب التونسي، ثم الشعب المصري في المطالب ذاتها (بأثرٍ لاحق!).

(2)
كانت الثورة الليبية أولى الثورات التي تلت انتصار الثورة المصرية.. فلم تمضِ ستة أيام على تنحي مبارك حتى اشتعلت "ثورة 17 فبراير".
كان رد طاغية ليبيا معمر القذافي بالغ القسوة والعنف منذ اللحظات الأولى. نتيجةً لهذه القسوة المفرطة أصدر شيخ الأزهر (26 فبراير 2011) بياناً شديد اللهجة، غير مسبوقٍ، مؤكداً أن حكم القذافي "أصبح الآن في حكم الغاصب المعتدي المتسلط على الناس ظلماً وعدواناً"، داعياً جميع المسؤولين الليبيين وضباط الجيش الليبي وجنوده إلى "أن يرفضوا طاعة النظام في إراقة دماء الشعب الليبي واستحلال حرماته، وإلاّ أصبحوا شركاء له في الجرم" .
وكان الشيخ قد ناشد قبل هذا البيان بأيام (21/2/2011) "قادة الأمة - حكاماً وعلماءَ وعقلاءَ - إيقاف هذه المذابح البشرية فوراً، وحقن دماء الشعب الأعزل، والاستجابة لمطالبه المشروعة وحقه في الحرية والعدالة والعيش الكريم". وأضاف، موجهاً كلامه للحكام العرب والمسلمين: "لا تقتلوهم من أجل المطالبة بحقوقهم، فمن قتل دون حقه فهو شهيد، كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم" .

(3)
ثم اندلعت الثورة السورية (15 مارس 2011)..
وتأخر رد الفعل الأزهري الرسمي حتى 8 أغسطس 2011!
ولم ينفِ هذا التأخرَ البيانُ الرسمي الأول الصادر عن الأزهر، حيث قال: "الأزهر الذى صبر طويلاً وتجنب الحديث عن الحالة السورية، نظراً لحساسيتها فى الحراك العربى الراهن، يشعر بأن من حق الشعب السورى عليه أن يعلن الأزهر وبكل وضوح أن الأمر قد جاوز الحد وأنه لا مفرمن وضع حد لهذه المأساة العربية الإسلامية"، وناشد "المسؤولين فى سوريا الشقيقة أن يرعوا هذا الشعب الأبي"، "وأن يتداركوا الدماء المسفوكة والأسر المتشتتة والمصائر المهددة، ومواجهة الشعب الأعزل بالرصاص الحى دون جدوى وعلى مدى شهور عدة أهدرت فيها أرواح وانتهكت فيها حرمات وأعراض" .

انُتقد تأخر بيان موقف الأزهر من الثورة السورية من عدد من القوى الثورية. وهذا مفهوم.

لكن اللافت.. كان انتقاد الشيخ علاء أبوالعزائم (أحد القيادات الصوفية المتنافسة على تصدر المشهد الصوفي بمصر) تصريحات شيخ الأزهر تجاه القضية السورية، معتبراً إياها غير كافية نظراً لمكانته السامية في العالم الإسلامي، بل ومحملاً إياه مسئولية سفك الدماء هناك، حيث يرى أنه كان يجب على الإمام الأكبر أن يذهب بنفسه إلى سورية لمحاولة المصالحة بين المعارضة ونظام بشار الأسد، داعياً إلى أن يكون شيخ الأزهر مثل بابا الفاتيكان وأن يمتلك طائرة خاصة يحط بها على الأراضى السورية، مثلما فعل بابا الفاتيكان السابق يوحنا بولس الثاني عندما ذهب بنفسه إلى رواندا في التسعينيات وجمع القبائل النصرانية التي كانت تحارب بعضها، ونجحت جهوده في وقف القتال الدامي بينهم ولو قام بها .

ومهما يكن من أمر.. فقد تصاعدت – وحتى الآن - قوة وحدة تصريحات المؤسسة الأزهرية وبياناتها حول أزمة الشعب السوري "وما يتعرض له من قمع واسع ومن استعمال لأقصى درجات العنف واعتقال وترويع، يمثل مأساة إنسانية لا يمكن قبولها، ولا يجوز شرعاً السكوتُ عنها".

ولا تخفى المفارقة الكبيرة هنا.. بين موقف الأزهر، مؤسسة الإسلام السني ("الأشعري")، الجازم بأن ما يحصل من النظام السوري إجرامٌ وعدوانٌ يجيزانِ – شرعاً – الخروجَ عليه ومقاومتَه بكل سبيل.. وبين موقف المؤسسة الإسلامية الرسمية في سورية ("الأشعرية" أيضاً)، وعدد من كبار أهل العلم السوريين من حمَلة لواء المذهب السني الأشعري، وعلى رأسهم د. محمد سعيد رمضان البوطي، الجازمين بأن ما يحصل من احتجاج و"خروج" (لا "ثورة"!) على النظام "الشرعي" إنما هو "مؤامرة خبيثة، وتنفيذ لمخطط رهيب لضرب سورية والمقاومة" !

(4)
في أثناء ذلك كانت الاحتجاجات القوية قد اندلعت في مملكة البحرين (14 فبراير 2011)، ولم تلقَ صدًى مناسباً من قِبَل المؤسسة. ونُظر إلى خفوت أثر "الثورة البحرينية" (كما أسماها شبابُ البحرين الغاضبون) على أنه - من جهة - مراعاةٌ لجانب المملكة العربية السعودية الرافضة تسمية تلك الاحتجاجات ثورةً، بل والمتدخلة عسكريًّا لمساندة النظام البحريني في محاولاته استعادة زمام الأمور. ومن جهةٍ أخرى: تحفظٌ على سَمْت احتجاجات البحرين الشيعي، وما يستتبعه من حساسيات طائفية لها صلة وثيقة بموقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية و"حزب الله" اللبناني المؤيدين بقوة لما يعتبرانه "ثورة الشعب البحريني" ضد الفساد والظلم والتهميش .

واكتفى شيخ الأزهر بإصدار بيان متأخر جدًّا (8 أكتوبر 2011) وجه فيه كلمة إلى دول الخليج قائلاً: "فى ضوء أحداث الخليج المقلقة التى تنذر بشَرٍّ حَذَّرَ منه النبى صلى الله عليه وسلم، وهو إثارة النَّعَرات الطائفية، ورفع رايات العصبية، مذهبيةً كانت أو عنصرية، والتى لا يقتصر خطرُها على تهديد مجتمعاتنا العربية وتمزيق نسيجها الاجتماعى، وحياتها الآمنة ووشائجها الوثيقة منذ مئات السنين، بل يُهدد كذلك بتدخل قوى مترصِّدة خارجية وإقليمية [فى إشارة إلى إيران]، تتخِذُ الصراع المذهبى والخلل الاجتماعى، سبيلاً للتدخُّل والهيمنة، والاستبداد بمصير المنطقة [إشارة للوضع بالسعودية والبحرين]. (...) فى ضوء هذا كله نحذر الجميع من تطورات ليست فى صالح أحَدٍ، ويومها يندم الكل على ما فعلوه بأنفسهم. كما نُوصي باسم الأزهر الشريف، الذى يُؤلمه أشد الألم ما يحدثُ الآن.. نُوصى بحل الخلافات والمشاكل عن طريق الحوار والمصارحة الرشيدة، ومِن حِكْمة القيادة أن تتخذ من الحلول ما يحولُ دون الأخطار التى تهدَّدُ أوطاننا العربية، فاحرصوا أيها الإخوة على وَحْدَتكم الاجتماعية حماية للحاضر والمستقبل. اللهم إنا نسألك رحمة تهدى بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وترد بها الفتن، يا رب العالمين" .

(3)
وبعد انتصار ثورة مصر بنحو تسعة أشهر.. تمخضت اجتماعاتٌ دعت إليها المؤسسة عدداً من علماء الأزهر والمثقفين المصريين عن إعلان وثيقة الأزهر بخصوص الربيع العربي، "وثيقة إرادة الشعوب العربية"، في 31 أكتوبر2011.
جاءت الوثيقة - التاريخية بحقٍّ – في أكثر من ألف كلمة، وستة مبادئ كبرى، تتلخص في اعتبار المعارضة الشعبية والاحتجاج السلمي، حقًّا أصيلاً للشعوب، واستنكار إمعان الأنظمة في تجاهل المطالب المشروعة بالحرية والعدالة والإنصاف، ونفي صفة "البغي" عن المعارضين الوطنيين "السلميين". بل وتذهب إلى أن معارضة القهر والفساد والظلم واجبةٌ على المواطنين لإصلاح مجتمعهم، وواجبٌ على الحكّام الاستجابة لهم دون مراوغةٍ أو عناد.

واعتبرت الوثيقة انتهاك حرمة الدم المعصوم هو الخطَّ الفاصل بين شرعية الحكم وبين سقوطه في الإثم والعدوان الموجبين مقاومته "سلميًّا". وطالبت "الجيوش المنظّمة في أوطاننا كلِّها" أن تلتزم بواجباتها الدستورية في حماية الأوطان من الخارج، ولا تتحوّل أدواتٍ للقمع وإرهاب المواطنين وسفك الدماء.

كما دعت الوثيقة أيضاً من أسمتهم "قوى الثورة والتجديد والإصلاح" إلى الابتعاد كليًّا عن كل ما يؤدي إلى إراقة الدماء، وعن الاستقواء بالقوى الخارجية أيًّا كان مصدرها، لئلا يتدخل الأجنبي في شئون دولهم وأوطانهم. وأكدت أن عليها الاتحادَ في سبيل تحقيق حلمها في العدل والحرية، وتفاديَ النزاعات الطائفية والعرقية والمذهبية، حفاظاً على النسيج الوطني، ولبناء المستقبل على أساسٍ من المساواة والعدل.
وأعلنت الوثيقة المناصرةَ التّامة لإرادة الشعوب العربية في الإصلاح ومجتمع الحرية والعدالة التي انتصرت في تونس ومصر وليبيا، ولا تزال محتدمة في اليمن وسورية (دون أية إشارة إلى ما حصل، ثم هدأ نسبيًّا، في البحرين!). وناشدت الأنظمة للمبادرة إلى تحقيق الإصلاح السياسي والاجتماعي والدستوري طوعاً، والبدء في خطوات التحول الديمقراطي.. "فصحوة الشعوب المضطهدة قادمة لا محالةَ، وليس بوسع حاكمٍ الآن أن يحجبَ عن شعبه شمس الحريّة".

(4)
مثلت هذه الوثيقة نقلة حقيقية في طرح المؤسسة الأزهرية بوصفها الإسلامي الأعم، وبوصف شيخها إماماً للمسلمين في أنحاء العالم، لا مجرد "موظف حكومي" كما كان شيخ الأزهر السابق د. محمد سيد طنطاوي يصرح في السابق!
ولا يقلل من هذا الاعتبار ما يتصل بموقف المؤسسة "الإنكاري" من الحراك البحريني، ولا ما يتصل ببعض المسائل التأصيلية - حول فقه الثورة والخروج - التي ستكون لنا عودةٌ إليها في خاتمة هذه الدراسة.. فالعافية درجات، كما يقول إخواننا السودانيون.. وركام عقود طويلة من تبعية المؤسسة الأزهرية وارتهانها للقيادة السياسية لن تزول آثاره في غضون أشهر. كما أن ثقل وطأة الميراث العلمي لن تُفتح ملفاته المسكوت عنها، لا سيما ملف الثورة والاحتجاج والشرعية الحاكمة، إلا وَفْق سُنَّة علمية متدرجة منضبطة.. كي تؤتي ثمارها في تغيير القناعات وتحويل المسارات.
ومما يؤشر على هذا ما حظيت به الوثيقة من توافقٍ ورضًا عامَّين؛ حيث لم تُرصَد انتقاداتٌ جوهريةٌ عليها، فضلاً عن رفضٍ، كما تعرضت لشيء من هذا من بعض الأفراد والهيئات وثيقتا الأزهر الأخريان، وهو موضوع الفقرة التالية.

ثالثاً: وثيقتا الأزهر الداخليتان

"وثيقة مستقبل مصر": 19 يونيه 2011
"وثيقة منظومة الحريات الأساسية": 8 يناير 2012

(1)
"إن اللحظة الحاسمة التي تعيشها مصر لَتجعلُ من أمنِها واستقرارها، والحِفاظ على مكاسب ثورتها، سقفًا تقفُ عنده كلُّ منازع الفُرقة والشتات، وتتوحَّد تحته كلُّ اختلافات التنوُّع والتكامل الذي ننشده لوطننا ولمصر في هذا المنعطف التاريخي الحاد. (...) والأزهر الشريف، الذي أعلن أكثر من مرَّة أنه يقف على مسافة واحدة من جميع الفُرَقاء، وأنه يتابع بكلِّ دقة واهتمام أطروحات الجميع حول مستقبل مصر - يعلنُ في صراحة ووضوح أنه لا يخوض غمار العمل السياسي ولا الحزبي، ولا السياسة بمفهومها المعتاد.. فإن هذا ليس من شأنه ولا ضمن اهتماماته. لكنه يحمل على كاهله دورًا وطنيًّا تجذََّر في التاريخ، وحمَّلته إيَّاه الأمَّة، للحِفاظ على حضارتها الممتدة، وثقافتها الراسخة، وهُويتها التي تأبى الاختراق والذوبان. ومن منطلق هذا الدور الوطني للأزهر، وهذه المسؤوليَّة التي يشعر الأزهر بثقلها ويدرك أمانتها أمامَ الله والتاريخ - ندعو أبناء الوطن إلى النظر في التوافُق حول "وثيقة الأزهر"، كحلٍّ يخرج به الناس من ضيق الاختلاف وخطره، إلى سعة الآفاق الرحبة والتعاون الجاد؛ من أجل بلدنا جميعًا، وتقديرًا لدماء شهدائنا، وتضحيات جماهيرنا" .

بمثل هذا الخطاب الرصين المتزن نجح الإمام الأكبر في التقاط "اللحظة المصرية والعربية الفارقة"، ووُفِّق إلى حُسْن استغلالها في أن يجعل من نفسه - بحكم منصبه الرفيع - ومن المؤسسة الأزهرية مرجعاً للحركة الوطنية المصرية، بكل تمثلاتها ورموزها من جميع الأجيال والاتجاهات - دون استثناء تقريباً -، فيما تلا نجاح الموجة الأولى من الثورة.

وهذا وإن لم يكن غريباً فيما يتصل بالمؤسسة الأزهرية العريقة في مواقفها الوطنية، التي قد تخبو أحياناً دون أن تذوي تماماً؛ فقد يكون لافتاً بعض الشيء فيما يخص شخص د. أحمد الطيب الذي نُظِر إليه طوال "أيام التحرير" على أنه أحد أعمدة نظام مبارك.. وهو ما لم يكن يتحرز منه، بدليل ما سبقت الإشارة إليه من تلكؤه في الاستقالة من عضويته بـ"الحزب الوطني" و"لجنة السياسات"، منذ كان رئيساً لجامعة الأزهر، وحتى بعد تنصيبه في مقعد الإمام الأكبر!

ومهما يكن من شيءٍ.. فقد استجابت رموز المجتمع وممثلو التيارات الشبابية الذين دعاهم غيرَ مرةٍ الإمام الأكبر إلى مقر مشيخة الأزهر، وتمخضت تلك الاجتماعات (التي تجاوزت اجتماعاً) عن عدد كبير من البيانات والتصريحات التي كانت تؤكد الاتجاه الوطني العام في تأييد الثورة، ووجوب استكمال أهدافها، ورصد الفتن المحيقة بالوطن.. وهكذا.

إلا أن أهم مخرَجات هذه المبادرات الأزهرية، هو ما يُعرف بـ"وثائق الأزهر، التي صدرت منها ثلاث أساسية. سبق الحديث عن ثانيتها "وثيقة الأزهر بخصوص الربيع العربي" (31 أكتوبر2011)، والتي لم تكن مقصورةً على الشأن المصري الداخلي كالأخريين.
أما الوثيقتان المنصبتان على الشأن المصري الداخلي؛ فهما وثيقة مستقبل مصر (19 يونيه 2011)، ووثيقة منظومة الحريات الأساسية (8 يناير 2012).

(2)
إذا صح أن ثمة فترةً ذهبيةً شبهَ مثاليةً للثورة بعد خلع مبارك؛ فقد كانت "معركة التعديلات الدستورية" نهايتَها!

فمنذ كلَّف المجلس العسكري لجنةً قضائيةً برئاسة المستشار طارق البشري لتعديل تسع مواد من دستور 1971م، عوضَ إلغائه كليةً، وكتابة دستور جديد، وهما (إلغاء دستور 1971، وكتابة آخر جديد) من أبرز مطالب الثورة ومقتضياتها في آنٍ معاً..
.. بدأت تَرشَح بعض الخلافات القوية بين القوى الثورية حول جدوى تعديلاتٍ محدودةٍ كهذه على دستور كان إسقاطه من أوَّليات دعوات الثورة. وكان هوى "السلطة" قد بدأ يتجلى شيئاً فشيئاً: ما حصل لم يكن "ثورة" على "نظام"، بل "احتجاجاتٌ" قويةٌ على مشروع "التوريث" ورؤوس فاسدة في النظام. هذا جوهر رؤية المجلس، حتى وإن أملَّ المصريين بالتغزل في "ثورة الشباب الطاهر النقي"!

وبعد مضي عدة أسابيع على تشكيل "لجنة تعديل الدستور"، تحدد يوم 19 مارس 2011 للاستفتاء على هذه التعديلات. وطوال فترة عمل اللجنة بدا أن المجتمع المصري منقسمٌ على نفسه: بين مؤيد بقوة للتعديلات، رغبةً في "استقرار" الأمور وهدوء الأحوال، ولتمر بخيرٍ "الفترة الانتقالية" المحددة حينَها بنهاية يونيو 2011. وبين معارض لتعديل دستورٍ ساقطٍ بفعلٍ ثوريٍّ، رغبةً في تأسيس مرحلة البناء بما يتناسب وبَدَهيات مطالب الثورة، ولكي لا تكون "الفترة الانتقالية" امتداداً لنظامٍ سقطت معظم رؤوسه الظاهرة وحسب، مع التنبيه إلى أن ما يدعوه الأولون "استقراراً" ليس إلا استمراراً لحال الركود والجمود المهلكين التي ثار عليها الشعب!

عُرف دعاةُ تعديل مواد دستور 1971 بـ"أهل نعم"، وعُرف دعاةُ الدستور الجديد بـ"أهل لا".

وثارت معركة ضارية بين "النعميين" و"اللائيين"، استخدمت فيها منابر المساجد وباحات الكنائس، وساحات القنوات الفضائية والموقع الشبكية وأوراق المطبوعات، وتُبودل الاتهام والطعن بكل شكلٍ ولون.

وبتأثير من أجواء الاحتقان الشديد هذه.. بدأت دعوات المؤسسة الأزهرية لبعض "عقلاء الوطن" ليجتمعوا في هدوء ويتفاهموا بعيداً عن ساحات المعارك!
وفي 19 يونيو 2011 صدرت "وثيقة مستقبل مصر"، وحرصت المؤسسة الأزهرية على تأكيد أنها ليست "وثيقة الأزهر" وحسب، بل وثيقة "كوكبة من المثقفين المصريين على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والدينية [اجتمعت] مع عدد من كبار العلماء والمفكرين في الأزهر الشريف، وتدارسوا خلال اجتماعات عدة مقتضيات اللحظة التاريخية الفارقة التي تمر بها مصر (...)، وأهميتها في توجيه مستقبل مصر نحو غاياته النبيلة وحقوق شعبها في الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية. وقد توافق المجتمعون على ضرورة تأسيس مسيرة الوطن على مبادئ كلية وقواعد شاملة تناقشها قوى المجتمع المصري وتستبصر في سيرها بالخطى الرشيدة، لتصل في النهاية إلي الأطر الفكرية الحاكمة لقواعد المجتمع ونهجه السليم. واعترافاً من الجميع بدور الأزهر القيادي في بلورة الفكر الإسلامي الوسطيّ السديد.. فإن المجتمعين يؤكدون أهميته واعتباره المنارة الهادية التي يُستضاء بها، ويحتكم إليها في تحديد علاقة الدولة بالدين وبيان أسس السياسة الشرعية الصحيحة التي ينبغي انتهاجها؛ ارتكازاً على خبرته المتراكمة، وتاريخه العلمي والثقافي" .

(3)
وفضلاً عن الاحتقان الحاصل بين النخب المثقفة، أُضيف سببٌ آخر لانقسام "شبه الإجماع" الذي حصدته وثيقة الأزهر الأولى حول "الربيع العربي".. هذا السبب الإضافي هو تركيبة الشخصيات التي دعتها مشيخة الأزهر للتداول في ملف بخطورة وآنية "مستقبل مصر"، حيث كان ثلثا المدعوين من المحسوبين على ما يُزعَم "التيار المدني" ، في حين كان الثلث الباقي من داخل المؤسسة الأزهرية أو القريبين منها!
من هنا.. قُوبلت هذه الوثيقة بانتقادات من بعض "الإسلاميين"، وصلت إلى حد اعتبارها نوعاً من "الإرهاب الفكري" سببه الرئيسي أشخاص المشاركين في صياغتها "والذين اقتصر اختيارهم علي التيارات العلمانية واليسارية الأكثر تطرفًا فقط؛ مما أثار تعجب واستفهام التيارات الإسلامية بكافة أطيافها، والتي تم استبعادها بشكل شبه كامل من النقاش حول وثيقة الأزهر! (...). البون شاسع بين الأزهر كمؤسسة وبين آحاد الشيوخ الأزاهرة الأجلاء الذين علمونا الدين وعرفونا بسُنَّة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، لكن ما يعنينا في هذا السياق هو الأزهر كمؤسسة؛ إذ إن وثيقة الأزهر صدرت من رأس هذه المؤسسة والمتحدث باسمها، وهو شيخ الأزهر. إن هناك نوعًا من السيطرة الفكرية لرموز العلمانية على قيادات الأزهر، فعندما يرضى شيخ الأزهر بإبعاد كل التيارات الإسلامية عن النقاش الخاص بهذه الوثيقة، بل ويرضى بوصف هذه التيارات -بالجملة- بالتطرف والجهل، فهذا يوضح مدى الحظوة التي يتمتع بها العلمانيون عند شيخ الأزهر. ويبين بوضوح الهوَّة العميقة التي تفصل الدكتور أحمد الطيب عن كل تيارات الصحوة الإسلامية التي ستملك مقاليد الأمور في البلاد -كما تشير لذلك كل التقارير السياسية الحالية في الداخل والخارج- عن قريب بإذن الله تعالى" .
بل وصرح بعضهم: "إن هذه الوثيقة ترفع صفة الإسلام صراحة عن الدولة وتدمر هويتها العربية، خاصة بعد أن نصت هذه الوثيقة على إطلاق الحريات من أجل الإبداع دون قيود. (...) وهي تحتوي على شبهات كثيرة من حيث اختيار الزمان والمكان والأعضاء الذين شاركوا في صياغتها، (...) [والأزهر] لا يليق به أن يصدر مثل هذه الترهات" .
بل وصل الأمر إلى حد تظاهر عدد من علماء الأزهر الشريف أمام مبنى مشيخة الأزهر احتجاجاً على هذه الوثيقة، ووصفوها بأنها "وثيقة علمانية" لأنها تخلو – بحسَبهم - من أية إشارة إلى دور الشريعة الإسلامية في إصلاح المجتمع. واستعاد هؤلاء المحتجون اتهام شيخ الأزهر بأنه من فلول الحزب الوطني المنحل، وأنه لا يزال ينفذ سياساته، رافعين لافتة كبيرة تحمل صورة لشيخ الأزهر مع أحمد عز أمين عام التنظيم الأسبق بالحزب الوطني المنحل!

يذكر أن هذه الوقفة الاحتجاجية جرتْ أثناء اجتماع شيخ الأزهر بـ"القوى الوطنية" في مقر المشيخة لبحث محاولات الدفع لاعتبار "وثيقة مستقبل مصر" "وثيقة فوق دستورية"، تُلزم واضعي الدستور المرتقَب !

والغالب في هذا الموقف الرافض رجوعه إلى انتقاد شديد لطريقة إعدادها، أكثر بكثير من دحض محتواها بالجملة أو حتى بالأغلبية.

ولا ريب في أن ثمة كثيرين من "الإسلاميين" قد رحبوا بالوثيقة، واعتبروها "عودةً لصوت ورؤية الأزهر، والتي تشكل ضرورة لأي بناء سليم تنشده مصر المستقبل" .
أما "الليبراليون" و"العلمانيون"؛ فقد كان طبيعيًّا أن يتلقوا الوثيقة بقبول حسن .
وأما المؤسسة الأزهرية؛ فقد احتفت بالوثيقة إلى حد تدريسها فى بعض المناهج الدراسية لطلبة المعاهد الأزهرية .

(4)
أما الوثيقة الداخلية الثانية؛ فهي المتصلة بـ"منظومة الحريات الأساسية"، والصادرة بتاريخ 8 يناير 2012.

كانت ذكرى الثورة الأولى تقترب، وكانت البلاد قد دخلت قبل أشهر في استقطابٍ كبيربين "الدولة المدنية"، والناقدين التقليديين لـ"الإسلام السياسي" بجميع تجلياته.. من جهةٍ. وبين "الإسلاميين" بتنوع مقولاتهم وتبايناتهم الداخلية.. من جهةٍ أخرى.
ومن أبرز مجالات هذا الاستقطاب والسجال: مجال الحريات.
من هنا.. أرادت وثيقة الأزهر و"المثقفين" تحديد الموقف الإسلامي/ الوطني الداعم للحريات الأساسية:

- حرية العقيدة.
- حرية الرأي والتعبير.
- حرية البحث العلمي.
- حرية الإبداع الأدبي والفني.
وعلى غرار الاختلاف في تلقي وثيقة "مستقبل مصر".. تكرر الأمر هنا..
فمن جهةٍ..

لقيت الوثيقة قبولاً واسعاً في الأوساط "الليبرالية" التي وجد فيها "ثورة" داخل المؤسسة الدينية الكبرى في العالم السُني. كما رحب بها عدد من أنصار "الدولة المدنية" داخل مصر وخارجها، حيث اعتبر بعضهم أنها انتصارٌ لـ"القراءة الحداثية" للإسلام؛ إذ تؤكد "أن الإسلام يمكنه التخلي عن "فرادته" بالمعنى السلبي للكلمة، أي عدم تقبله من حيث إنه "دين ودولة"، لملاقاة المفاهيم والمسلمات الحضارية المعاصرة (حرية، ديموقراطية، حق الاختلاف، حقوق الإنسان، الأولوية لحرية الإنسان كفرد وصون كرامته، واحترام الآخر المختلف جماعات وأفراداً، التسامح الديني خارج إطار الذمية...) والتي باتت معتمدة في غالبية المجتمعات في عصر العولمة. [وهي] وثيقة فائقة الأهمية لما لها من تأثير على مسار المجتمعات العربية في حراكها الثوري: إنها تنير الطريق، وتحدد طبيعة المجتمع والنظام السياسي التي يجب أن ينحو إليها الربيع العربي. إنها نقلة نوعية في مسار الدين الإسلامي تخرج من دائرة الإسلام الحركات الإسلامية العنفية والظلامية التي شوهت الدين الحنيف، [حيث] للربيع العربي ثلاثة أوجه: الحرية والديموقراطية، محاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية، دخول الإسلام في عصر الأنوار بالمحافظة على أصالته" .

وكان طبيعيًّا أن يكون على التضاد موقفُ بعض "الإسلاميين"، وإن خفت حدةُ النقد شيئاً ما عما لقيته "وثيقة مستقبل مصر" .

واللافت، في سياقات صدور الوثيقتين، خفوتُ صوت المؤسسة الأزهرية في بيانات إيضاحية أو تعقيبات تكفكف من انتقاصٍ هنا، أو من غُلَواءَ هناك!

(4)
أعلنت وثيقة "منظومة الحريات الأساسية" رسميًّا في 10 يناير، في مؤتمر صحافي موسَّع للإمام الأكبر شخصيًّا. وفي اليوم التالي مباشرةً 11 يناير دعا الإمام قياداتٍ وطنيةً، دينيةً وسياسيةً، إلى اجتماع بمشيخة الأزهر، تمخض عن "بيان وطنى للأمة"، يدعو إلى استكمال أهداف الثورة، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وسرعة المحاكمات، واستكمال علاج المصابين، ومنع المحاكمات العسكرية. وكلها مطالب ترددت فى مظاهرات ومليونيات ميدان التحرير.

وقد استُقبل هذا الاجتماع وبيانه بوصفهما خطوة إلى الأمام فى سبيل لم الشمل وتحقيق الاجماع الوطنى.

كان من أبرز الحضور: بطريرك الأقباط البابا شنودة، ورئيس مجلس الوزراء د. عاطف الجنزوري، ومرشد الإخوان المسلمين د. محمد بديع، وعدد من مرشحى الرئاسة ورؤساء الأحزاب، وممثلين عن القوى الشبابية الثورية. وكان لافتاً غياب مفتي الديار المصرية د. علي جمعة.

وهذه مناسبة رصد هذا "التغييب" لواحد من أبرز ممثلي "المؤسسة الدينية الإسلامية" بمصر والعالم، ليس فيما يتعلق بمثل هذا الاجتماع وحسب، بل وأيضاً في سياق حراك المؤسسة الأزهرية فيما تلا الثورة، حيث لم يظهر إلا في مؤتمر وثيقة الأزهر الأولى، وكان حضوره فيها مهمَّشاً نوعاً ما. وهذا مؤشر على ما اعتُبر حساسيات غير مبرَّرة، لا سيما في سياق وطني حاشد كهذا، بين "أجنحةٍ" في "المؤسسة الدينية".

بإضافة هذا "التغييب" لرمز أزهري "رسمي"، إلى ذلك التغييب في كتابة وثائق الأزهر لطوائف من المثقفين والمفكرين؛ يتبين جانبٌ من الخلل الواجب تداركه في أداء المؤسسة الأزهرية العام. وعلى كلٍّ.. ليس هنا موضع تناول هذا الملف على أهميته!

رابعاً: ملف قانون الأزهر

(1)
بعد شهرين فقط من نجاح ثورة 25 يناير 2011، وفي 11 إبريل 2011، أصدر الإمام الأكبر قراراً يحمل رقم 108، ينص على تشكيل لجنة قانونية برئاسة المستشار طارق البشري، وعضوية الدكاترة: محمد سليم العوا، عبدالله النجار، حامد أبوطالب، فؤاد محمد النادي، صابر عرب، ومحمد كمال الدين إمام. ونصت المادة الثانية من القرار على أن مهمة اللجنة إعداد مشروع قانون جديد للأزهر الشريف والهيئات التي يشملها، بما يحقق تطوير الأزهر الشريف ورسالته السامية.

ويُفترَض أن يكون هذا القانون الجديد بديلاً للقانون رقم 103 لسنة 1961 الخاص بالأزهر الشريف، الذي ألغى به الرئيس الراحل جمال عبدالناصر "هيئة كبار العلماء"، ضمن أشياء سلبية أخرى كانت في تقدير الكثيرين من المهتمين سبباً مباشراً في تحجيم دور الأزهر الشريف محليًّا ودوليًّا، وتراجع أداء مؤسساته علميًّا وعمليًّا.

وقد استبشر المهتمون بشأن المؤسسة الإسلامية السنية الأكبر في العالم بهذه الخطوة الجسور، وبهذه اللجنة المتزنة، التي يرأسها ويشترك فيها عدد من أبرز المهتمين بالملف الأزهري، والداعين إلى وجوب استقلال إرادته وسياسيته عن نظام الحكم طوال العقود الماضية. ولم يعكر من هذا الاستبشار ما أثير حول رئيس اللجنة المستشار الجليل طارق البشري من انتقادات من لم يرَوا رأيه في "تعديل" دستور 1971، حيث رأس أيضاً اللجنة المخصصة لهذا بعد أيام من نجاح الثورة، وبتكليف مباشر من "المجلس الأعلى للقوات المسلحة". فمساحات الاختلاف الفكري والسياسي مهما اتسعت لا يمكن أن تُلغي قيمة مفكر ومجاهد من طراز البشري، ولا تُنسِي ريادته (ضمن المئات من شرفاء وشريفات مصر) "الحالةَ الثوريةَ" في مصر قبل سنواتٍ من تحققها واقعيًّا في يناير 2011، كدعوته الصريحة والمباشرة الشعبَ المصريَّ إلى "العصيان المدني"، لتذكير النظام البائد بأن في هذا الوطن شعباً غاضباً، وذلك منذ مقاله الشهير "أدعوكم إلى العصيان" في صحيفة "العربي الناصري" بتاريخ 10 أكتوبر 2004.

بعد هذا الاستبشار.. فوجئ الجميع، بعد أربعة أشهر كاملة من القرار الأول، بقرار جديد، رقم 285 بتاريخ 11 أغسطس 2011، يلغي فيه شيخ الأزهر قراره الأول، ويعزل بموجبه المستشار طارق البشري والدكتور محمد سليم العوا والدكتور عبدالله النجار من عضوية اللجنة، ويقرر تشكيل لجنة جديدة من 10 شخصيات لوضع قانون جديد للأزهر.

وقد يُفهم استبعاد د. العوا من هذه اللجنة بسبب إعلانه (منذ يونيو 2011) نيته خوض سباق الرئاسة، فلم يبقَ مناسباً أن يكون في لجنة كهذه، رغم كفاءته وثِقَل وزنه في عمل كهذا. ولا أدري أي سبب لاستبعاد د. عبدالله النجار الذي لم يكن يحسُن وجوده أصلاً، كونَه أحد رموز النظام البائد الدينيين، وكان من أوائل الداعين إلى تحريم وتجريم التظاهرات والاحتجاجات الشعبية منذ ازديادها وارتفاع سقف مطالبها خلال السنوات العشر السابقةِ الثورةَ.

أما استبعاد المستشار البشري؛ فقد كان هو المفاجئ والصادم وغير المفهوم!
قيل كلامٌ غير مؤكد عن أسباب هذا الاستبعاد، منها أنه بسبب استشعار المستشار أن ثمة من يريد توجيه القانون الجديد وجهةً معينةً، وأنه لم يُجَب إلى طلبه ملفاتٍ معينةً ضروريةً لإنجاز القانون. والتزم البشري الصمت، حتى صرح فيما نُقل عنه (صحيفة "اليوم السابع": الجمعة، 6 يناير 2012) بأنه لم يُعزل من "لجنة تعديل قانون الأزهر 103"، مشيراً إلى أن كل ما نشر فى وسائل الإعلام عن عزله من اللجنة هو كلامٌ عارٍ تماماً من الصحة، كاشفاً فى الوقت نفسه أن آخر اجتماع له باللجنة كان فى 25 مايو 2011، وأنه لم يجتمع بها منذ ذلك التاريخ، مشيراً إلى أنه قرر أن يعفى نفسه من استكمال الجلسات لظروف خاصة، وأنه لا يعرف أي تفاصيل خاصة بإعداد القانون منذ ذلك التاريخ، وغير مسئول عن أى تصريحات تخرج من مشيخة الأزهر.
وأيًّا ما يكون الأمر، سواءٌ أُعفي البشري أم استعفَى؛ فهذا هو الأهون في الموضوع، رغم دلالاته السلبية التي لا تخفى!

(2)

ذلك مهم. أما الأهم في الموضوع، فأمران:
الأول: مضموني، يتصل ببعض محتوى القانون.
والثاني: إجرائي، يتصل بطريقة إعلانه والتصديق عليه.
أما من حيث المضمون..

فثمة ملاحظات يمكن أن تختلف وجهات النظر في تقديرها، أو في كيفية تفعيلها..
من مثل النص على أن "يمثل الأزهر المرجعَ النهائيَّ لمصر و لغيرها من دول العالم فى كل ما يتعلق بشؤون الإسلام وعلومه وتراثه واجتهاداته الفقهية والفكرية الحديثة"، وعلى أن من مهام "هيئة كبار العلماء" المزمَع إحياؤها، بعد خمسين عاماً من إلغاء الرئيس عبدالناصر إياها، "البتَّ في المسائل الدينية ذات الطابع الخلافي، والقضايا الاجتماعية التي تواجه العالم الإسلامي والمجتمع المصري على أساس شرعي"، وأيضاً: "البتَّ في النوازل والمسائل المستجدة التي سبقت دراستها ولكن لا ترجيح فيها لرأيٍ معين".

فليس مفهوماً كيف سيمثل الأزهر الشريف مثل هذه "المرجعية النهائية" لعموم المسلمين في أنحاء العالم؟ أهو طموحٌ لـ "فاتيكان إسلامي"؟! هذا ما تتأبَّى عليه طبيعة الإسلام كما أراده الله تعالى خلاصاً للناس من الإصر والأغلال التي كانت عليهم.
ويزداد عدم الفهم عندما نعلم أن من ضمن مواد القانون في مواصفات متولي منصب "شيخ الأزهر" "أن يكون مصريًّا، من أبوين مصريين مسلمين، وألا يكون قد اكتسب جنسية أية دولة أخرى في أي وقت من الأوقات"، وأيضاً: "أن يكون ملتزماً بمنهج الأزهر علماً وسلوكاً، وهو منهج أهل السنة و الجماعة الذي تلقته الأمة بالقبول، في أصول الدين وفي فروع الفقه بمذاهبه الأربعة".
فهاهنا أسئلة:

ماذا عن العلماء الأزهريين الراسخين المتحققين بمذهب "أهل السنة والجماعة"، والملتزمين بفروع الفقه على "مذاهبه الأربعة"، من غير المصريين؟! ألا يصادم هذا "عالمية" الأزهر المفترضة؟!

وماذا عن مثل هؤلاء ممن صادف أنهم اضطروا إلى اكتساب جنسية أخرى، ثم تنازلوا عن هذه الجنسية؟!

ألا يوحي هذا بأنه نصٌّ مفصَّلٌ ضد أشخاص بأعيانهم؟ لا سيما وأن التنازل عن الجنسية غير المصرية يجيز لأصحابها الترشح إلى المناصب التشريعية والتنفيذية المختلفة.

ثم: ماذا عن المسلمين من غير "أهل السنة والجماعة"؟! كيف سيكون الأزهر "مرجعية نهائية" لهم؟!

وماذا عن غير المذاهب الفقهية السنية الأربعة؟! وجميع المختصين يعلمون أن فقه أهل السنة لا ينحصر فيها، كما أن بعض مذاهب الفقه غير السنية المنضبطة المستقرة (لا سيما الفقه الإباضي والفقه الإمامي والفقه الزيدي) هي مذاهب معتبرة علميًّا، ويتم النظر فيها في مجامع الفقه ومؤسسات البحث الإسلامي، حتى داخل الأزهر الشريف ذاته!

وهذن السؤالان الأخيران مطروحان للتأمل ومحاولة الإجابة، وليس فقط للتعجب. فالقانون يضع الأزهر الشريف (في تجلييه الأكبرين: "المشيخة"، و"هيئة كبار العلماء") في سياق مصري خالص، ويريد في الوقت ذاته أن يكون "عالميًّا" و"مرجعية نهائيةً" لمصر و لغيرها من دول العالم! فكيف يلتقي الأمران؟!
وثمة أمرٌ آخر في مواصفات متولي منصب "شيخ الأزهر"..

فأن يُشترَط فيه أن "يكون من خريجي إحدى الكليات الأزهرية المتخصصة في علوم أصول الدين والشريعة والدعوة الإسلامية واللغة العربية"؛ فهذا مما لا غبار عليه منطقيًّا وواقعيًّا. أما أن يُنصَّ في قانونٍ دائم على وجوب "أن يكون قد تدرج في تعليمه قبل الجامعي بالمعاهد الدينية الأزهرية"؛ فهذا مستغربٌ بعضَ الشيء، وكأنه يشير إلى شخص معيَّن يُراد إقصاؤه عن هذا المنصب في هذه المرحلة! (والشرط ذاته موجود كذلك في المرشح لعضوية "هيئة كبار العلماء").

أما كيف سيُفعَّل دور الأزهر وهيئة كبار "علمائه" في "البتِّ فى المسائل الدينية ذات الطابع الخلافي، والقضايا الاجتماعية التي تواجه العالم الإسلامي والمجتمع المصري على أساس شرعي"، وأيضاً: "البتِّ في النوازل والمسائل المستجدة التي سبقت دراستها ولكن لا ترجيح فيها لرأى معين"؛ فهذا مما يقتضي نقاشاً علميًّا منضبطاً حول مفهوم هذا "البتّ":

هل يتقاطع ومفهومَ "الإجماع" الأصولي (على ما حوله من كلامٍ أصولي ذي تفاصيل)؟ أو أنهما يتوازيان؟

وهل من معنى هذا "البت" المفترَض إغلاقُ باب الاجتهاد فيما يَبتُّ فيه الأزهر وهيئة كبار "علمائه"؟

وهل إذا جاز هذا على المصريين؛ فهل يمكن القول به لعموم المسلمين في أنحاء العالم.. سُنِّيهم وغير سُنِّيهم؟!

أعتقد أن هذه أسئلة جوهرية يجب على قيادة الأزهر الحالية طولُ التأمل فيه، وفي غيرها مما قد يطرحه الطارحون، حتى لا تكون أفكار هذه المرحلة المفصلية وقوانينها في وادٍ غير ذي واقع!

وثمة تفاصيل في القانون تبدو وكأنها مفصَّلةٌ لصالح شيخ الأزهر الحالي، حيث تمنحه حق اختيار "هيئة كبار العلماء" التي ستتولى أمر ترشيح الإمام المقبل ومفتي الجمهورية من بينها، وأن القانون لم يشر إلى وضع الإمام الأكبر الحالي من حيث استقالتُه أم استمرارُه حتى الثمانين (سن التقاعد)، وأن معنى هذا أن أمام الدكتور الطيب نحو خمسة عشر عاماً (أطال الله في عمره، ونفع به البلاد والعباد) قبل تقاعده...

وقد يكون من الممكن تجاوز هذه التفاصيل "المشخصنة"، فهي إلى جوار تلك الكليات الخطيرة السابقة أمرٌ هين يمكن تجاوزه ومعالجته، بشيء من الإخلاص والتجرد لوجه الله تعالى وصالح الأزهر الشريف.

(3)
وإذا تأملنا الجانب الإجرائي، المتصل بطريقة إعلان قانون الأزهر الجديد والتصديق عليه؛ فسنجد ما يؤلم ويوجع، وينتهك روح الثورة الفتية!
فبموجب "الإعلان الدستوري" المطوَّل (مارس 2011) خُولِّت لـ"المجلس الأعلى للقوات المسلحة"، فيما خُوِّل له، سلطة التشريع مؤقتاً، وإلى حين انتخاب "مجلس الشعب". وقد كان مفهوماً أن يُحال إلى "المجلس الأعلى" قانون الأزهر الجديد لو أنه أُنجز قبل أشهر، أو حتى أسابيع، من انطلاق سباق "مجلس الشعب" الذي ستؤول إليه وجوباً سلطةُ التشريع، بعد انتهاء موجب استحقاق "المجلس الأعلى" إياها بسبب غياب البرلمان.

ولكن العجيب.. أن يأخذ القائمون على بعض القوانين ذات الأهمية البالغة (مثل القانون المقترح لاستعادة أموال مصر المنهوبة والمهرَّبة، والقانون المفترض لمحاسبة مفسدي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية طوال العقود الماضية) راحتهم الكاملة في إنجازها، ثم تلهث لجنة قانون الأزهر الجديد لإنجازه، ورفعه بليلٍ إلى "المجلس العسكري" لإقراره، قبل أيام قليلة من انعقاد أول جلسات المجلس التشريعي المنتخب!
ويهون هذا الأمر العجيب المريب عندما يتكشف شيء أخطر وأفدح!
فالأمر ليس افتئاتاً، وحسب، على المجلس التشريعي المنتخب.. بل ثمة "تزوير" و"خداع"!

فبحسب المتابعين للملف.. "في يوم انعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب الجديد (الاثنين 23/1) أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة مرسوم قانون إعادة تنظيم الأزهر، ولكنه أُعطي تاريخاً سابقاً هو 19/1، وظهر نص القانون على الموقع الإلكتروني للمطبعة الأميرية الرسمية التى تتولى نشر "الوقائع المصرية" ظهر يوم الثلاثاء 24/1، أى فى اليوم التالى للإصدار الحقيقى وليس المدون على الورق. (...) وحتى إذا افترضنا جدلاً أن القانون صدر يوم الخميس 19 يناير؛ فإنه يظل مستغرباً ومثيراً للدهشة أن يصدر المجلس العسكري تشريعاً لا مبرر للاستعجال فيه يوم الخميس، مع علمه بأن سلطة التشريع سوف تنزع منه يوم السبت! [و]يعزز الشك فى موعد الصدور أن الصحف اليومية لم تشر إلى صدور القانون حتى الآن (26/1)، رغم أنها توسعت فى نشر محتوياته حين كان مشروعاً. وإذا كان قد صدر حقًّا يوم 19 فلا يعقل أن تتجاهله طوال خمسة أيام. لكن من الواضح أنه حُجب عن الصحف خصيصاً يوم صدوره فى 23/1 حتى لا يلتفت أحد إلى المخالفة الدستورية والقانونية التى شابت عملية إخراجه إلى النور" .

ومن اللافت أن فهمي هويدي، صاحب هذا الاقتباس، جعل عنوان مقاله هذا "مطلوب تحقيق"، وهو ذات ما طالب به كثير من المهتمين من الأفراد والمؤسسات الحقوقية، وهو ما لم نسمع حتى لحظة كتابة هذه الدراسة بخصوصه أيَّ شيء.. لا من قِبَل "المجلس العسكري"، ولا من قِبَل "الأزهر الشريف"، ولا حتى من قِبَل الرئيس المنتخب محمد مرسي!