اغتيال وسام الحسن بشار وتصدير أزمته إلى لبنان

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
8 دقائق للقراءة

في قلب بيروت، في منطقة الأشرفية، وقعت تفجيرات يوم 19 أكتوبر الماضي، وسقط قتيلاً إثرها اللواء وسام الحسن رئيس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، ليكون مقتله المحاولة الثانية والعشرين- تقريباً- لاستهداف عناصر وقيادات المعارضة لبشار الأسد وحلفائه منذ مقتل الشهيد الرئيس رفيق الحريري العام 2005،، الذي قام الحسن بدور مهم في كشف المتورطين فيها وتوجيه الاتهامات لحزب الله فيها.

الرسائل التهديدية التي تلقاها عدد من قيادات تيار المستقبل ولكن أيضاً للخسارة اللوجيستية التي وقعت بخسارة كفاءة أمنية عالية المستوى مثل اللواء وسام الحسن الذي كان حائط صد قوي ضد هذا النوع من العمليات.

فقد كان لوسام الحسن دور كبير في كشف المتورطين في مقتل الشهيد رفيق الحريري سنة 2005، كما كان مهندس الكشف عن قضية وزير الإعلام اللبناني السابق ميشال سماحة في التاسع من أغسطس الماضي، لاغتيال عدد من القيادات السياسية في لبنان بأوامر مباشرة من نظام بشار الأسد، وكذلك غيرها من القضايا في العامين الأخيرين التي أربكت حلفاء سوريا في لبنان، وصدرت منهم تهديدات مباشرة له بالقتل والتفحيم، كما ذكر أحد أقطاب الثامن من آذار قبل فترة، وهي التهديدات التي تكررت عبر منابر إعلامية وسياسية مختلفة في الفترة السابقة، ومع توالي هذه القضايا التي كشفت الاختراقات في المؤسسة الأمنية ومطار بيروت وعدد من المخططات والخلايا المستهدفة لتيار محدد في المجال السياسي اللبناني، هو قوى الثامن من آذار، وأن ثمة دولة داخل الدولة، يمثلها حزب يقدم ولاءاته الخارجية على رابطة الوطن التعايشي في لبنان.

رغم تصريحات عدد من المسؤولين اللبنانيين أن التحقيقات تسير بخطى متسارعة كاشفة عن خيوط هذه العملية الإجرامية التي راح ضحيتها وسام الحسن وآخرون، دون أن تعلن أي نتائج حتى الآن، إلا أن الربط الموضوعي والمرجح عند أغلب المراقبين هو ربطها بقضية ميشيل سماحة الموالي لنظام بشار الأسد في أغسطس الماضي، وأنه تأتي في سياق الدفع للفرقاء والمنطقة للقبول بمبادرة الأخضر الإبراهيمي بخصوص الأزمة السورية وإيجاد حل سياسي لها، مع بقاء بشار الأسد، كما يؤكد حلفاء الأخير من الروس والإيرانيين، وإلا على الجميع أن ينتظر فوضى كبيرة وأزمة عميقة في كل دول الجوار والمنطقة، فهل هذه أول بوادر الفوضى الشاملة التي يسعى بشار الأسد لتصديرها للبنان ولغيرها من دول المنطقة، مستهدفاً في أولى حلقاتها المسؤول اللبناني عن أمن المعلومات الذي أسقط قبل شهور قليلة أحد حلفائه؟

وقد اتسعت هوة الخلاف في الداخل اللبناني خلافاً على حل الأزمة السورية، بين قوى المعارضة والموالاة في لبنان، وتم تبادل متسارع للاتهامات بدءاً من دعم مباشرة ولوجيستي لحزب الله بالمشاركة الفعلية والمسلحة في قتل السوريين وقمع ثورتهم لصالح بشار الأسد، أو محاولة توريط لبنان في حرب جديدة مع إسرائيل تخفيفاً للضغط الدولي عن سوريا، أو اتهامات الطائفة السنية وقوى الثامن من آذار بدعم المعارضة وقوى الثورة السورية، ضد بشار الأسد، وقد أحدثت اشتباكات طرابلس بخصوص قضية شادي مولوي في مايو الماضي أثرا لكل هذه المواقف والخلاف تأييداً لثورة الشعب السوري أو للنظام القمعي لبشار الأسد.

ورغم عنف الاشتباكات التي حدثت في طرابلس على إثر اعتقال شادي مولوى- الذي أفرج عنه فيما بعد- أو على إثر تفجيرات الأشرفية الأخيرة التي قضى فيها الشهيد وسام الحسن، إلا أن العملية الأخيرة ونوعيتها وحجمها الذي يرجح بعض المراقبين تنفيذ عدد كبير لها، واستخدام منفذيها لطائرات تجسس لتنفيذ استهداف وسام الحسن الذي عرف بالحيطة والحذر الأمني، ولم يعلن عن موعد قدومه من ألمانيا قبل العملية بيوم، ولكن تم تسريب الخبر من داخل المطار المخترق والذي مثل أسس المشكلة التي اجتاح حزب الله شوارع بيروت على إثرها عام 2009 اعتراضاً على تغيير عدد من قياداته المرتبطة بحزب الله خارج أطر ومؤسسات الدولة اللبنانية، وهو ما كان لوسام الحسن دور فيه كذلك.

رغم الغضب الشعبي العارم في الشارع اللبناني، ومهاجمة المتظاهرين للسراي الحكومي، وهو ما رفضه وتحفظ عليه تيار المستقبل ورموز قوى الرابع عشر من آذار لوقفه، مع إصرار قوى الرابع عش من آذار على استقالة حكومة نجيب ميقاتي تماهياً مع غضب الشارع اللبناني، الذي سارع لإعلان بقائه بأوامر من الرئيس ميشال سليمان حتى لا تقع البلاد في الفراغ السياسي في هذه اللحظة الحرجة، ورغم سقوط عدد من القتلى والمصابين إثر الاشتباكات التي وقعت في بيروت وشمال لبنان، وبينما لم تعلن نتائج التحقيقات بعد ولا زالت النتائج السياسية غير واضحة، يبدو الغضب ومشهد الاستقطاب السياسي حول الثورة السياسية والموقف من نظام الأسد في لبنان هو الأوضح.

ويتضح هذا الاستقطاب والتأثير في تصاعد التحدي من قبل حزب الله والموالين لسوريا من جهة وكذلك تعزيز السلفيين حضورهم ونشاطهم في لبنان، خصوصاً في مدينة طرابلس، حيث اشتبكوا مراراً مع الطائفة العلوية اللبنانية، التي يبدو أن بشار الأسد يراهن عليها، ومع أن حيثيات التفجير قد تسمح للنظام السوري بالتنصل من مسؤوليته، إلا أن مؤيدي الحسن والمراقبين الإقليميين والدوليين يستبعدون تورط الجهاديين في هذا التفجير.

تبدو لدى النظام السوري مصلحة استراتيجية في إثارة التوتّرات الطائفية والأعمال الإنتقامية في لبنان. ذلك لأنه يواجه تصدّعات في قاعدته العلوية وضغوطاً متزايدة على خطوط إمداده وتراجعاً في دعم حزب الله، الذي بات يميل للحفاظ على نفسه.

وهو ما يبدو أن القوى اللبنانية على اختلافها واعية بخطته وأهدافه العارية فيه، فضلا عن عزوفها وخاصة قوى الرابع عشر من آذار عن التضحية والقتال الذي لن يستفيد منه غير هذا النظام عانت منه لبنان كما عانت من سوريا، الذي بشر المنطقة بالفوضى العارمة كما بشر القتلى بالقتل بدءا من رفيق الحريري حتى وسام الحسن وغيره، ويبشر شعبه كل يوم بمزيد من الشهداء والقمع.

ويبدو أن تفجير 19 أكتوبر وما تبعه من تهديدات لعدد من رموز تيار المستقبل والمعارضة اللبنانية، لم تخف الشخصيات اللبنانية المعادية للأسد، ولن تخيفها، و أن ما صنعه عبر هذه العملية ليس غير مزيد من الترابط والتعاطف ضده وضد حلفائه وأوراقه التي دأب- شأن صدام حسين والقذافي- على اللعب بها، لتصدير الأزمة والفوضى للآخرين، كما لن تؤدي مثل هذه العمليات المكشوفة التي تستهدف عدم الإستقرار والنزاعات الطائفية في لبنان إلى تقليص الدعم الذي يتلقاه الثوار السوريون، وإن أدت إلى زيادة الدعم الذي يتلقاه الأسد، أو في تهويل صورة الأزمة الناتجة عن أزمته مع شعبه من حزب الله ومن حلفائه في لبنان وإيران وغيرهما.

لا تكفي فقط مرارة الحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و1990 لستة عشر عاما وسبعة أشهر، وأنهاها اتفاق الطائف سنة 1989، دافعا لتجنب شبحها الماثل الآن، وقد حدثت بعد اغتيال كميل شمعون وتوزع ولاءات بعض اللبنانيين على خارج لبنان، كما هو حال لبنان اليوم، ولكن ما يكفي هو المسؤولية الوطنية المنوطة بالمعارضة والموالاة وبالدولة والشعب، وأن تتقدم ولاءات الوطن اللبناني على الولاءات خارجه، وأن يسلم الجميع سلاحهم، دون استثناء لحزب الهي أو سياسي، فهذا الشرط وحده هو شرط الوطنية والمسئولية اللبنانية الراهنة.

إن قدرة اللبنانيين على ضبط النفس وعدم الانجرار للنزاع الطائفي والتطاحن الداخلي، وهو ما قد يسعى إليه ويرحب به حلفاء بشار في لبنان، تخفيفا للضغط عليه وتأكيدا لامتداد الأزمة السورية إلى لبنان، حسبما يريد ويخطط وينذر منذ فترة، هو أفضل حل لمواجهته وكشف حلفائه الذي يتساقطون في السنتين الأخيرتين، منذ مقتل رفيق الحريري حتى مقتل وسام الحسن، وضرورة الطرح القوى والصارم لمشكلة سلاح حزب الله وعلاقة الحزب بالدولة وتهديده المستمر لها ول معارضيه ولسلامة الشعب اللبناني ككل! خاصة مع الاستنفار الطائفي الذي يستدعيه من قوى سلفية وسنية بدأت في الظهور ولن تبالي في الاستجابة في دعوة الحرب متى أعلنت من قبله! كما أن أزمة بشار الأسد المتصاعدة والعميقة تنعكس كذلك على حلفائه وأوليائه في لبنان وغيرها، فلن يجازفوا في صراع غير مضمونة عواقبه داخليا ودوليا من أجل نظام تتشاقط هياكله بعد أن سقطت شرعيته لدى شعبه.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.