.
.
.
.

كيف خرج السلفيون الجهاديون من عباءة حماس؟

نشر في: آخر تحديث:
ألقت الأحداث الأمنية الأخيرة في غزة وسيناء بظلالها على دوائر صناعة القرار في عدد من دول الإقليم، بعد أن جاءت بصمات المجموعات السلفية الجهادية واضحة على هذه التطورات، بالتزامن مع قيام بعض هذه المجموعات بإطلاق صواريخها أواخر أكتوبر الماضي وأوائل نوفمبر الحالي تجاه إسرائيل، وظهورها كطرف أساسي في معادلة التصعيد العسكري داخل قطاع غزة، لم يعد بالإمكان القفز عنها، وتجاوزها، واعتبار أنها لم تكن على الساحة الميدانية.

الدكتور عدنان أبو عامر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأمة- غزة، يناقش هذه التطورات وكيف تدفع لإفساح المجال لقراءة طبيعة الظاهرة السلفية الجهادية، جذورها التاريخية، عوامل صعودها، ارتباطاتها التحالفية وصداماتها القائمة، مآلاتها وتبعاتها المتوقعة، والأهم من ذلك مستقبل علاقتها بحركة حماس، صاحبة القرار الأول في قطاع غزة، لاسيما أن قطاعاً عريضاً من أبنائها وعناصرها قادمون من تحت "عباءة" حماس التنظيمية، ومدرسة الإخوان المسلمين الفكرية والأيديولوجية، وهو ما أشغل صناع القرار في غزة في السنوات الأخيرة لاتباع الخيارات الأقل كلفة في التعامل مع هذه المجموعات: سلماً أم تصعيداً، احتواء أم ملاحقة!

فمنذ اليوم الأول لفوز حركة حماس الفلسطينية في الانتخابات التشريعية في يناير كانون ثاني 2006، أشعلت محافل صنع القرار في العواصم المحيطة، الأضواء الحمراء، خشية أن يكون فوزها له ما بعده بإقامة ما أسمته "إمارة" إسلامية في الأراضي الفلسطينية.

وسواء بني هذا التوقع على معطيات حقيقية، أم تقديرات تخمينية، أم تخوفات أمنية فحسب، فقد كان له أثره على مجريات تطبيق حماس لبرنامجها الانتخابي المعنون بـ"التغيير والإصلاح"، ولم يقتصر على الأبعاد الدينية والاجتماعية والسلوكية، فحسب، بل شمل الأبعاد الإدارية والسلطوية والاقتصادية.

وكشفت الأحداث اللاحقة أن حماس لم تشأ أن تعلن عن الإمارة الإسلامية أو تطبيق الشريعة، لاعتبارات سياسية محلية وإقليمية، ورغبة منها بعدم إثارة الأطراف المعادية لها، مما جلب عليها في ذات الوقت خصومة تيارات إسلامية "متشددة"، رأت منها تهاوناً فيما أسمته تحقيق "الفريضة" الغائبة، وهو تطبيق الشريعة.

أولاً: أسلمة المجتمع

تمكنت حركة حماس طوال 25 عاماً من تاريخها بصورة نسبية, من الجمع بين النزعتين الوطنية والدينية, والمواءمة بين خطابيهما السياسي، وأدى التحول الإسلامي الجاري لظهور التيارات الدينية الساعية لتبني خطاب إسلامي يتجاوز خطاب حماس, بالتركيز على الأبعاد الدينية الجهادية الإسلامية على حساب نظيرتها الوطنية السياسية الفلسطينية, وفقاً لمبررات تقول بأن جوهر الصراع الجاري يعود في القدم بين الإسلام واليهودية.

ومنذ البدايات الأولى لدخول حماس المعترك السياسي والبرلماني والحكومي، ظهرت توجهاتها "المعتدلة"، وعدم تعجلها بتطبيق الشريعة، وإقامة الدولة الإسلامية، مما دفع بعض الأوساط المقربة منها لاعتبار تلك الصياغة الجديدة لميثاقها التأسيسي، الصادر عام 1988، مع ظهور إرهاصات ومطالبات داخل الحركة بضرورة إحداث تغيير جوهري في مواده التي تعالج تلك الرؤى الإشكالية.

لكن حماس أعلنت عن محددات فكرية جديدة تعبر عن انتقال حقيقي في توجهاتها الأيديولوجية، جاءت على النحو التالي:
أ‌- اعتبار الفلسطينيين جميعاً متساوين أمام القانون، رغم اختلاف معتقداتهم وأفكارهم.
ب‌- الديمقراطية هي الخيار الوحيد، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.
ت‌- تعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، وليس المصدر الوحيد.
ث‌- التدرج في سعيها نحو "أسلمة" المجتمع، بـ"الأمر بالمعروف، وليس النهي عن المنكر".

وأعلنت حماس أكثر من مرة، أنها ليست حزباً دينياً إسلامياً على غرار جماعة الإخوان المسلمين أو حزب التحرير، فهي "حركة تحرر وطني"، وبالتالي، فلم تتصرف في السلطة على نحو يوحي بأنها تحمل مشروعاً "ثيوقراطياً"، ولم تصدر قائمة المحظورات التقليدية:

1- عدم منع الأحزاب العلمانية واليسارية.
2- لم تقم بتطبيق الشريعة الإسلامية.
3- لم تفرض الحجاب بالقوة على الفلسطينيات.
4- لم تغلق محلات الترفيه التي يؤمها غير المنتمين لفكرها الإسلامي.

وبدا أن هذه السلوكيات تتفق مع إعلان حماس أنها حركة معتدلة، وذات منهج مختلف مع التنظيمات السلفية، وبدأت التقديرات تشير فور عشية أداء وزرائها للقسم الدستوري أنها أصبحت في حل من أي التزامات تجاه القوى السياسية الأخرى، وبإمكانها تطبيق برنامجها الاجتماعي الداعي ضمناً لصناعة الفرد المسلم، وإقامة المجتمع المسلم، وصولاً إلى الدولة الإسلامية، دون أي إزعاج أو اعتراض.

لكن الناظر لحقيقة الأداء الميداني والسلوك الاجتماعي لحماس وحكومتها، بين عامي 2006-2012، يرى أنه خلا من أي إشارة للدولة الإسلامية، أو تطبيق للشريعة، وإن اكتفت بذكر عدد من البنود لإحداث التوازن في خطابها الخارجي، وأدائها الداخلي، من خلال:
1- جعل الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع في فلسطين.
2- حماية الحريات العامة لكل المواطنين بلا استثناء.
3- العمل على سن قانون جديد للأحوال الشخصية والمحاكم الشرعية، مستنبط من النصوص الشرعية والمذاهب الفقهية، واختيار ما يتناسب مع تطور المجتمع الفلسطيني.
وليس من حاجة لتأكيد ما هو مؤكد من أن هذا البرنامج تم صياغته، بعد مروره بعمليات حذف وإضافة، وتعديل ومراجعة، من قبل أعلى المؤسسات السياسية والتنظيمية للحركة، وهو ما يجعلها واعية لما تسميه "فقه الأولويات" الذي حكم أداءها الداخلي، اجتماعياً وسلوكياً، بعيداً عن المطالبات المستعجلة لقواعد عريضة من عناصرها، والمطالبة بتطبيق الشريعة، وإقامة الدولة الإسلامية.
وهنا ينطبق على حماس ما ذهب إليه الداعية محمد أحمد الراشد، أحد أكبر المنظرين للفكر الإسلامي الحركي، حين طالبها بـ"الخروج من ضيق الاعتداد الصلب إلى سعة التقدير المصلحي"، وهو أمر صواب يحتاج للتدقيق، لأن التوسع ينبغي أن يكون وفق مفاد الفقه، وفقهاء حماس لديهم الجرأة النسبية بالقياس للحركات الإسلامية في الموازنات، وجولاتها عريضة في ميادين الإفتاء المصلحي.

ثانياً: ظروف النشأة

ترى الجماعات السلفية الجهادية، أو "البنلادنيون" الفلسطينيون أنهم لم يجدوا دعوات للجهاد العالمي ضد "الكفار" لدى الإخوان المسلمين، الذين اقتصرت مقاومتهم ضد الاحتلال الإسرائيلي، ونظروا إلى حماس كـ"حركة وطنية" تشارك في المجالس التشريعية، أكثر من كونها "حركة إسلامية" تحكم بالشريعة، وبات المسوغ الأساسي لانطلاق هذه المجموعات، يتمثل بدعوة الأخيرة للعودة إلى "منهج الجهاد"، وترك المنابر السياسية والتشريعية، والحكم بالشريعة، بدلاً من القوانين الوضعية.

وتأسيساً على ذلك, أصبح السلفيون الجهاديون في قطاع غزة, يركزون على:
1- عدم إقامة دولة فلسطين بالمعنى السياسي, بل "إمارة" إسلامية بالمعنى الشرعي.
2- العمل ضمن منظومة الإمارات الإسلامية الأخرى, التي نجح "المجاهدون" في إقامتها، وهنا تتجلى نماذج طالبان في أفغانستان، ودولة العراق الإسلامية، وشبه الدولة في الصومال.
3- انتقادات السلفيين لحركة حماس, بأنها بعد سيطرتها على قطاع غزة, لم تعلن قيام الإمارة الإسلامية, ما يعتبر تقصيراً في إكمال أداء الواجب الشرعي الذي كلف الله به المجاهدين.
وقد استندت في انتقادها على النص الشرعي القائل: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر"، وهو النص الذي تستند عليه ثقافة الخطاب الإسلامي المتعلق بما يطلق عليه تسمية "فقه التمكين"، ما يعني أن الله مكن لحركة حماس من قطاع غزة، لكنها "تقاعست" عن إعلان قيام الإمارة، المعنية شرعاً بأداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وجاءت الأحداث الدامية في مسجد ابن تيمية جنوب قطاع غزة، أواسط شهر آب أغسطس 2009، لتبرز إلى السطح حقيقة الخلاف الجوهري بين التيار الإخواني ممثلاً بحركة حماس، والتيار السلفي التابع لمنظومة الجهاد العالمي، وهو خلاف بقي تحت الرماد.

وقد ساعد في انتشار الظاهرة السلفية الجهادية في الأراضي الفلسطينية عموماً، وقطاع غزة خصوصاً، عدد من الظروف:
1- الظروف السياسية: فقد أشاع السلفيون بعد دخول حماس للانتخابات البلدية في مايو عام 2005، وإعلانها استعدادها لخوض الانتخابات التشريعية، أن الانتخابات حرام، وتحكيم لغير شرع الله، ورضا بـ"الديمقراطية الكافرة"، ولم يكن لهذا الكلام صدى كبير في الشارع حتى بداية عام 2006 قبيل دخول الانتخابات التشريعية، حيث كان هناك قبول من بعض قواعد حماس للفكر السلفي، وأشاعوا أن المشاركة في الانتخابات دخول في البرلمانات "الشركية".
2- لعبت علاقة حركتي حماس بفتح في مراحل مختلفة كحكومة الوحدة، والصراع الميداني، واتفاق مكة، دور في استمرار الظاهرة السلفية بالتغلغل في أوساط عناصر حماس، حيث "قدح" السلفيون آنذاك في الحركة، واتهموها بـ"فساد العقيدة، وموالاة العلمانيين، والتحاكم للقوانين الوضعية"، وهي من أكثر الفترات التي انتشر فيها الفكر السلفي بين أوساط شباب حماس.
3- جاءت التهدئة مع إسرائيل حيناً، وتريث حماس عن القيام بالأعمال العسكرية حيناً آخر، لتوجد حالة من سوء تقدير الموقف لدى بعض عناصرها، وشعورهم بتخليها عن المقاومة، وتفكير بعضهم بالخروج منها مدعين أنها تركت المقاومة من أجل السياسة، معتبرين ذلك خللاً في العقيدة، وتراجعاً عن الثوابت، وفقدان الأمل في الإصلاح والتغيير الداخلي.
4- ساهم توالي خطابات قادة تنظيم القاعدة كالظواهري تحديداً، بالانتقادات الموجهة لقادة حماس، واتهامهم بالردة، والتحريض المستمر عليها من قبل السلفية الجهادية عبر المواقع الالكترونية التابعة لهم: كـ"الفالوجة، الحسبة، مداد السيوف، التوحيد والجهاد، شبكة المجاهدين"، فضلاً عن تضخيم بعض المآخذ على الحكومة والحركة وقياداتها مثل: زيارات بعض الدول كإيران وروسيا، تهنئة المسيحيين بأعيادهم، ووصفهم بالأخوة، عدم تطبيق الحدود.
5- الظروف الاقتصادية: بما في ذلك الحصار المفروض على قطاع غزة، وما صاحبه من ضغط واقع على سكانه، والفقر الذي تسبب في بعض الأحيان للانتماء لتلك المجموعات.
6- الظروف التربوية: كضعف الجانب الدعوي في المجتمع الفلسطيني، وعدم اطلاع العناصر الشابة على الجوانب التخصصية كـ"فقه الموازنات ومقاصد الشريعة"، وغياب الخطاب الدعوي الجماهيري المُفنِّد للقضايا المثارة في منابر السلفية الجهادية ودروسهم ونشراتهم.

ثالثاً: مكونات الظاهرة السلفية

مقابل رسوخ أقدام حماس على مشهد الإسلام السياسي الفلسطيني، شهدت الساحة السياسية في السنوات الأخيرة تحولاً نوعياً جديداً, باتجاه تزايد فعاليات الحركات السلفية "الجهادية", رغم أن عملية التحول الإسلامي بدأت منذ الانتفاضة الأولى عام 1987، إلا أن ما يحدث حالياً, هو "تحول نوعي" داخل هذا المشهد الإسلامي, تجاه المزيد من الظاهرة السلفية.

وتعتبر السلفية الجهادية عموماً تياراً أيديولوجياً تحمله جماعات حركية مناهضة لما هو قائم من أنظمة اجتماعية وسلطات سياسية وثقافة سائدة وعلاقات دولية، وتجند أفراداً ينتمون لقطاعات مختلفة، القاسم المشترك بينها على اختلاف ملامحها ودوافعها، هو طبيعة الأيديولوجية السياسية الدينية التي تسوّغ لها أهدافها وأنشطتها.
على الصعيد الفلسطيني، ظهرت العديد من الحركات السلفية الجهادية, الداعية لإقامة الإمارة الإسلامية، وتشهد حالياً صعوداً متزايداً لها, بصورة يمك القول أنها تقلق حماس، ويمكن الحديث عن أبرزها على النحو التالي:

1- جيش الإسلام- كتائب التوحيد والجهاد: وصدر بيانه التأسيسي بتاريخ 8/5/2006، وأعلن موالاته لتنظيم القاعدة، ويتزعمه "ممتاز دغمش"، الذي التقى مع "خطاب المقدسي".
2- جيش الأمة- أهل السنة والجماعة: الذي وجه نداءً عاجلاً لجميع الجماعات السلفية أواسط آب أغسطس 2007 "للتوحد في صدِّ الهجمة التي دبرت بليل من الصليبيين واليهود وأنصار الروافض"، وختم بالقول: "وقد أعذر من أنذر"، مذيلاً بتوقيع "جيش الأمة: أهل السنة والجماعة بيت المقدس-فلسطين".
كما ظهرت بيانات عدة لجماعات سلفية أخرى، كالبيان الصادر بتاريخ 12/8/2007، باسم جماعة "كتائب سيوف الحق-جيش القاعدة"، ويتزعمها "أبو صهيب المقدسي"، وهناك تنظيم باسم "جند الله"، الذي وجه زعيمه "أبو عبد الله"، في 14/7/2008، انتقادات حادة لحركة حماس، لترحيبها بزيارة "توني بلير" مبعوث اللجنة الرباعية إلى غزة، وقال "إن المجرمين من أمثال بلير، غير مُرَحَّب بهم في غزة".
إلى جانب الإعلان عن "الجبهة الإسلامية لتحرير فلسطين"، واعترافها الصريح بالتعامل مع تنظيم القاعدة، فيما صدر بيان باسم "أبناء أهل السنة والجماعة"، يصف عناصر حماس بـ"الجناة الخوارج"، ودعا رجل السلفية الجهادية الأبرز في أكناف بيت المقدس؛ المعروف بـ"أبو محمد المقدسي" تشكيلات السلفية الجهادية بكافة أنواعها للتوحد تحت قيادة واحدة باسم جماعة "كتائب التوحيد والجهاد".
وهناك جماعات أخرى لم يتم التحقق من وجودها ميدانياً، ومنها: "جحافل التوحيد والجهاد، جيش القدس الإسلامي، جند الله، قاعدة جهاد ولاية فلسطين الإسلامية، فتح الإسلام، عصبة الأنصار، سيوف الحق"، وتتمركز جميعها في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة, رغم أن فعالية نشاط حماس يعمل -بصورة غير مشكوك فيها وبقدر كبير- على التقليل من ظهورها.
وتشير التقارير, إلى أن هذه الحركات ما هي سوى الجزء الظاهر من "جبل الجليد السلفي", إضافة لوجود المزيد من التوقعات التي تقول باحتمالات تزايدها:
1- إما بسبب الانقسامات, التي ستحدث في أوساطها,
2- أو بسبب توالد المزيد على خلفية التحولات الدينية الجارية في المجتمع الفلسطيني.
ويتمثل الجانب الأخطر في هذه المجموعات بـ"الحالات العسكرية"، في ضوء أنها:
أ- تجميع لحاملي البنادق دون محيط تنظيمي يسندهم بشتى أنواع الدعم السياسي والمالي،
ب- ينجذب إليه صغار السن وبعض البسطاء رغبة في "الشهادة"، أكثر منه حباً في المقاومة، التي لا مشاق ونصب وتعب لا يتحملها أمثالهم،
ج- يندفع قادة هذه "الحالات" إلى جذب الإعلام إليهم، فتكون النتيجة أن عملية فدائية قد تمت، ودليل نجاحها استشهاد المنفذين جميعهم،
د- العمل المقاوم يحتاج إلى وعي أمني وحذر شديد، فيكف إذا كان العدو هو الاحتلال الإسرائيلي، بما يمتلك من أدوات تجسسية خطيرة، فهذا أدعى بأن يزداد الحذر أمناً وحرصاً.
• "جلجلت"...دراسة حالة
"جلجلت" الاسم الشائع والدارج في أوساط الغزيين، لمجموعات من الشباب المتدين، تابعون "للسلفية الجهادية"، و"أنصار السنة"، و"أنصار جند الله"، بدأت تنشط في قطاع غزة منذ يونيو حزيران 2007، لكن وتيرتها ازدادت، واتسع فريق مناصريها في الآونة الأخيرة.
وقد لوحظت خلال العامين الأخيرين، ظاهرة تكوين مجموعات عشوائية تتألف من عناصر شابة انتمت في حينه، وربما ما زالت تنتمي، إلى بعض الأجنحة العسكرية لقوى المقاومة الفلسطينية، وتنطوي العقيدة التي تُعد حجر الأساس لها على مقومات جهادية وسلفية، تتمحور حول العودة للتراث الإسلامي، والسعي لإنشاء دولة إسلامية بواسطة حرب "جهادية" جامحة.
وقد ضلعت مجموعات "جلجلت" بتنفيذ عدد من العمليات المسلحة، أبرزها العملية التفجيرية أوائل 2009، بوضع 3 عبوات ناسفة لاستهداف دورية إسرائيلية، ومحاولتها استهداف موكبي الرئيس الأمريكي الأسبق "جيمي كارتر" ورئيس الوزراء البريطاني السابق "توني بلير"، اللذين كانا في زيارتين منفصلتين إلى غزة، فضلاً عن تفجير العشرات من مقاهي الانترنت، لأنها تعتبرها "أوكاراً" لنشر الفساد والرذيلة.
وتشير الأوراق المتناثرة لهذه المجموعات إلى تأثرهم الشديد بمن أسموهم "المشايخ الكبار" المنادين بالجهاد العالمي في الشيشان، قبل أن ينتقلوا إلى أفغانستان والعراق، رغم أن البنية الأساسية لها درست المنهج التربوي الأساسي لجماعة الإخوان المسلمين.
وتعترف "جلجلت" بتحمل مسؤولية التفجيرات التي شهدتها أنحاء مختلفة من قطاع غزة، وفقاً لما جاء على لسان أحد مسئوليها: "قبل القيام بالتفجير يتم الحديث مع صاحب المكان الذي لديه "مفسدة"، وينصح عبر كتاب أو بيان أو دعوة لإزالتها، وإن لم يزلها بعد عدة تحذيرات، يتم تفجير المحل بعد الحصول على "فتوى شرعية" بذلك، بحيث لا يتم إلحاق الأذى بالجيران وحياتهم، ونحرص على ألا يتم المساس بحياته، بل فقط في مكان "المفسدة".

رابعاً: السلفيون ومشروع الإمارة

يسود اعتقاد بأن التنظيمات السلفية الجهادية وجدت في غزة، كخلايا سرية راقدة، في مرحلة سابقة على عام 2006، وبدأ عملها في السنة الثانية من انتفاضة الأقصى المندلعة أواخر عام 2000، مستفيدة من العوامل التالية:
1- زخمها وطابعها العسكري،
2- انهيار أجهزة أمن السلطة الفلسطينية،
3- انخراط عدد غير قليل من كوادرها في عمليات المقاومة،
4- التنافس والصراعات الداخلية بين الفصائل.
لكن تأخر الإعلان صراحة عن وجود التنظيمات الإسلامية والمجموعات السلفية المرتبطة بها إلى عام 2006 وما بعده، جاء للأسباب التالية:
أ‌- وجود تناقض أساسي وعميق، بين أيديولوجية النظام السياسي الفلسطيني، في ظل قيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات، وأيديولوجية جماعات الإسلام السياسي، خصوصاً السلفية،
ب‌- قوة وفاعلية أجهزة أمن السلطة، لم يسمح بالإعلان عن تنظيمات مرتبطة وموالية للسلفيين،
ت‌- وجود تنسيق أمني واستخباراتي، وتبادل للمعلومات بين أجهزة الأمن الفلسطينية والإسرائيلية، وبعض أجهزة الأمن العربية.
في المقابل، بدأت هذه التنظيمات السلفية، والمرتبط بعضها بتنظيم القاعدة، تدعو بصوت مرتفع لإقامة الدولة الإسلامية، كثمرة منطقية للمناخ السياسي العام السائد في الأراضي الفلسطينية، بدءً باندلاع الانتفاضة، وغلبة الطابع العسكري عليها، ومروراً بالانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة 2005، وصولاً إلى ضعف السلطة، ووهن قبضتها الأمنية، وانفلات عناصرها وكوادرها.
وترافق ذلك مع انهيار أجهزة أمن السلطة الفلسطينية أواسط عام 2007، أمام حركة حماس، وما أسفر عنه من انحلال كامل للأجهزة الأمنية، وانكشاف الميليشيات التابعة لها، مما أدى لانسحاب وهجرة العديد من الكوادر، والتحاقها بجماعات أخرى منافسة، بما في ذلك المرتبطة بالسلفيين.

كما خلفت الانتفاضة وراءها عشرات الآلاف من الشباب الذين ارتبط مصيرهم الشخصي باستمرار حالة المقاومة المسلحة، وأدى الانحسار التدريجي لعملياتها، بفعل إعلان التهدئة مع إسرائيل أواسط عام 2008، والفترة التي أعقبت الحرب على غزة أوائل 2009، إلى وجود فائض حقيقي للمخزون الفردي والجماعي من العنف، ما يسمح بتسربه للأطر التي تتبنى عقائد عنفية وجهادية، كالتنظيمات السلفية على وجه الخصوص.

فضلاً عن ذلك، فقد ساهم تبني هذه التنظيمات السلفية لمفاهيم وأفكار تستند في الأساس لكتاب "الفتاوى" لابن تيمية، وتأثرها بمؤلفات أبي محمد المقدسي، المرشد الروحي لأبي مصعب الزرقاوي، وانتحال عدد من قادة هذه الجماعات، مثل: أحمد مظلوم المكنى بـ"خطاب المقدسي"، المرجع الفقهي لتنظيم جيش الإسلام، وأبو حفص المقدسي زعيم جيش الأمة، وأبو صهيب المقدسي زعيم كتائب سيوف الحق-جيش القاعدة.

وإذا فسرت هذه الأسباب البيئة التي أسهمت في "استنبات وتفريخ" التنظيمات الجهادية والجماعات السلفية، سيكون من اللازم البحث عن أسباب أخرى، تقوى على تقديم تفسير منطقي، أو تبرير عقلاني، للعلاقة القائمة بين حركة حماس، وبين تلك التنظيمات والجماعات، وأثر ذلك كله على مستقبل إعلان مشروع الإمارة الإسلامية، علماً بأن بعضاً من أصغر هذه المجموعات لا تربطها أية صلة بالقاعدة عدا رؤيته المعلَنة القائمة على تأسيس دولة إسلامية في فلسطين، تلتزم بالشريعة الإسلامية بحذافيرها.

ولذلك ركزت هذه المجموعات الأصغر حجماً هجماتها على أهداف إسرائيلية، لكنه ربط تهديداته وهجماته بقضايا عالمية، ففي ردّ على الرسوم الكرتونية التي نُشرت في الدانمارك، وعلى تعليقات "بابا الفاتيكان" التي اعتبرتها معادية للإسلام، هددت بشنّ هجمات على عدة كنائس، وهذا النوع من الدوافع العالمية لشنّ هجمات محلية يعكس تحول هذه المنظمات من الأيديولوجيا الإسلامية القومية إلى الأيديولوجيا الأممية، التي تتبنّها جماعات جهادية سلفية في غزّة، وتربط بفاعلية قضيتها المحلية بالدفاع العالمي عن الإسلام ضمن التيار الإسلامي "العالمي المحلي".

وقد شهدت الأراضي الفلسطينية عموماً، وقطاع غزة خصوصاً، عدداً من الحوادث الميدانية التي نفذتها مجموعات سلفية، ضد من أسمتهم "الكفرة والصليبيين" المتواجدين على أرض فلسطين، كمقدمة طبيعية لإقامة الدولة الإسلامية بنظرها، وهي حوادث لاقت إدانة كبيرة ومعلنة من حماس، قبل وبعد توليها السلطة، وإن رأت أن "أسلمة" المجتمع الفلسطيني، مسألة بحاجة للعمل على نار هادئة دون إثارة القوى المحلية والإقليمية والدولية.

خامساً: القطيعة والتمايز

يمكن الرجوع إلى البدايات الأولى للخلاف الفكري والفقهي بين حماس والسلفيين، لاسيما في مسألة إقامة الدولة الإسلامية، وتطبيق الشريعة، وفق المراحل التاريخية التالية:
1- بعد التوقيع على اتفاق مكة في شباط فبراير 2007، بين حركتي فتح وحماس، رفعت قيادة الجماعات السلفية من لهجة انتقادها لقيادة حماس، وجاءت "التعزية" من الرجل الثاني في تنظيم القاعدة "أيمن الظواهري" "فيها.
2- تصريح "أسامة بن لادن" في خطابه لتحرير فلسطين أنه "لن يحترم المواثيق الدولية، كما احترمها قادة حماس وبعض قادة الإخوان المسلمين".
3- جاء أبرز انتقاد على لسان "أبي عمر البغدادي" أمير دولة العراق الإسلامية الذي حدد نقاط المعركة مع الإخوان المسلمين كجزء من معركته وتجربته معهم في بغداد، وأنها تمتد إلى ساحات أخرى من العالم أبرزها فلسطين.
4- يمكن الخروج بملخص لأبرز انتقادات السلفيين الجهاديين في فلسطين لسلوك حماس السياسي، وشكلت في فترة لاحقة الأسس الفكرية "للقطيعة" بينهما، وإطالة لأمد إقامة الدولة الإسلامية، على النحو التالي:
أ‌- دخولهم العملية السياسية في ظل دستور "وضعي علماني"، وعلى أساس اتفاقيات أوسلو، التي "تخلت" عن أكثر من ثلاثة أرباع أرض فلسطين لليهود.
ب‌- الاعتراف الضمني بإسرائيل، باعترافهم بشرعية السلطة الفلسطينية، وبشرعية رئيسهم "العلماني المرتد، عميل اليهود المخلص".
ت‌- تصريح قادة حماس باحترامهم القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، باعتبار أن مجرد اعترافهم بهذه المنظمة إقراراً بقانونهم الوضعي، وبدولة إسرائيل العضو فيها.
ث‌- دخولهم في حلف عجيب مع الأنظمة "المرتدة"، خاصة في مصر وسوريا، قبيل اندلاع الثورات الأخيرة، متنكرين لدماء إخوانهم في مجزرة حماة.
ج‌- إعلان حماس أنها لا تسعى لأسلمة المجتمع الفلسطيني، وعدم مطالبتهم بأن تكون العملية السياسية وفق الشريعة، أو بتحكيمها لدى وجودهم في الحكومة، ولم يحكموها بعد سيطرتهم الكاملة على غزة، وعدم قناعة الجماعات السلفية بما تعلنه حماس حول اتباع سياسة "التدرج" في تطبيق الشريعة، وإقامة الحدود الشرعية.

هنا يبدو ضرورياً تقسيم العلاقة بين حماس والجماعات السلفية، التي باتت تطالب صباح مساء بإقامة الدولة الإسلامية، وتطبيق الشريعة، إلى مرحلتين تاريخيتين متمايزتين:
1- قبل فوز حماس بالانتخابات: حيث أقامت علاقات مع الجماعات السلفية، نظراً لحاجتها لترتيب تحالفات واسعة، مع القوى المناوئة لفتح ومنظمة التحرير، وتتماثل وتتقاطع معها في وجهات النظر والموقف من السلطة الفلسطينية، ولهذا نظمت نوعاً من اصطفاف قوى التيارات الإسلامية في مواجهة من تعتبرها فصائل علمانية.
كما سمحت علاقة حماس بهذه التنظيمات، بإيصال رسائل سياسية عن قدرتها على التحكم والسيطرة، سواء بالتشغيل أم بالإحباط، والتخفيف قدر الإمكان من الهجمات الإعلامية العنيفة التي استهدفت حماس مِنْ قِبَلِ قيادات تنظيم القاعدة، وحرصت على إبقاء مسافة مع الجماعات السلفية، لاعتبارات كثيرة.
2- تشكيل الحكومة والسيطرة على غزة: حيث رحبت التنظيمات والخلايا السلفية شبه السرية، التي تستلهم فكرها الجهادي، بسيطرة حماس على غزة أواسط 2007، فيما كافأتها حماس بتعاطف حنون، وصل حدود التسامح مع التدريب والتجنيد، عبر عنه بحلف "الجنتلمان" غير المكتوب بينهما، وبات واضحاً أن التناقضات الأيديولوجية بينهما تتركز في الخلاف حول مسألة تطبيق الشريعة، رغم اعتبار السلفيين لمشاركة حماس في الانتخابات انتهاكاً لمبدأ "الحاكمية الإلهية"، ما وجد طريقه في الحملات التكفيرية التي شنها بعض رموزهم ضدها.
وقد حاولت حماس استعادة المبادرة من السلفيين، من خلال تَوَجُّهَيْنِ اثنين:
أ- التوجه الأيديولوجي الفكري: حيث أرسلت شيوخها للمساجد لـ"توعية" الشباب الذين استقطبهم السلفيون، ثم السيطرة على الأنفاق على الحدود المصرية للتحكم بحركة التسلل والتموين، واستطاعت إعادة عدد منهم إلى "جادة الصواب"، كما قالت، وبدأت بما أسمتها "معالجة فكرية" للسلفيين عقب اعتقال عدد منهم بعد إعلانهم "إمارة إسلامية".

لكن التحدي الذي يواجه حماس فعلياً يتمثل بأن هؤلاء السلفيون ينطلقون من خطاب إسلامي ديني، يجد صداه وقبوله في أوساط عديدة من قواعدها التنظيمية، مما دفع بها لإقامة جلسات فكرية، ومحاورات فقهية، ومناظرات دينية، مع مروجي الفكر السلفي، واستطاع بعض العلماء استقطاب عدد منهم عبر الأسلوب الإقناعي، ومحاججة الفكرة بالفكرة.

ويتمثل أسلوب التأهيل الفكري، بأن تجلس مجموعة من المشايخ والعلماء مع الشباب صغار السن، يعلمونهم وسطية الإسلام، وأهميتها في الحياة، ويتم محاججتهم، وتقديم الأدلة لهم على خطأ ما يقومون به.
كما دأبت حماس على القيام بحملات توزيع تعميمات تنظيمية، ومحاضرات داخلية تحت عنوان: "تطبيق الشريعة الإسلامية..ضوابط وأحكام"، تنبه قواعدها لخطورة الدعوة "المتعجلة" إلى تطبيق الشريعة في ظل عدم نضوج الظروف الميدانية، ودون التفهم الداخلي والخارجي لها.

وأطلقت الحكومة في غزة سراح العشرات من هؤلاء بعد "تأهيلهم فكرياً"، والحديث معهم بكثافة من قبل مختصين لترك التكفير، والدخول في وسطية الإسلام، وأخذ تعهد منهم بعدم العودة لأي نشاطات من شأنها زعزعة الاستقرار، في ظل عدم استبعاد لعودة الظاهرة من جديد.
ب- المعالجة الأمنية الميدانية: ففي حين أخفق بعض المشايخ والعلماء في العلاج الأول، تحركت أجهزة أمن حماس، وشنت حملات مراقبة وملاحقة واعتقال، ومحاولة لاستعادة المساجد التي نشرت التنظيمات السلفية أفكارها من خلالها.
في المحصلة، فإن علاقة حماس، لم تَسِرْ على وتيرة واحدة مع السلفيين الجهاديين، وشهدت فصولاً متعددة من الاحتقان والتوتر والمواجهة، تمثل أشهرها في تحرير الصحافي البريطاني "آلان جونستون"، في يوليو تموز 2007، بعد مائة يوم من اختطافه على أيديهم، والمواجهة الدموية في رفح جنوب قطاع غزة يوم 15 أغسطس آب 2009، بعد إعلان زعميها "أبو النور المقدسي" إقامة الإمارة الإسلامية، وإنذار حماس بتطبيق الشريعة، وأسفرت الاشتباكات عن سقوط قتلى وجرحى، واعتقال عدد من نشطاء التنظيم.

ووصفت حماس بعد معالجة الموضوع أمنياً بصورة جذرية، الأمير السلفي بأنه مصاب بـ"لوثة عقلية، ومنزلقات فكرية، وتكفيري"، محملة إياه جرائم حدثت في غزة بين الحين والأخر كتفجير مقاهي إنترنت، واستهداف مدارس مسيحية، وحفلات أفراح عامة، واتهمته بالتبعية للعناصر الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وهو ما نفته الجماعة باستمرار، وتبرأت منه.

الخاتمة

إن الخلاف القائم بين حركة حماس والتنظيمات السلفية حول مسألة إقامة الدولة الإسلامية، وتطبيق الشريعة، وتنفيذ الحدود، في الأراضي الفلسطينية، ظاهرة جديرة بالنقاش والتفكر، ودراسة للأسباب والعوامل، والتأمل في طبيعة التعامل معها، في ضوء أن إقامة هذه الدولة باتت تحتل حيزاً هاماً من تفكير أبناء الجماعات الإسلامية الفلسطينية، رغم أنها لا تعدو عن كونها في كثير من الأحيان أحلاماً رومانسية وأماني عاطفية لا تستند إلى وقائع حقيقية تدعم هذا التوجه، وتمنحه أسباب البقاء والدوام.

ومع ذلك، ورغم أنه لم تجرِ مواجهات واسعة مع باقي المجموعات السلفية، إلا أن رسالة حماس وصلتها، وآثرت ألا تجازف بتحدي سلطتها في هذه الظروف، ولذلك فإن العديد من عناصرها سلموا أنفسهم لحماس، التي تجري "إعادة تأهيل فكري" لهم، وبدأوا يتجاوبون بشكل كبير مع العملية، وهو ما دفع بها للقول أن الظاهرة السلفية بدأت بـ"التلاشي"، عقب المعالجة الفكرية لأشخاص يحملون هذا الفكر الذي وصفته بـ"المشوه"، وشهدت الفترة الأخيرة تقلصاً في أعدادهم، بعد أن تم اعتقال بعض الرؤوس الكبيرة لهم، والمسئولين عن تجنيدهم.