.
.
.
.

الاعتراف بالدولة الفلسطينية والقانون الدولي

نشر في: آخر تحديث:
أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم (3246) في 29 نوفمبر عام 1974 شرعية كفاح الشعوب في سبيل التحرر من السيطرة الاستعمارية، والقهر الأجنبي، بكافة الوسائل ومنها الكفاح المسلح، ولقد توسّع مفهوم الحق في تقرير المصير لاحقاً وأصبح يعني حق كل شعب في حكم نفسه بنفسه، واختيار نظامه، ومستقبله اختياراً حراً، وفي تطوره الراهن أصبح هذا الحق هو الأساس والمنطلق للحق فى الاستقلال والسيادة.

وأكد ميثاق منظمة الأمم المتحدة على تعزيز المساواة بين البشر فى كل مكان، وبمنآى عن الجنس أو اللغة أو الدين، وأصبحت هذه المبادئ تعبر عن جوانب سياسية وقانونية واقتصادية واجتماعية لا غنى عنها لحياة ومصائر الشعوب والأفراد.

وفي دراسة د. ايمن سلامة يرى أن حقوق الإنسان كافة، ومن بينها حقوق الشعوب فى تقرير مصيرها لا تستند فقط إلى المواثيق والقوانين الوضعية، بيد أنها تستند أساسا إلى القانون الطبيعي، والذى يعنى أن هناك مبادئ وقواعد قانونية أعلى وأسبق من الإرادة الإنسانية، يدركها العقل السليم وهى قواعد خالدة وثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، والتى تسبق فى وجودها وجود الدولة والقانون الوضعى.

إن اعتبار مبادئ القانون الطبيعى المتمثلة فى العدل والإنصاف كانت ولا تزال فكرة صالحة لتبرير الإعلان عن الدولة أو الاستقلال لشعب عندما يتعرض للظلم والاضطهاد والمعاملة اللاإنسانية، ولقد استندت وثائق إعلانات الاستقلال على هذه الفكرة، ومنها وثيقة إعلان الاستقلال الأمريكى فى 1776، والتى نصت على: (إننا نعتبر هذه الحقائق بديهية بذاتها: أن كل الناس ولدوا متساويين، وأن خالقهم زودهم ببعض الحقوق التى لا يجوز التصرف بها، ومن بينها: الحياة والحرية والبحث عن السعادة. وأن الناس يُؤسِّسُون لضمان هذه الحقوق، حكومات تنبثق سلطتها من رضا المحكومين، وأنه إذا قامت الحكومة، مهما كان شكلها، بتجاهل هذه الغايات، فإن للشعب الحق فى تغييرها أو إلغائها وتأسيس حكومة جديدة، يقيمها على مثل هذه المبادئ، وينظم سلطاتها وفق الأشكال التى ستبدو له صالحة لضمان أمنه وسعادته).

لقد حرصت الجمعية العامة للأمم المتحدة على أن تصف حقوق الشعب الفلسطينى فى أكثر من مناسبة، بأنها حقوق غير قابلة للتنازل عنها، وغير قابلة للتقادم أو الاستيلاء عليها، ويعد القرار الذى أصدرته الجمعية العامة فى 4 نوفمبر 1970، والذى أعلن بوضوح أن احترام حقوق الشعب الفلسطينى شرط لا غنى عنه لإقامة السلام العادل والدائم فى الشرق الأوسط، على ضوء أحكام القرار رقم 242 الصادر عن مجلس الامن عام 1967.

تكمن أهمية القرارات التى تصدر عن الجمعية العامة من حيث أنها أكثر القرارات التى تحوز أهمية من الناحية القانونية، حيث تصدر عن سائر أو غالبية الدول الأعضاء فى المنظمة، مما يزيد من قوتها وقيمتها من حيث الاعتراف بهذه الحقوق، أى من حيث السند القانونى الدولى لهذه الحقوق، فالجمعية العامة باعتبارها المنبر العام لمنظمة الأمم المتحدة تعد صدى أمين لأحكام القانون الدولى.

ولا تستند الحقوق الأساسية الراسخة للشعب الفلسطينى فى تقريره مصيره على القرارات والتوصيات العديدة التى صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومجلس الأمن فقط، بل أن محكمة العدل الدولية كانت قد أشارت فى رأيها الاستشارى عام 2004 بشأن عدم مشروعية جدار الفصل العنصرى الصهيونى ، إلى أن حق الشعب الفلسطينى فى تقرير المصير لا يمكن التنكر له، وكذلك التزامات إسرائيل الأخرى وفقا للقانون الدولى الإنسانى لأنها مبادئ أساسية فى القانون الدولى العرفى. وهذا يعنى أنه لكل دولة فى العالم مصلحة قانونية فى حماية هذه المبادئ التى تشكل لب النزاع فى الشرق الأوسط، كما أكدت المحكمة أن وجود شعب فلسطينى لم يعد قابل للنقاش، وهى مسألة محسومة، بل أن إسرائيل ذاتها قد اعترفت بهذا الوجود، ويترتب على حقوقها هذا الشعب حقه فى تقرير مصيره.

لقد انتهت المحكمة إلى أن الحق فى تقرير المصير يعد حقا راسخا ومعترف به بموجب القانون الدولى ينطبق على الأراضى الفلسطينية والشعب الفلسطينى، وأن ممارسة هذا الحق يعطى للشعب الفلسطينى الحق فى أن تكون له دولة خاصة به كما ورد سابقا فى القرار 181 (د-2) للجمعية العامة للأمم المتحدة.
الدولة الفلسطينية أمانة مقدسة فى عنق المدنية:

لقد أفتت محكمة العدل الدولية فى عام 1950 بشأن المركز الدولى لأفريقيا الجنوبية الدولية بأن "الانتداب أقيم لصالح سكان الأقاليم ولصالح البشرية عموما، بوصفه نظام دولى ذا هدف دولي يعد أمانة مقدسة فى عنق المدنية، ولقد لاحظت المحكمة أيضا فى هذا الخصوص وجود مبدأين أساسين: مبدأ عدم الضم، والمبدأ القائل بأن رفاهية وتقدم الشعوب "غير القادرة بعد عن النهوض بأمورها" يعتبر "أمانة مقدسة فى عنق المدنية".

لقد أكدت ذات الهيئة القضائية فى حكمها الصادر فى 18 يوليو 1966 فى قضيتا أفريقيا الجنوبية الغربية، أن لكافة الأمم المتحضرة مصلحة فى التأكد من أداء الدولة المنتدبة، ولكى تكتسب هذه المصلحة طابعا قانونيا محدد ينبغى أن تكون الأمانة المقدسة نفسها، أو أن تصبح، أكثر من مجرد غاية أدبية وإنسانية.

وأكدت أيضا المحكمة فى فتواها الصادرة فى 21 يونيو 1971 أن نظام الانتداب المنشئ وفقا لعهد عصبة الأمم يستند إلى مبدأين لهما أهمية عالية: مبدأ عدم الضم، ومبدأ أن رفاهة وتنمية الشعوب المعنية يشكلان أمانة مقدسة للحضارة، وأنه ليس هناك شك فى أن الغاية النهائية للأمانة المقدسة هى تقرير المصير والاستقلال. وعلى الدولة المنتدبة أن تتقيد بعدد من الالتزامات وعلى مجلس العصبة أن يتأكد من الوفاء بتلك الالتزامات وحقوق الدولة المنتدبة الناشئة عن تلك الالتزامات.
كما أكدت المحكمة أيضا أن على جميع الدول أن تتذكر أن الكيان المتضرر من الوجود غير الشرعى لجنوب أفريقيا فى ناميبيا هو الشعب الذى يتطلع إلى مساعدة المجتمع الدولى فى تقدمه نحو تحقيق الأهداف التى أقيمت من أجلها الأمانة المقدسة.
النصر لا يخلق الحقوق:

لا ينعدم وجود الدولة القانوني، إذا فقدت سيطرتها على الإقليم فى ظروف خاصة، متى زالت هذه الظروف الخاصة الطارئة ومنها الاحتلال، وفى هذا الصدد فقد قضى ميثاق بوجوتا فى مادته الخامسة بأن (النصر لا يخلق الحقوق) والعبارة الأخيرة تعد الرد الحاسم للمحاولات الصهيونية الباطلة، والتى تهدف لتزييف الحقائق القانونية، والتاريخية، والدينية، ولا تزال سادرة فى باطلها.

تاريخيا، لا يستطيع أى منصف أن ينكر الوضع القانونى الدولى لفلسطين عندما أنشئت منظمة الأمم المتحدة عام 1945، حيث كانت تتمتع فلسطين بمقومات الشخصية الدولية فى عهد عصبة الأمم حين كانت دولة منتدبة من قبل بريطانيا العظمى، مثلها فى ذلك مثل كل من العراق وسوريا ولبنان. ويؤكد الشخصية الدولية لفلسطين، إبرامها المعاهدات الدولية خلال فترة الانتداب، ومن ذلك الاتفاقية المصرية الفلسطينية بتاريخ 21 ديسمبر 1921 بشأن تسليم المجرمين.

لقد كانت لفلسطين جنسية متميزة عن دولة الانتداب، وهذا ما أشارت إليه صراحة المادة (7) من وثيقة الانتداب، ونطق بذلك أيضا حكم محكمة الاستئناف الإنجليزية "الدائرة الجنائية الصادر عام 1940 فى قضية R. V. Kelter" والذى أشار إلى الجنسية الفلسطينية المتميزة.

ولا يؤثر خضوع بعض أقاليم فلسطين بعد حرب عام 1948 إلى الإدارتين المصرية والأردنية فى انعدام هذه الجنسية المشار إليها والذى تمتع بها الفلسطينيين فى ظل حكومة عموم فلسطين وذلك حتى سنة 1950.

وإذا كانت الظروف الواقعية جعلت الفلسطينيين مرغمين عن عدم التشبث بالأسانيد والأدلة القانونية لقيام دولتهم تأسيسا على القرار (181) الذى أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 29 نوفمبر 1947، فإن المقام يلزمنا أن نذكر أن هذا القرار المبدئى الذى قبلت على أساسه إسرائيل عضوا بالمنظمة الدولية، يؤكد أن المنظمة لا تعترف لإسرائيل إلا بالإقليم الذى حدده لها قرار التقسيم، بل أن وزير خارجية إسرائيل أكد فى برقيته التى أرسلها إلى الإدارة الأمريكية أن: "أن دولة إسرائيل أعلنت جمهورية مستقلة داخل حدود وافقت عليها الجمعية العامة فى قرارها بتاريخ 29 نوفمبر 1947".

إعلان الاستقلال الفلسطيني

أعلن الزعيم الفلسطينى الراحل ياسر عرفات قيام دولة فلسطين فى 15 نوفمبر 1988 خلال إعلان خلال اجتماع المجلس الوطنى الفلسطينى التاسع عشر الذى أقيم فى الجزائر.

ولقد صدر ذلك الإعلان من الحكومة الشرعية التى تمثل الشعب الفلسطينى وتعبر عن إرادته بتشكيل الدولة، ولقد هدف ذلك الإعلان من الوجهة الدولية إلى تحقيق أغراض متعددة ومن أهمها، العمل كبيان دعائى يهدف إلى بناء دعم خارجى لحماية وتثبيت استقلال الدولة الجديدة، وخاصة فى مواجهة إسرائيل التى طالما ترفض الإعلان وتعمل جاهدة لإفشاله، خصوصا فى الحالة الفلسطينية التى أعلنت عن الدولة المستقلة من طرف واحد.

لقد آثرت القيادة الفلسطينية على أن تقوم بذلك الإعلان فى هذه الظروف التاريخية حين تيقنت بعدم اكتمال العناصر الضرورية للاعتراف بهذا النوع من الإعلان، وخشية أن يكون ذلك الإعلان المبكر محل اعتراض واحتجاج من الدول الأخرى، فعد العديد من الفقهاء ذلك الإعلان أنه إعلانا تمهيديا حتى إذا ما توفرت لفلسطين الظروف المناسبة قامت بإعلانها النهائى المنشود.

كانت منظمة التحرير الفلسطينية قد حصلت على اعتراف عالمى فى 14 أكتوبر 1974 حين منحت صفة المراقب فى الأمم المتحدة بتأييد 134 صوتا، ولم تصوت ضدها سوى إسرائيل وكوستاريكا وجواتيمالا، أما الولايات المتحدة فقد امتنعت عن التصويت.
الطبيعة الكاشفة للاعتراف بالدول:

لقد كشف رأى المحكمة الدولية الدائمة للعدل فى عهد عصبة الأمم عن الطبيعة الكاشفة للاعتراف بالدول سواء كان ذلك صراحة أم ضمنا. فلقد تبنت المحكمة صراحة هذه النظرية فى حكم محكمة التحكيم المختلطة بين ألمانيا وبولندا فى 1 أغسطس 1929، فالاعتراف بالدول وفقا للنظرية الكاشفة لا يعدٌ إلا أن يكون شهادة ميلاد أو وثيقة تعميد دبلوماسية، فالاعتراف لا يعطى للدولة استقرارها وإنما هو يقرر وجودها الواقع فقط.

التذرع الإسرائيلى باتفاقيتى أوسلو

تزعم كلا من الإدارة الأمريكية, وإسرائيل بأن السلطة الفلسطينية قد أبرمت اتفاقية دولية مع إسرائيل أوسلو عام 1993 التى تنص على عدم جواز إعلان استقلال الدولة الفلسطينية دون التشاور مع دولة إسرائيل، وهو زعم مرفوض قلبا وقالبا, حيث تنص المادة (103) من ميثاق منظمة الأمم المتحدة، على أنه إذا تعارضت الالتزامات التى يرتبط بها أعضاء الأمم المتحدة وفقا لأحكام هذا الميثاق مع أى التزام دولى آخر يرتبطون به, فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق.

إن أية اتفاقيات ترخص للغاصب المحتل ثمة سلطة تعسفية تتحكم فى تقرير الشعب الفلسطينى لمصيره، لا يستند لأى سند قانونى، حيث إن الوجود الإسرائيلى فى الأقاليم المحتلة مجرد واقعة مادية لا يكسبها أيا من حقوق السيادة، وتلزمها قواعد القانون الدولى بالانسحاب الكامل بدون شرط، أو تغيير للأوضاع القانونية والسياسية للأقاليم المحتلة.

لقد خلصت محكمة العدل الدولية فى رأيها الاستشارى الأشهر الصادر بخصوص جدار فصل العنصرى الصهيونى فى 9 يوليو 2004 إلى أن الأراضى الفلسطينية -بما فيها القدس- تعتبر -وفقًا للقانون الدولى- أرضًا محتلة. وهذا التكييف القانونى للوضع من جانب المحكمة يقضى نهائيًا على الإدعاء بأن هذه الأراضى "متنازع عليها"، وليست محتلة، ويُصحَّحُ التكييف الخاطئ الذى ورد فى إعلان المبادئ (اتفاقية أوسلو) لعام 1993، والذى يدل على جهل فاضح من جانب المفاوض الفلسطينى واستخفاف بدقة التعبير.

إن توجه المحكمة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، من أجل المساعدة فى المفاوضات الثنائية بين الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى للوصول إلى حل تفاوضى، قد ربطته المحكمة بشرط مهم هو: أن يكون هذا الحل قائمًا على أساس القانون الدولى كما بينته المحكمة فى فتواها، أى أنه لا يصح الخروج عن هذا القانون، ومن حق، بل من واجب، المفاوض الفلسطينى أن يتمسك به، وإلا فإنه يعطى شرعية لما هو غير شرعى.

وحين شككت كلا من إسرائيل والإدارة الأمريكية -كما هو متوقع- فى القيمة القانونية للرأى الاستشارى المشار إليه، حسمت الجمعية العامة للأمم المتحدة الموقف بأغلبية ساحقة، فى دورتها الاستثنائية العاشرة، بقرارها رقم 10/15 الذى اتخذته فى 20 يوليو 2004، وقد فاز هذا القرار بأغلبية 150 صوت مقابل 6 أصوات من بينها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وامتناع 10 وغياب 26 دولة، وذلك من مجموعة 191 دولة عضو فى منظمة الأمم المتحدة.

جدير بالذكر أن المحكمة فى رأيها الاستشارى المشار إليه، كان قد أشارت إلى الحاجة للتوصل فى "أسرع وقت ممكن استنادا إلى القانون الدولى إلى حلا تفاوضيا للنزاع"، وهذا المطلب الشرعى القانونى من عدالة المحكمة لا يستقيم ولا يتسق مع مطامع الدولة الإسرائيلية التى أثبتت دوما أنها تسعى لإطفاء الشرعية على غير ما هو شرعى كما أنها تتعمد المماطلة والتسويف وارتكاب مخالفات جديدة ينشغل بها المفاوضين، من دون أن يكون قد حلو أية مشكلة.

يستحيل قانونا على إسرائيل، وربيبتها الإدارة الأمريكية بأى حال من الأحوال أن يغضا الطرف عن الالتزامات القانونية الواردة بميثاق منظمة الأمم المتحدة فما جاء به الميثاق من التزامات دستورية علوية يسمو على التزامات الدول أعضاء المنظمة.
لقد تحدث الميثاق عن الشعوب بدلا من الدول, وعن الأمم المتحدة عوضا عن الدول المتحدة, فى إشارات واضحة وإمارات دامغة على حقوق الشعوب قبل الدول, بحسبان أن الشعوب أسبق وأولى من الدول, وما الأمم والدول إلا نتاج لهذه الشعوب.
ماهية الدولة العضو المراقب فى منظمة الأمم المتحدة:

تحظى الدولة العضو المراقب فى منظمة الأمم المتحدة بمركز قانونى أدنى من ذلك المركز الذى تحظى به الدول كاملة العضوية فى هذه المنظمة، حيث يسمح نظام العمل بالمنظمة لها بالمشاركة في الحوارات والمداولات والتصويت على بعض الإجراءات لكنها لا تصوت على القرارات، ولا يتم معاملتها كدولة أبداً، حيث لا يحق لها أن تطلب التصويت على قرار، أو إحالة حالة، أو موقف للهيئات والوكالات والمنظمات التابعة للأمم المتحدة. وبالتالي فالمراقبة تعنى المشاركة وتوضيح وجهة النظر.

وإذا قبلت عضوية فلسطين "دولة مراقب" فى منظمة الأمم المتحدة فستصبح الدولة الثانية التى تحظى بهذه الماهية بعد دولة الفاتيكان، وإذا كان الاتحاد السويسرى أصبح دولة كاملة العضوية فى 10 سبتمبر 2002 بعد أن كان يحظى بذات الماهية التى تطوق إليها السلطة الفلسطينية الآن ، فإن العديد من المراقبين يتوقعون أن تكون الخطوة الفلسطينية محطة انتقالية تنقل الوليد الفلسطينى المبتسر إلى مصاف الدولة كاملة العضوية فى المنظمة الأممية.

البيئة الدولية وأثرها فى الطلب الفلسطيني

إن الدولة كائن حي، ولا يولد هذا المولود كما تؤكد الحالة الفلسطينية إلا بعد اكتمال ليس فقط عناصرها الذاتية (الإقليم، الشعب، الحكومة) ولكن أيضا بتوافر البيئة الدولية المحيطة المناسبة، وبتحقق هذه الظروف تكون السلطة الفلسطينية أمنت ترقية مركزها القانونى إلى دولة مراقب فى منظمة الأمم المتحدة .

يشار فى ذلك الصدد إلى اعتبار سحب كوزفو لإعلان استقلالها فى عام 1991 سابقة دولية فريدة لسحب الإعلان عن الدولة. حيث سحبت كوزفو إعلانها نتيجة الضغوط التى مارستها عليها دول الناتو وطالبتها بسحب الإعلان، بعد أن أقرت لها بحكم ذاتى متطور، وأقنعتها على أن هذه الخطوة محطة نحو الاستقلال.

لقد كانت البيئة الدولية المغايرة العامل الرئيس فى رفض قبول الطلب الفلسطينى السابق للأمم المتحدة عضوا بالمنظمة، جين وقف الفيتو الأمريكى بالمرصاد للطلب الفلسطينى الذى تقدم به أبو عباس للأمين العام للأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر 2011.فتوصية مجلس الأمن للجمعية العامة للمنظمة تعد شرطا جوهريا قانونيا لا يمكن تخطيه، سواء بالنسبة للتقدم للعضوية الكاملة أو الفصل من عضوية المنظمة.

والمثير للحنق والضجر فى هذا السياق, الموقف الأمريكى المعارض لإعلان الدولة من الجانب الفلسطينى فى أروقة المنظمة الأممية, حيث هددت السلطة الفلسطينية بنقص فى الأقوات والأموال, كما توعدتها بالويل والثبور وعظائم الأمور, أن تجرأت السلطة الفلسطينية ولجأت للأمم المتحدة معاذا وملاذا يعترف بالدولة الفلسطينية, مما يمثل نكرانا للمبادئ الأساسية التى ارتكزت عليها, وتواترت بشأنها الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ الاستقلال.

لقد خابت كل التوقعات الرسمية والشعبية فى العالمين الإسلامى والعربى والتى انخدعت بالتصريحات المضللة للرئيس أوباما فور فوزه بالانتخابات الرئاسية فى ولايته الأولى وذلك حين أكد على حق الشعب الفلسطينى فى تقريره مصيره وإقامته دولته الحرة ذات السيادة، ولم يغير الرئيس الأمريكى موقفه الصادم وذلك أيضا بعد فوزه بالولاية الثانية لرئاسته، حين أكد للرئيس الفلسطينى أبومازن عن رفض الإدارة الأمريكية الطلب الفلسطينى الأخير الذى قدمته إلى الأمانة العامة الأمم المتحدة فى يوم 7 نوفمبر 2012.

الإدارة الأمريكية تنكر الحقوق وتتنكر للمبادئ

إن التهديدات الأمريكية الحالية للسلطة الوطنية بعدم طرق أبواب الجمعية العامة للأمم المتحدة وذلك لنيل صفة الدولة المراقب لا يعدو إلا تنكرا لحقوق الشعوب فى تقريرها لمصيرها وقدره الذى ترتضيه وتختاره، كما يعد أيضا تنصلا لأهم القيم والمبادئ التى قامت عليها وأعلنت بمقتضاها الجمهورية الأمريكية ذاتها فى إعلان الاستقلال عن المستعمر البريطاني.

ففى العهود الغابرة أكد قادة الاستقلال الأمريكى عن بريطانيا ، و من بعدهم العديد من الرؤساء الأمريكيين على حق الشعوب فى تفريها لمصيرها، وعدم الاعتداد بالامر الواقع المفروض علي الشعوب .

لقد كتب جيفرسون أحد أكبر رجالات الاستقلال فى الولايات المتحدة فى عام 1774: "أن الله الذى منحنا الحياة منحنا الحرية فى الوقت نفسه، وان يد القوة قد تدمرهما ولكنها لا تستطيع فصلهما عن لبعضهما البعض" ، و صرح بعد ذلك في
عام 1793 بأن (الولايات المتحدة ستعترف بقانونية أية حكومة تمثل إرادة شعبها، وإقامة العلاقات الرسمية مع أية مجموعة سياسية استطاعت أن تفرض سيادتها على أراضيها).

أما الرسالة التى لم يقرأها أى من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية منذ إنشاء إسرائيل وحتى اللحظة الآنية، فهى الرسالة الإنسانية الأخلاقية التى بعثها أيضا جيفرسون إلى هنرى لى والتى ورد فيها ما يلى "بالنظر إلى حقوقنا وانتهاك بريطانيا لهذه الحقوق، فقد حمل كافة الأمريكيين السلاح لتصحيح الخطأ، وان إعلان الاستقلال كان مناشدة رفعت لمحكمة العالم لتبرير موقفنا، ولنضع تحت أنظار العالم تصورنا للأمور بعبارات واضحة وحازمة لطلب موافقتهم، ولنبرر أنفسنا فى وقفتنا المستقلة التى أجبرنا على القيام بها . فلم نهدف إلى أصالة المبادئ، ولم نقتبس أى نصوص سابقة بعينها، وكان القصد من وراء إعلان الاستقلال هو تعبير العقل الأمريكى عن نفسه".

أما فى العهود الحاضرة فقد أكدت الولايات المتحدة مرارا وتكررا على حق الشعوب فى تقرير مصيرها وعدم الاعتراف بمشروعية أية أوضاع تنتج عن العدوان المسلح، ففى خطابه الشهير بتاريخ 4 يوليو 1918 أكد الرئيس الأمريكى ويلسن على أن: "كل المشاكل الإقليمية يجب حلها طبقا لإرادة سكان الإقليم"، ويعد ذلك المبدأ من الأسس الديمقراطية الراسخة فى العلاقات الدولية التى تقضى بأن الدول يجب أن تقوم على الإرادة الحرة لشعوبها، فقد كتب الرئيس الأمريكى روزفلت إلى رئيس وزراء فرنسا فى 15 يونيو عام 1940 يخبره فيه "أن الولايات المتحدة لن تعترف بأية محاولة تهدف للنيل بالقوة من الاستقلال أو الوحدة الإقليمية لفرنسا".

خاتمة

إن التجربة السابقة لجنوب أفريقيا العنصرية، تجعلنا نجزم بأن ما من حق يضيع وراءه مطالب, وأن من سار على الدرب وصل, وأن الصبر يولد الظفر, ومن جد وجد.
أما إسرائيل, الدولة التى لم تسبقها أية دولة فى الانتهاكات الجسيمة للأعراف والمبادئ والقواعد الدولية, وأصبح قادتها السياسيين والعسكريون هم أكثر الإفراد الملاحقين جنائيا فى العديد من المحاكم الأمريكية والأوروبية وغيرها, فعليها أن تدرك أن لكل شمس مغربا, وأن دولة الظلم ساعة ودولة الحق حتى قيام الساعة.