.
.
.
.

اغتيال بلعيد.. لحظة فارقة في مسار الثورة التونسية

"من فتح قصر قرطاج ومقرات حزبه لاستقبال هؤلاء هو المسؤول الأول عن اغتيال بلعيد"

نشر في: آخر تحديث:


استفاق التونسيون صبيحة يوم الأربعاء، 6 فبراير/شباط 2013، على حادثة لم يسبق أن تعودوا عليها. تمثلت في اغتيال زعيم حزب الديمقراطيين الوطنيين، المحامي شكري بلعيد. ما أحدث وضعاً شبهه البعض بـ"التسونامي".

سياقات اغتيال بلعيد

فعلى المستوي المجتمعي، خلفت الواقعة حالة من الحزن الممزوج بالصدمة، وكذلك الخوف من الانزلاق نحو العنف السياسي، الذي يمثل مقدمة للحرب الأهلية، التي تجد في الانقسام المجتمعي والاستقطاب السياسي، إضافة الى غياب الاستقرار الأمني المقترن بانتشار السلاح، ووصوله الى الجماعات الدينية المتشددة بيئة خصبة ومشجعة، وهو ما ثار بقوة الحديث عنه بعد ضبط كميات منه في ديسمبر الماضي.

أما على المستوى السياسي، فإن اغتيال بلعيد، ساهم في مزيد من تعميق العزلة السياسية والاجتماعية، لحزب النهضة الإسلامي الحاكم. حيث تم تحميلهم "المسؤولية السياسية والأخلاقية" لهذا الاغتيال. نتيجة ما اعتبر تواطؤاً مع التيارات السلفية المتشددة.

لحظة فارقة وخارطة جديدة

هذا الاغتيال سيكون "لحظة فارقة"، في مسار الانتقال الديمقراطي، بعد ثورة 14 يناير 2011، وستكون له تداعياته وتبعاته على مستقبل المشهد السياسي والاجتماعي في تونس، كما سيعيد توزيع الأوراق داخل الخارطة الحزبية، وخاصة المعارضة الديمقراطية، التي بدأت تتوحد منذ فترة، في محاولة لتجاوز حالة التشتت، التي كانت أحد العوامل المفسرة لفوز الإسلاميين، في الانتخابات الفارطة.

كما أنه أحدث هزة تنظيمية في صفوف حزب النهضة الإسلامي. تمثلت في تنامي الصراع وبروزه للعلن، بين صقوره وحمائمه، الجناح المتشدد بزعامة رئيس الحركة راشد الغنوشي، والجناح المعتدل بقيادة الأمين العام للحركة ورئيس الحكومة حمادي الجبالي، الذي بادر وفي خطوة اعتبرت "شجاعة"، وبدون استشارة حزبه على إقرار تكوين حكومة "تكنوقراط". في خلاف صريح مع "المرشد" راشد الغنوشي، الذي سبق أن دعا لحكومة "وحدة وطنية" على أرضية سياسية، ما يبرز أن اغتيال شكري بلعيد، قد أحدث زلزالا قد يعجل بخروج "الإسلاميين/ النهضة" من سدة الحكم، وربما يكون إيذانا صريحا عن حصول طلاق بالثلاث بين الجبالي والغنوشي، بين ما الصقور والحمائم. فما هي تداعيات قرار الجبالي على النهضة؟ وما هي حظوظ نجاح مثل هذه المبادرة، في مشهد سياسي وأمني مفتوح على كل السيناريوهات؟

بالعودة إلى حادثة الاغتيال السياسي، للمناضل اليساري شكري بلعيد. تجدر الإشارة الى أنه يعتبر من أشد خصوم الإسلاميين سياسيا وإيديولوجيا، كما أنه برز من خلال قيادته لعدد من الحركات الاحتجاجية التي عرفتها عدة مناطق ومحافظات تونسية، منذ وصول حزب النهضة الإسلامي للحكم، وبتبنيه لخطاب جعل خصومه يتهمونه بالكفر، ويدعون صراحة الى قتله، في ظل عدم اكتراث حكومي، وهذا ما يفسر ترجيح ضلوع جماعات متشددة وراء اغتياله وتصفيته الجسدية في مشهد غير مسبوق، وغير متعارف عليه في الثقافة المجتمعية التونسية، التي تتميز سوسيولوجيا بكونها مجتمعا منسجما إثنيا ودينيا، وأيضا جغرافيا. وبالتالي تحميل المسؤولية السياسية والأخلاقية للحكومة التي يقودها الإسلاميون، وهناك إجماع على "أن المسؤولية الأهم، سياسيا وأخلاقيا، تعود الى مناخ التسامح والتساهل مع العنف السياسي والتي بدت بواكيرها منذ أكثر من سنة".

ومع ذلك، فإن كارثية المشهد جعلت الجميع يتريث ويتجنب تحميل المسؤولية، أو الاتهام الصريح لهذا الطرف أو ذاك، ويفسر هذا بكون كل القوى المدنية والأحزاب السياسية ما زالت تحت وقع "الصدمة" من جهة، إضافة لإدراكها الجيد لـ"وقع" و"تداعيات" ما حصل من جهة ثانية، وقد ظهر شبه إجماع لدى قادة المعارضة، على توجيه أصابع الاتهام إلى "كل من برر العنف، ومن استقبل واستضاف من يمارس العنف". محملين النهضة مسؤولية ما حصل، مثلما أكدت على ذلك جل قيادات ورموز المعارضة الديمقراطية.

اتهامات متبادلة.. ومستمرة

ونجد في تصريحات المعارضة والقوى المدنية، إشارة إلى ما يسمى "برابطات حماية الثورة"، التي تقول المعارضة إنها "محسوبة على حركة النهضة الحاكمة"، والتي تورطت خلال الفترة الأخيرة في أعمال عنف واعتداءات على اجتماعات ومقرات لأحزاب المعارضة، لعل آخرها اجتماع لحزب (الوطد) الذي يتزعمه شكري بلعيد، ما يعني أن المعارضة تقر لا بمسؤولية الحكومة فقط، وإنما بتورطها. الأمر الذي جعل أحزاب المعارضة الديمقراطية، تدعوا إلى "استقالة الحكومة"، والى إضراب عام، وتعليق عضوية نواب المعارضة في التأسيسي وتعطيل أشغاله، يأتي موقف المعارضة هذا في سياق اتهامها السابق والمتكرر لحركة النهضة الاسلامية الحاكمة، "بالتساهل مع الجماعات العنيفة، وتحديدا روابط حماية الثورة"، وفي هذا الاطار قال العديد من رموز المعارضة أن "من فتح قصر قرطاج ومقرات حزبه لاستقبال هؤلاء هو المسؤول الأول عن اغتيال بلعيد". والمقصود هنا، كل من رئيس الدولة المنصف المرزوقي وراشد الغنوشي رئيس حركة النهضة، اللذان استقبلا وفود عما يسمى "برابطة حماية الثورة" و أخري عن التيارات السلفية المتشددة. وبالتالي فان "الاتهامات الأولى" لاغتيال شكري بلعيد وجهت للاسلاميين. سواء النهضة أو بقية مكونات الساحة الاسلامية وخاصة التيار السلفي المتشدد، وهذا ما نفته الحركة في تصريحات قادتها و رئيسها.

وفي أول تصريح له عقب عملية الاغتيال رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي أكد أن "جهات إجرامية ذات علاقة بالنظام السابق في الداخل والخارج تقف ورائها"، وقال إنها "هي المستفيدة الأولى من جريمة قتل شكري بلعيد من أجل ضرب الاستقرار والتحول الديمقراطي و التنمية والسياحة والاستثمار في البلاد وتأجيل الانتخابات" . واعتبر الغنوشي، " أن توجيه التهم المجانية ضد النهضة بلا دليل هو من قبيل العبث و التهديد للتضامن والوحدة الوطنية، مذكّرا بعمليتي الاغتيال اللتين طالتا اثنين من الدعاة المنتسبين إلى جماعة الدعوة والتبليغ" رغم أنها اغتيالات لم تكن ذات طبيعة سياسية.

يذكرأن الغنوشي، كان صرح أيضا بضرورة إلغاء التحوير الوزاري المبرمج، والاستعادة عنه بتشكيل حكومة "وحدة وطنية". وهو ما يدل على أن حادثة الاغتيال، كان لها صدى في مونبليزير(مقر النهضة). ما جعلها تسارع بالدعوة لحكومة وطنية، في محاولة لمحاصرة الذي وقع عليها، ثم البروز في موقع المتفهم والساعي لتجنب دخول البلاد في "فتنة" تأتي على الجميع بالوبال، وخاصة الاسلاميين وحزبهم –النهضة- الذي يعيش منذ فترة حالة عزلة سياسية". كشفت عنها ما أصبح يعرف "بأزمة التحوير الوزاري"، والذي كشف عن عجز النهضة في توسيع "القاعدة السياسية للحكم"، في تزامن مع توسع انتشار حزب "نداء تونس"، الذي تحول الى بديل سياسي لدى قطاع واسع من التونسيين بشكل محل اعتبار.

كما ساهم ضعف أداء الاسلاميون في السلطة، بسبب افتقادهم للتجربة والكفاءة، والإصرار على السيطرة والهيمنة على مفاصل السلطة، ومحاولة تحويل النمط المجتمعى الحداثي، في تخويف النخب والاحزاب وقطاعات شعبية واسعة منهم. ما ساعد على تفجير التناقضات "النائمة" في داخلهم. بين تيار سلفي متشدد واخر يتبنى اسلاما تونسيا معتدلا، لا يتعارض مع مكاسب وثقافة المجتمع التونسي كما اسست لها الدولة الوطنية الحديثة.

عنف السلفيين وتسامح النهضة

إن ما تقوم به الجماعات السلفية من عنف، في ظل "تسامح" من حزب النهضة الحاكم. أصبح يهدد المكاسب التي يفتخر بها كل التونسيين، على تباين منطلقاتهم الفكرية والعقائدية. والمتمثلة بالخصوص في الحفاظ على سلمية ومدنية الصراع السياسي. وعدم الانحراف الى العنف لحسم الصراع والتنافس بين الفرقاء. وخاصة في هذا الظرف الدقيق من الانتقال والحراك الديمقراطي. الذي من أبرز سيماته تواصل ما يعرف ب "الاحتقان السياسي والاجتماعي". كما أن عدم التعاطي الجدى مع ما يقوم به المنتسبين للتيار السلفي، من اعتداء على الحريات الفردية والجماعية، جعلهم يتصورون كما لو أنهم فوق القانون، وهي مقدمات تقف تونس اليوم عند أولى نتائجها، من خلال الانزلاق نحو العنف السياسي المنظم والممنهج.

ويذكر أن مجموعات سلفية قد سبق لها وأن مارست "العنف المسلح" بعد الثورة، ولعل أخرها "حادثة بئر علي بن خليفة" في بداية تولي الحكومة الحالية، والتي اضطرت معها الى مجابهتهم بقوة السلاح، وقد أعادت تلك "الواقعة" حينها للأذهان وقائع مشابهة منها واقعة "الروحية" في ماي 2011 - قتل فيها ثلاثة عسكريين-، وقبلها أحداث سليمان سنة 2008، والتي عرفت مواجهات عنيفة بين الأمن والمتطرفين استمرت أكثر من أسبوع. وهي مناسبات استعمل فيها السلاح من قبل مجموعات سلفية، على صلة فكرية وتنظيمية، بتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي.

كما أن الزلزال السياسي والمجتمعي، الذي خلفه اغتيال شكري بلعيد، قد عجل بفك الارتباط بين رئيس الحكومة حمادي الجبالي وقيادة الحركة المتشددة، وبرز ذلك في اعلان الجبالى وبصفة منفردة، ودون أن يستشير الغنوشي، عن حل حكومته والاستعاضة عنها بحكومة كفاءات مصغرة وغير حزبية. بل أن الخبر نزل كالصاعقة على جماعة النهضة، التي أعلنت بعد اجتماعات ماراثونية عن رفضها لدعوة رئيس الوزراء حمادي الجبالي تشكيل حكومة تكنوقراط، ثم أعلن قيادي منها عبر قناة العربية استمرار التردد وحسم الموقف في 8 فبراير، رغم ما سبق أن أكده المنسق العام لحركة النهضة، عبد الحميد الجلاصي " أن حركة النهضة غير موافقة على الموقف الذي اتخذه رئيس الوزراء حمادي الجبالي، مساء الأربعاء، والمتمثل في حل الحكومة وتشكيل حكومة كفاءات وطنية للخروج من الوضع المأزقي الحالي".

وقال الجلاصي "من حيث التصور الحركة ترى أن البلاد مازالت في حاجة إلى حكومة تضم شخصيات سياسية وائتلافية تحظى بدورها بقاعدة سياسية".
وأضاف "بصفة أولية سوف نرجع إلى الترويكا، خاصة أننا تقدمنا في الحوارات خلال الأسابيع الفارطة مع شركائنا". ونفى علم الحركة بقرار رئيس حمادي الجبالي الذي أعلن عنه الأربعاء، ما يعني تأكد القطيعة بين الجبالي وقيادة الحركة.

ويري أغلب المحللين، أن ما أقدم عليه الجبالي، يرتقي إلى درجة "الانقلاب السياسي" بما أنه أخرج التشكيلة الحكومية المرتقبة عن دائرة المحاصصة الحزبية، وأزاح في ذات الوقت حركة النهضة الإسلامية عن الممارسة الفعلية للحكم" ويرجح البعض أن مراهنة الجبالي ستكون خلال المرحلة القادمة متوقفة على دعم ومساندة الشارع. الذي أصبح ينظر له شعبيا وأيضا سياسيا "كرجل براغماتي" و"كرجل انفتاح". هذا ما جعل كلا من حزبي "التكتل" و "الجمهوري" (أحزاب دمقراطية /علمانية) يعبران عن مساندتهم للحبالي، وهي مساندة عبر عنها أيضا، وان بشكل "محتشم" رئيس الوزراء السابق ورئيس حزب "نداء تونس" الباجي قائد السبسي، الذي أوضح أن المسألة تبقى في حاجة للتشاور مع حلفائه. وبالتالي فإن السبسي، لم يغلق الباب أمام التفاعل مع مقترح الجبالي. خصوصا وأنه أكد بالمناسبة على الحوار الجدي الذي جمعه بالرئيس المرزوقي، الذي وصفه بأنه "رجل مسؤول" ما يشير إلى بداية تحول في مواقف السبسي. ولا يستبعد أن يكون مثل هذا التصريح اللافت للسبسي، غير بعيد عن التسريبات التي تشير إلى حصول تفاهمات بين المرزوقي وبن جعفر، في مسعى إلى إمكانية وجود ضوء أخضر، قد يكون أعطي للجبالي قبل الإعلان عن مبادرته.

بعد حادثة اغتيال شكري بلعيد، بدأ الحديث عن الدعوة الى مؤتمر وطني للانقاذ، وأنه لا يمكن الاستمرار في المسار السياسي الذي سبق واقعة الاغتيال. والذي تميز بهيمنة النهضة الاسلامية على الحكم، في منحى نحو اعادة انتاج دكتاتورية الحزب الحاكم، اذ طغى على أداء النهضة في الحكم، البعد الحزبي، وبرز جليا بأن إرادة الهيمنة التي تتخبأ وراء منطق الأغلبية هي المسيطرة والموجهة للفعل السياسي النهضوي. وهذا ما يكشف عن نقص في الخبرة السياسية وكذلك عدم توفر الإسلاميين على أدبيات في السياسة ومنهج الحكم، تكون الموجه أو المرجع لأدائهم السياسي وطبيعة المرحلة، التي تفرض فتح مجال المشاركة السياسية في إدارة المرحلة والانفتاح على أوسع نطاق من الفعاليات السياسية.

فالشرعية الانتخابية لا يمكن أن تكرس هيمنة الأغلبية، فالديمقراطية الحديثة لا تهمش دور الأقلية التي هي بدورها مدعوة الى التعالي عن خلافاتها والالتقاء ضمن تحالف جبهوي للحد من "زيغ" الأغلبية وتقديم البدائل.


إعداد: منذربالضيافي، باحث وصحافي تونسي.