.
.
.
.

تغيرت الوجوه واستمر السلوك

محمد المنيف

نشر في: آخر تحديث:

سلوك الفرد وتأثره بثقافة المجتمع سوى إن كانت قد خضعت للتوجيه أم أنها مكتسبه بتراكم السنوات، يصعب نزعها أو توجيهها في فترة قصيرة حتى وأن كان بفعل الثورات أو بردود أفعال غاضبة، فالسلوك الحسن ناتج عن ثقافة راقية والممارسات الخاطئة تعكس مدى انحراف السلوك عن وضعه الطبيعي.

الذي يعيش المشهد الليبي بالذاكرة القريبة والبعيدة وتتبعه الجيد للأحداث وتصرفات الأفراد والجماعات وما يبرز من حقائق من حين لآخر يجد نفسه امام حالة من انحراف خطير للسلوك يصعب تقييمه وإخضاعه للمنطق والعقل والقياس ايضاً. فالدهشة والاستغراب مسيطرة على أغلب عقول العامة من الليبيين البسطاء الذين يجدون في المقارنة متنفس بما كان يحدث في عهد النظام السابق الذي دام اكثر من اربعين سنة وأكد ثقافات وسلوك يغلب عليها طابع التوجيه والإجبار في كثير من الاحيان، لعلهم يجدوا فيها مبررا لما يحدث.

لقد غابت الوجوه التي كانت مسيطرة على مفاصل الدولة وتدير دواليبها وساهمت بشكل أو آخر في صنع وتوجيه سلوك الأفراد دون إدراكهم، والمتهمة ايضا بأنها أطالت عمر النظام الذي يوصف بأنه شمولي وغير ديمقراطي بعد انهياره، وظهرت وجوه وشخصيات جديدة لم يعرفها الليبيين الا من خلال وسائل الإعلام أو حملها للسلاح بعد انتهاء المعارك، فساد الاعتقاد على أنها ستغير السلوك وترسي ثقافة جديدة تعتمد مبدأ المصالحة والحوار وإرساء قواعد العدل والمساواة ومعالجة نتائج السلوك والممارسات القديمة.

لو استبعدنا ذلك السلوك وتلك الممارسات التي حدثت منذ 69 وحتى قيام ثورة 17 فبراير الناتجة عن الصراع على السلطة -معادلة البقاء للأقوى- بين النظام السابق الذي ادعى انه حصل على شرعيته بالثورة، والقوى الأخرى التي حاولت انتزاع السلطة منه، وما نتج عنها سلوكا منحرفا مارسه الطرف المنتصر على الطرف المهزوم تمثل في معاقبة الخصوم بالسجن والتعذيب والإعدام والنفي وغيرها.

واستثنينا ايضا ذلك السلوك والممارسات التي برزت اثناء المواجهة الشرسة بين كتائب النظام والثوار اثناء المعارك، وما صاحبها من قسوة المحارب وغضب المنتقم، باعتباره سلوك استثنائي عادة ما يصاحب الثورات والانتفاضات الشعبية الغير منظمة، وبالذات عندما يغيب احد اركان الدولة.

وركزنا على السلوكيات التي حدثت وتحدث بعد عملية التحرير وإلى يومنا هذا، من أفراد وجماعات حملوا السلاح وادعوا انهم هم الثوار الحقيقيين وما نتج عن تلك الممارسات من تخريب متعمد لإمكانيات الدولة المادية واستهداف المؤسسات والمشاريع والمرافق العامة بالسرقة والنهب والسطو والدمار الذي لم يكن له شبيه -الا عند اجتياح المغول لمدينة بغداد- فطال بذلك حتى المشاريع العمرانية ومقار الشركات الأجنبية، وحرق وتخريب لمعسكرات الجيش والاستيلاء على الأسلحة والذخائر ومراكز الشرطة واقتحامات واسعة للممتلكات الخاصة من عقارات ومزارع سيارات. وما اعقبها من اغتيالات وخطف وانتهاك للأعراض والسجن خارج مؤسسات الدولة وبشاعة التعذيب والقهر المادي والمعنوى.

بالإضافة إلى السلوك السياسي الذي تمارسه الوجوه الجديدة التي أدعت أنها تفاعلت مع الثورة وناضلت من أجل الشعب الليبي لسنوات طويلة، والتي أكدت قدرتها على احداث التغيير الايجابي في المجتمع فتصدرت المشهد السياسي والاجتماعي والديني، لتمارس منذ الوهلة الأولى الانانية المفرطة وفرض الآراء بالقوة وإتباع أساليب التخوين والتشويه والإبعاد والإقصاء وسن القوانين التي تقصي الأخر وتبعده عن المشاركة في بناء الوطن (قانون هيئة النزاهة والوطنية وفرض قانون العزل السياسي) وغيرها من الممارسات المتعمدة.

اننا امام حالة من عدم الرضى وصعوبة الاختيار بين سلوك الماضي المرفوض والحاضر الذي لا يبني دولة ولا يقيم اساس لعقد اجتماعي (دستور)... يتساءل البعض، هل يسمح الليبيين مرة آخرى بأن يكونوا تحت رحمة سلوك وممارسات منحرفة تكرس لثقافة جديدة هذا مدخلها! وقد تستمر لسنوات عديدة. التحدي الذي مازال قائما يفرض على كل اطياف المجتمع الخروج والدفاع عن ثقافتهم النابعة من دينهم الحنيف وشريعتهم الوسطية وعاداتهم الاجتماعية العريقة التي لا تعرف للفتنة والكره والبغضاء والتطرف سبيلا، وحتى لا تسمح للخارجين عن القانون بفرض ثقافة الغابة في ليبيا.

* نقلا عن "الوطن" الليبية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.