.
.
.
.

مقارنة بين دستور مصر ومشروع الدستور التونسي

نشر في: آخر تحديث:

بعد الحراك السياسي الذي عاشته كل من تونس ومصر، و أدّى إلى التخلي نهائيا عن الرؤساء زين العابدين بن علي ومحمد حسني مبارك، برزت حاجة ملحّة في كلا البلدين ترمي إلى ضرورة وضع دستور جديد، يلبّي ما اعتبره البعض مطالب الثورة ويؤدّي في نظر البعض الآخر إلى التّأسيس لنظام ديمقراطي.


ولئن اختلفت الأساليب في كلا البلدين إلا أنه يمكن القول أنه أصبح لدى المصريين دستور جديد في حين اكتفى التونسيون بمعاينة ما أصدره المجلس التأسيسي التونسي بموقعه الإليكتروني بما سمّاه مسوّدة مشروع الدستور .


وبذلك يتّضح، على مستوى التوقيت، وجود مفارقة. فالدّولة التي كانت سبّاقة في حراكها السّياسي (تونس) كانت متأخرة على الدولة التي تبعتها في هذا الحراك (مصر). وإذا جاز اليوم الحديث عن دستور جديد في مصر فإن الأمر سابق لأوانه بالنسبة للمثال التونسي. ومن هنا وجب التنبيه إلى أن المقارنة سوف لن تتمّ بين نصّين قانونيين وإنما بين نصّ قانوني (الدستور المصري) ونصّ لم يرتقي بعد إلى نصّ قانوني (مسوّدة مشروع الدستور التونسي).

لا يخفى أن فكرة الدستور تبقى غريبة عن الثقافة السياسية للدّول الناطقة باللّغة العربية، ولكن عندما شعر حكّام هذه الدول أنه لا مفرّ من إيجاد دساتير في منظومتها القانونية، فإنه عوض أن تستبطن فكرة الدستور كما ظهرت في الدول الديمقراطية، فإنها حاولت أن تطوّع نصّ الدّستور لخدمة الثقافة السّائدة ، لذلك لم ينجح الدستور في هذه الرّبوع مثلما نجح في الدول الأخرى.


إنك بقراءة نصّ الدستور في الدول الديمقراطية والتي عاشت شعوبها محنا لا تقارن أحيانا بما عاشته شعوبنا (اليابان، ألمانيا الإتحادية، إفريقيا الجنوبية...) تجد احتراما واضحا لقواعد صياغة الدستور، إن الدستور هو نص قانوني متميّز. فإلى جانب ضرورة تعلّقه بمسألتي الحقوق والحريات وتنظيم السّلط فإن تحريره يخضع إلى قواعد علمية متنوعة كالتّبويب و الدّقة والإقتضاب والوضوح و المرونة... والتي يمكن اختزالها في مصطلح الصّياغة.


وعلى مستوى آخر وجب التنبيه إلى أن صياغة القاعدة الدستورية تختلف عن صياغة القواعد القانونية الأخرى(القانون الصادر عن السّلطة التشريعية، اللّوائح، المراسيم، ...) ولكن كذلك وخصوصا عن النّصوص الأدبية و القصصية والفلسفية.


ومع ذلك فإنه بدراسة النّص الدستوري في الدول العربية نجد أنه يصطبغ بالأسلوب الإنشائي و العاطفة الجيّاشة و النّرجسية والتّكرار علاوة على وجود نسبة هامة من القواعد ذات المضمون غير الدستوري أو التي يكون مكانها الطّبيعي في النّصوص القانونية الأخرى الصّادرة عن السّلط المؤسّسة. ويستدعي دراسة مسوّدة مشروع الدستور التونسي و الدستورالمصري استخراج خصوصياتهما سواء على مستوى الشّكل (I ) أو المضمون (II).


I- الشّكل:

تجد شكل نصّ الدستور المصري وشكل نصّ مسوّدة مشروع الدستور التونسي يتركّب من مقدّمة تحمل عنوان ديباجة في مصر وتوطئة في تونس. ثم تجد النّص ينقسم إلى أبواب يحتوي أساسا على مواد في الدستور المصري وفصول في المثال التونسي.

§1- التّوطئة أو الدّيباجة:

عادة ما يتقدم طالع وثيقة الدستور نصّ سمّي في المثال التونسي توطئة وفي المثال المصري ديباجة.


لكن وجب التذكير أن التوطئة غير ضرورية بالنسبة للدّستور. لذلك تجد دستورا دون توطئة (إيطاليا، هولندة، بلجيكا، اليونان،...) أما توطئة الدستور في باقي الدول الديمقراطية تجدها تتميّز بالإقتضاب (8 أسطر في البرتغال أو8 أسطر في أسبانيا ) أو مقتضبة إلى أبعد الحدود (جملة وحيدة في الولايات المتحدة). وعادة ما تقتصر التوطئة على ردّ فعل على الماضي (استبداد، فساد، استعمار...) ورسالة للمستقبل(بناء نظام ديمقراطي).


ولكن بمعاينة النّصين المصري والتونسي نلاحظ أن محرّري التوطئة أمطرونا بوابل من الأسطر بلغ عددها بأربع وعشرين في تونس و خمسين بالنسبة لمصر.
ويعود ذلك بالأساس إلى اعتماد أسلوب خطابي سقط في التّكرار الذي وصل إلى حدّ ما يمكن تسميته بالثّرثرة. ولا يتعلّق الأمر بتكرار نفس المصطلحات (شعب، حضارة، حرية، عربية..) وإنما يشمل المعاني كأن تقول في مرحلة أولى "التحرّر من الإستبداد" ثم تضيف في فقرة أخرى "القطع النهائي مع الظلم والفساد والحيف...).


يضاف إلى ذلك استعمال عبارات تعدّ، بمنظار قانوني، غريبة. منها ما يعكس نرجسية واضحة. كأن تجد في المشروع التونسي صيغة " نحن أعضاء المجلس...المنتخبين باستحقاق...) أو في الدستور المصري صيغة "استعدنا حضارتنا العظيمة...فأقمنا أعرق دولة...".


أما العبارات الأخرى المستعملة فهي تتميّز بغياب أي مدلول قانوني لها. كأن تستعمل في المشروع التونسي عبارات ملحمة، شهداء، استلهام، رفق،..أو في الدستور المصري عبارات ميدان التحرير، تاريخ زاهر، قدّمت للعالم أوّل أبجديات الكتابة، شامخ، عبقرية...

§2- الأبواب:
تضمّن الدستور المصري خمسة أبواب في حين تضمّن المشروع التونسي تسعة أبواب كاملة .


ويمكن على هذا المستوى إبداء الملحوظات التالية:
- يعتبر التمشي المتبع في مصر الأقرب إلى التقسيمات المعتمدة طبقا للمعايير الدّولية.
- تخصيص النّص التونسي لكل سلطة بباب. في حين وضعت كل السلطات تحت عنوان باب واحد في الدستور المصري.
- عنوان باب السّلطة المحلّية في المثال التونسي يوحي بأن الدّستور كرّس النظام الفدرالي للدّولة والحال وأن الشّكل المتبّع لم يخرج مثله مثل المثل المصري على شكل الدولة البسيطة.
-عدم وجود انسجام في عناوين تفريعات الأبواب في النّص التونسي. إذ طورا يقسّم الباب إلى أقسام وهو حال الباب الرّابع (السلطة التنفيذية) وتارة يقسّم الباب إلى عناوين وهو حال الباب الخامس (السلطة القضائية). بينما وقع تقسيم الباب في الدستور المصري إلى فصول ثم إلى فروع.

§3- الفصول أو المواد:
اختار الدستور المصري التّرقيم الذي يحمل عنوان: المادّة" في حين فضّل المثال التونسي أن يحمل الترقيم عنوان " الفصل".
ولئن يعتبر الدستور المصري من فئة الدساتير المطوّلة فنجده يتكون من 236 مادّة، فإن النّص التونسي يعد من فئة النصوص المتوسطة بما أنه يتكون من 149 فصلا وهي منزلة بين النصوص المطوّلة (أكثر من 150 فصلا) والدساتير المقتضبة أقل من مائة فصلا) .
وقد كان بالإمكان، لو وقعت مراعاة قواعد الصّياغة، أن يكون عدد الفصول والمواد أقل من مائة فصلا أو مادة. كما تأثر تعدّد الفصول وتضخمّها خاصّة بالمضمون الذي أريد تكريسه.

II- المضمون: بين المضمون غير الدستوري والمضمون الدستوري

عادة ما ينحصر الدّستور في المضامين ذات البعد الدستوري أي في السلطة وفي الحقوق والحرّيات. ولكن قد تجد في نصّ الدّستور مضامين لا علاقة لها بهذين المحورين. وفي هذه الحالة نصبح أمام مضامين غير دستورية بل إنّ بعض المضامين يمكن أن تهدّد فكرة الدّستور.

§1- المضامين غير الدّستورية

يمكن حصر المضمون غير الدستوري في العبارات التي لا مدلول قانوني لها أو في المضامين المصطبغة بالطابع الدّيني أو العسكري أو أخيرا في المضامين التي يكون القانون أو المصادر القانونية الأخرى المجال الطبيعي لها.
ويتوفّر هذا المضمون بشكل لافت للإنتباه في الدستور المصري أكثر من مسوّدة مشروع الدستور التونسي.
إذ تجد في الدّستور المصري أثرا لهذا المضمون سواء في ديباجة الدستور ( حضارة عظيمة، تاريخ زاهر، أعرق دولة، ريادة مصر الفكرية والثقافية... ) أو كذلك في بقية الفصول وخاصة في الباب الأول الذي يحمل عنوان مقومات الدولة والمجتمع. وتعد أغلبها مضامين اجتماعية( الأسرة أساس المجتمع قوامها الدّين والأخلاق و الوطنية، خدمات الأمومة، الرّتب المدنية، السّجن دار تأديب وتهذيب و إصلاح...) واقتصادية(ربط الأجر بالإنتاج، تقريب الفوارق، الزراعة مقوّم أساسي، أصناف نباتية، تنمية الرّيف، الصّناعة، ترعى الدولة التعاونيات، تتشّجع الدّولة الإدّخار...) وأخلاقية(ترسيخ قيم الأخلاق، ترعى الدولة الأخلاق والآداب...).

إنّ بروز فكرة الدستور، إلتصق، في الدولة الديمقراطية، بحماية الحقوق والحريات وتنظيم السّلط بشكل يمنع التسلّط والإستبداد. لذا يتّجه التّنبيه أن الدّولة المدنية تبقى في النّصين التونسي والمصري مهدّدة. ويعود ذلك بالأساس إلى إضفاء مرجعية دينية على القاعدة الدّستورية.
وهو ما نلمسه في المثال التونسي ولكن خاصة في المثال المصري .
على أن تهديد الصّبغة المدنية للدولة قد يجد مبرراته في بعض الفصول أو المواد المتعلقة بالأمن والدفاع. إذ تجد أن كلا من النّصين التونسي والمصري قد وضعا الأمن والدفاع في نفس مقام بقية السّلط التقليدية (التشريعية والتنفيذية والقضائية). فخصّص له النّص التونسي القسم الثالث من الباب الرابع. أما الدستور المصري فقد خصّص له الفصل الخامس من الباب الثالث.
واشترطت المادة 195 من الدستور المصري أن يكون "وزير الدفاع وهو القائد العام للقوات المسلحة من بين ضبّاطها.".
أما النّص التّونسي فقد أكّد في الفصل 96 منه "أن الجيش التونسي قوّة عسكرية مسلّحة (...) يدعم السّلطات المدنية وفق ما سيضبطه قانون الطّوارئ".

وأخيرا نجد في كلّ من النّصين التونسي والمصري مضامين يفترض أن يكون مجالها الطّبيعي في القانون أو في المصادر القانونية الأخرى.
وجب إعفاء الدّستور من الخوض في المسائل التّفصيلية سواء لغياب الجدوى أو لكونها تدخل في مجال القانون أو في مجال النظام الداخلي للغرف البرلمانية. وهو أمر لم يخلو منه سواء النّص التونسي أو النّص المصري . ويمكن في هذا المستوى القول أن ما يفسّر خاصة طول الدستور المصري هو الخوض في هذه المسائل التفصيلية والتي يفترض أن تجد مكانها الطبيعي في المصادر القانونية الأخرى كالقوانين والأنظمة الداخلية للمجالس التشريعية واللّوائح....بل إن الأمر وصل بالدستور المصري إلى التعرض إلى مسائل ظرفية لا علاقة لها بعمومية وديمومة القاعدة الدّستورية .


2§- المضامين الدستورية:
يصعب الحديث في هذا المقال عن كل المسائل وبتدقيق كبير. لكن هذا لا يمنع من التعرض إلى بعضها سواء فيما تعلّق منها بالحقوق والحرّيات أو بتنظيم السّلط.

أ - في الحقوق والحريات:
كرّس الدستور المصري ومسوّدة مشروع الدستور التونسي مختلف الحقوق والحرّيات المدنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية.
الفصول المخصّص لها مجال الحقوق والحريات انطلق في الدستور المصري من المادّة 31 إلى المادّة 81، أي في خمسين فصلا كاملا. أما في تونس فإن مسوّدة المشروع تعرضت إلى هذه الحقوق ابتداءا من الفصل 16 وإلى الفصل 43. أي في 28 فصلا. لكن ممّا يلفت الإنتباه في هذا الشّأن هو عدم تكريس النّصين لكونية حقوق الإنسان. بل إن الفصل 15 من نصّ المسوّدة تضمّن إمكانية استبعاد المعاهدات الدولية التي يراها تتضارب مع أحكام الدستور. وهو ما يغلق الباب أمام تطبيق معاهدات واتفاقيات دولية في تونس بدعوى وأنها تتعارض مع الدستور.
ولكن الأمر المقلق فعلا يتجسد في حدود ممارسة هذه الحقوق والحريات.


فقد تضمنت المادة 81 فقرة أخيرة من الدستور المصري "وتمارس الحقوق والحريات بما لا يتعارض مع المقومات الواردة في باب الدولة والمجتمع". وهو ما يجعل مكانة هذه الحقوق والحريات في مرتبة دنيا بالمقارنة مع الباب الأول من الدستور. إذ يخشى أن يقع منع ممارسة بعض الحقوق والحريات أو تسليط قيود على ممارستها بدعوى مثلا وأنها تتعارض مع "مبادئ الشريعة الإسلامية.".

ب -في تنظيم السّلط والعلاقة بينهما:
عادة ما يتناول النّص الدستوري مسألة تنظيم السّلط على مستويين اثنين: المستوى الأفقي والمستوى العمودي.

*- التنظيم الأفقي للسّلط
و هو المحور الذي يسمح بالمساهمة في تحديد طبيعة النّظام السّياسي . على أن النّظام السياسي يتجاوزهذا المحور. فتحديد طبيعته يرتبط بمحاور أخرى فيها القانوني(كقانون الإنتخابات و قانون الأحزاب السياسية...) وفيها غير القانوني (كالرأي العام وتصرّف الحكام...) لذا كل حديث عن طبيعة النظام السياسي من زاوية السّلط فقط هو طرح مغلوط لأنه وبكل بساطة طرح سابق لأوانه. إن همّ محرّر الدستور يجب أن ينصبّ أساسا على إيجاد الآليات المثلى التي تسمح بتكريس نظام سياسي ديمقراطي ومستقرّ .
يتّجه التعرض إلى السلط التقليدية في الدّولة: التشريعية والتنفيذية والقضائية.

السطة التشريعية:


لم يقع اعتماد نفس التركيبة. فهي وحيدة في تونس وثنائية في مصر.
ورد في الفصل 44 من النّص التونسي" يمارس الشعب السلطة التشريعية بواسطة ممثليه بمجلس الشعب...". ندرك جيدا بعد قراءة هذا الفصل وجود إرادة للقطع مع النظام السّابق ولكن لا يجب أن يتم ذلك على حساب نوعية المصطلحات المستعملة. إن استعمال مصطلح "مجلس الشعب" يطغى عليه نوعا من "الشّعبوية" ولا يعكس الحقيقة. فمن يوجد داخل المجلس ليس بالشعب وإنما هو نائب عنه . علما وأن فصول أخرى من المشروع تستعمل مصطلح "لنوّاب" أو "النّائب" . وفي ذلك انسجام تامّ مع المصطلح الدستوري العادي: "مجلس النّواب".
وقد قطعت مصر نهائيا مع هذه التّسمية إذ تتكوّن السلطة التشريعية، طبق المادة 82 من الدستور الجديد، " من مجلس النواب ومجلس الشورى".
وقد حرص الدستور المصري على أن تكون تركيبة مجلس النواب وخاصة مجلس الشورى مراعية للمستوى التعليمي لأعضائه . وإذا ما أمكن فهم هذا التوجه نظرا لارتفاع نسبة الجهل، وهو شأن أغلب الدول العربية، فإنه يعدّ ضربا من ضروب الإقتراع المقيّد.
و في تونس ولئن استأثر مجلس الشّعب تقريبا بكل الصلاحيات التشريعية فإن الأمر على خلاف ذلك في مصر.
إذ يمارس مجلس النّواب، في النّص المصري، أهمّ الصلاحيات ولكن تبقى الصلاحيات التشريعية مشتركة بينه وبين مجلس الشورى. وهو ما يمكن أن يؤدي إلى حصول خلافات بين المجلسين. غير أن المشرّع الدستوري المصري أعطى كلمة الفصل إلى مجلس النواب .

السلطة التنفيذية:

هل أن الدستور المصري ومشروع مسوّدة الدستور التونسي يضمنان وجود سلطة تنفيذية تساهم في تكريس ديمقراطية النظام السياسي المرتقب وفي استقراره؟
توصّلت بعد الإطّلاع إلى قناعة مفادها أن النصين ولئن تضمّنا مؤشرات تسمح بإيجاد سلطة تنفيذية تساهم في تكريس نظام ديمقراطي (1) إلا أن النص التونسي يشكل خطرا كبيرا على وحدة واستقرار البلاد (2).

1- الديمقراطية تفترض وجود سلطة تنفيذية مشروعة ومسؤولة

- إستقرّ خيار المثالين المصري والتونسي على ثنائية تركيبة السلطة التنفيذية: رئيس جمهورية إلى جانب حكومة يرأسها في تونس رئيس حكومة وفي مصر رئيس مجلس الوزراء.


+ مدى توفر شرط المشروعية؟
رئيس الدولة:
لم يحرص النّصان المصري والتونسي على التخفيض من سن الترشح. إذ بقيت 40 سنة هي السن الدنيا. مع التدقيق أن النص التونسي، وعلى عكس التجارب المقارنة، وضع سنا قصوى حصرها في 75 سنة. وإذا احترم الدّستور المصري، وعلى عكس النص التونسي ، مبدأ المساواة من خلال عدم اشتراطه لدين معين للمترشح إلا أنّه غالى في التدخل في الحياة الخاصّة للمترشح إذ اشترط أن" لا يكون متزوجا من غير مصري" .


وحرصا على الطابع الجدّي للترشحات فقد اشترط النصّان شرط التّزكية. يتولاّه في تونس عدد معين من أعضاء مجلس الشعب، أو رؤساء المجالس البلدية المنتخبة و في مصرعشرون عضوا على الأقل من الأعضاء المنتخبين في مجلسي النواب والشورى أو في كلا المثالين عدد من الناخبين المرسّمين .


ولئن لم يقع في النص التونسي التفكير في الذمّة المالية لرئيس الدولة وهو أمر لا يتناسب و الحوكمة الرّشيدة المنصوص عليها في التّوطئة، فقد تضمّن الدستور المصري مواد هامة في هذا المجال تفرض على الرئيس تقديم ذمته المالية عند توليه المنصب وفي نهاية كل سنة .
ويمارس الرئيس مهامّه لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة وحيدة في تونس وأربع سنوات لا يمكن إعادة انتخابه إلا لمرّة واحدة في مصر.


الحكومة:


تتكون الحكومة في النص المصري من رئيس مجلس الوزراء، رئيسا لها و نوابه والوزراء .أما في النّص التونسي فهي تتكون من رئيس ووزراء وكتاب دولة .


ولئن يتولى رئيس الجمهورية تعيين أعضائها فإن الحكومة تتمتع في النّصين بمشروعية غير مباشرة إذ عليها قبل كل شيء أن تنال ثقة مجلس الشعب في تونس ومجلس النواب في مصر . وإن لم تنجح عملية نيل الثقة يتولى رئيس الجمهورية حلّ الغرفة البرلمانية المعنية .

+ مدى توفر شرط المسؤولية؟
رئيس الدولة:


على عكس النص التونسي فإن رئيس الجمهورية في مصر لا يتمتع بحصانة . ومع ذلك يمكن أن نعتبر أنها للمرّة الثانية في التاريخ الدستوري التونسي الحديث التي يقع فيها إقرار مسؤولية رئيس الدولة . وهو يشكل قطعا مع دستور 1959. إذ أجاز الفصل 85 من مسوّدة مشروع الدستور إمكانية اتهام رئيس الدولة من قبل مجلس الشعب لارتكابه الخيانة العظمى ثم "إحالته على المحكمة الدستورية" التي لا يمكن لها أن تحكم في صورة الإدانة إلا بالعزل. وإذا كان النص التونسي في حاجة إلى إعادة الصّياغة، فإن طرح مسؤولية رئيس الدولة في النّص المصري قد يسمح بالخلط بين المسؤولية القانونية والمسؤولية الجزائية. إذ تقع محاكمته من قبل محكمة خاصة لها أن تسلّط، إن أجاز القانون المنظم لإجراءات التحقيق والمحاكمة، عقوبات جزائية على الرئيس .

رئيس الحكومة:
أقرّ كل من النّصين حقّ كل من مجلس النواب في مصر ومجلس الشعب في تونس إمكانيات متعددة لمراقبة عمل الحكومة قد تنتهي بطرح مسؤوليتها .


وإذا كانت شروط سحب الثقة من الحكومة طبق الدستور المصري مرنة فإن المثال التونسي أدرج شروطا مجحفة يمكن أن تؤدي إلى أزمة دستورية حادّة لا يمكن لرئيس الجمهورية أن يكون حكما فيها بين الحكومة والبرلمان. إذ علاوة على ضرورة انتظار مرور أجل مطول (15 يوما) فإن النّص اشترط تقديم حكومة بديلة. ولا يتناسب هذا التصوّر مع وجود رئيس دولة يمارس صلاحيات فعلية وهامّة.
وإذا كانت الحكومة في كلا المثالين غير مسؤولة أمام رئيس الدولة فإنه يمكن للرئيس، طبق المادة 166 من الدستور المصري، "أن يتهم رئيس مجلس الوزراء أو أحد أعضاء الحكومة، بما قد يقع منهم من جرائم خلال تأدية أعمال مناصبهم أو بسببها".
وإذا كان توزيع الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية في مصر من شأنه أن يضمن، عموما، النّجاعة فإن الأمر يختلف في النّص التونسي الذي يعدّ خطيرا.

2- مشروع خطير يهدّد وحدة واستقرار النظام السياسي

*- سوء توزيع للصّلاحيات
اعتبر الدستور المصري في المادة 132 أن رئيس الدولة هو "رئيس السلطة التنفيذية". ومن شأن هذه المكانة المدعّمة بمجموعة الصلاحيات التي يمارسها أن تحسم أي خلاف يمكن أن يحصل بينه وبين رئيس مجلس الوزراء. يعطي هذا الخيار رئيس الدولة الأولوية داخل هذه السلطة. على أن الدستور المصري لم يطرح صراحة مسؤولية رئيس مجلس الوزراء أمام رئيس الدولة.


أما في النّص التونسي فإن مسألة توزيع الصلاحيات بين رأسي السلطة التنفيذية تبقى أكثر غموضا من جهة وغير منسجمة من جهة أخرى مع بعضها البعض . بما من شأنه أن يجعل إمكانية التّصادم بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة مؤكّدة. يضاف إلى هذه المشاكل اعتبارات أخرى تتعلّق بتضمّن النّص مقترحات عديدة ومتضاربة.
إذ أقرّ الفصل68 من جهة أن "رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة يمثل وحدتها ويضمن استقلالها واستمراريتها" . غير أنه نجد وأنه ليس إلاّ الممثل الأول للدولة(الفصل 71) ويرسم السياسة الخارجية للدولة بالتشاور مع الحكومة(الفصل72) ولا يرأس مجلس الوزراء إلا في المسائل الراجعة بالنظر إليه (الفصل77) ولا يعين إلا في بعض الوظائف. أما رئيس الحكومة فهو يضبط السياسة العامة للدولة ويسهر على تنفيذها، ويرأس مجلس الوزراء، ويمارس السلطة الترتيبية العامة، ويتصرّف في الإدارة ويصدر الأوامر الفردية والترتيبية، ويبرم الإتفاقيات الدولية الفنية (الفصل 86).


وقد غاب على محرّري هذه المسوّدة أنه على السلطة التنفيذية أن تقوم بمهامّها في ظروف حسنة وبسرعة مطلوبة. وبذلك لم يتّعض أعضاء المجلس التأسيسي من تكرار منتوج القانون التأسيسي عدد 6 المؤرخ في 16/12/2011 المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط للفترة الإنتقالية الحالية وما تسبّب فيه من مشاكل وأزمات يومية بين الرّئاستين . ولكن إذا كان من الممكن تفهم ذلك في إطار وضع انتقالي، فإن هذا التصور يبقى غير مقبول في وضع نظام سياسي دائم.


والغريب أنه تمّ حشر المحكمة الدستورية لتفصل في مسائل يفترض حلّها داخل السّلطة التنفيذية .


يكمن الحل بالنسبة للنّص التونسي في ضرورة تمكين رئيس الدولة المنتخب من قبل الشعب مباشرة لمدة قابلة للتجديد مرة وحيدة والمسؤول أمام البرلمان على احترام الدستور والمؤسسات من حسم الخلافات التي قد تحدث بينه وبين رئيس الحكومة. وجب إدراج مسؤولية رئيس الحكومة أمام رئيس الدولة. كل ذلك يتم تحت رقابة البرلمان و في آخر المطاف وجب العودة إلى الشعب وتشريكه في حل الأزمات الدستورية المفترضة.

السّلطة القضائية:
وهو عنوان الباب الخامس في النّص التونسي الذي يشتمل على عنوانين فقط. يتعلق العنوان الأول منه بالقضاء العدلي والإداري والمالي أما العنوان الثاني فهو يتعلق بالمحكمة الدستورية. أما في مصر فإن السلطة القضائية تشكل عنوان الفصل الثالث من الباب الرابع الذي يحمل عنوان السلطة القضائية. وقد احتوى الفصل على عدة فروع. إذ يتركّب الفصل من القضاء العدلي والنيابة العامة(الفرع الثاني) ومجلس الدولة (الفرع الثالث) والمحكمة الدستورية العليا (الفرع الرابع) والهيئات القضائية (الفرع الخامس).


وقد حاول النّصان تقديم ضمانات للسلطة القضائية تتجسّد خاصة في استقلال القضاة وإقرار مبدأ عدم قابلية عزل القاضي وعدم نقلة القاضي بدون رضاه. وقد قام النّص التونسي بتجريم التدخل في شأن القضاة. كما سعى النّصان إلى إعطاء أهمية خاصة للدفاع عن الحقوق والحريات. فاعتبر النص التونسي أن القضاء سلطة مستقلة تسهرعلى (...) حماية الحقوق والحريات(...)". أما الدستور المصري فقد خصّ المحاماة بفرع كامل واعتبرها "مهنة حرة وهي ركن من أركان العدالة، يمارسها المحامي في استقلال (...)".

ولكن تبقى مسألة احترام الدستور هو هاجس الدول الديمقراطية. وقد اختار النصّان العمل بالأنموذج الأوروبي من خلال تخصيص فصول ومواد متعددة بالمحكمة الدستورية. ولئن فضّل النّص المصري البقاء في مستوى التنصيص على المبادئ والعموميات وترك المسائل التفصيلية للقانون فإن النص التونسي خاض في العديد من المسائل التفصيلية.


وإذا اختار النص المصري تركيبة فردية مألوفة للمحكمة (رئيس وعشرة أعضاء) فإن النص التونسي اختار تركيبة زوجية (اثنا عشرة عضوا). وعادة ما تحرج التركيبة الزوجية رئيس المحكمة.


وإذا ترك الدستور المصري للقانون مسألة معالجة ترشيح وطريقة تعيين قضاة المحكمة فإن النّص التونسي حصر سلط الترشيح في السلط الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، مضيفا أن عملية التعيين تتم من خلال انتخاب الأعضاء من طرف مجلس الشعب وبأغلبية الثلثين . وهو أمر خطير إذ يمكن للمجلس أن لا يتفق على أعضاء فتبقى المحكمة بدون أعضاء سواء جزئيا أو كليا.


ولا يمكن للنّص المصري أن يسمح بحذف كل القوانين المخالفة للدستور. فقد حصر من جهة الأطراف التي بإمكانها إخطار المحكمة في رئيس الدولة وفي مجلس النواب على أن يكون ذلك قبل إصدارها . ومنع من جهة أخرى مراقبة دستورية القوانين النافذة. إذ ورد في الفقرة الأخيرة من المادة 177 " ولا تخضع القوانين المشار إليها في الفقرة الأولى للرقابة اللاحقة المنصوص عليها في المادة 175 من الدستور".
وعلى عكس ذلك فإن مراقبة دستورية القوانين في تونس من شأنها أن تساهم في إلغاء كل القوانين النافذة أو المزمع إصدارها وذلك بفضل توسيع دائرة السّلط التي بإمكانها إخطار المحكمة واعتماد كل من الرقابة السابقة والرقابة اللاحقة. ويأخذ هذا الخيار بعين الإعتبار المناخ القانوني السّابق للثورة والذي يتّسم بوجود عدد هام من القوانين المخالفة للدستور.

*- التنظيم العمّودي للسّلط

لا يمكن أن ننسى أن جذور الثورة التونسية تعود إلى تقصير الدولة في الإهتمام بالجهات المحلية وبالتحديد بالمناطق الدّاخلية. فقد اندلعت شرارة الثورة في سيدي بوزيد. لهذا كان لزاما على الدستور الجديد، إن أريد أن يكتب له فعلا النّجاح، توفير الضّمانات الدستورية للجهات حتى يتسنى لها أن تستفيد من التقسيم العادل لثروات الدولة.


وقد تضمن الباب السابع للنص التونسي عنوان "السّلطة المحلّية" وهو عنوان لا ينسجم وشكل الدولة البسيطة. أما الدستور المصري فقد احتوى في الفصل الرابع منه عنوانا ينسجم مع الشكل البسيط للدولة ألا وهو " نظام الإدارة المحلية".


وقد حاول النصان دعم اللامركزية من خلال تقسيم الدولة إلى وحدات ترابية (مصر) أو جماعات محلية (تونس) تتمتع بالشخصية الإعتبارية والإستقلالية المالية والإدارية.

على كل وفي خاتمة هذه الدراسة السّريعة للخيارات الدستورية في مصر وتونس يمكن لنا أن نقول أن الدستور الذي لا يصطفّ في صفّ النّص الحامي للحقوق والحريات والذي يحسن تنظيم السلط لا يوفّر لنفسه فرص النجاح. وإذا تسرّع إخواننا في مصر في المصادقة على دستور لا يحترم أغلب هذه الصّفات الجوهرية فإن تأخير وضع نصّ الدستور التونسي قد يسمح المجال لتدارك النقائص الموجودة. إن نصّ الدستور لا يمكن أن يعكس غلبة شقّ أو حزب أو عرق على آخر. وإنما هو انتصار للإنسان في رقعة جغرافية معينة. إن الحديث عن الخصوصيات لازال يشكّل اليوم العائق الأساسي لفشل الدستور في ربوع الدّول العربية. فهل من تدارك؟

* الدراسة من إعداد الدكتور أمين محفوظ أستاذ محاضر في جامعة سوسة تونس