التقرير الإقليمي: تسليح المعارضة السورية

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
10 دقائق للقراءة

شهدت الساحة الإقليمية خلال الأسبوع الماضي عدداً من التطورات البارزة، منها تشكيل الحكومة الجديدة في تونس بقيادة القيادي في حزب "النهضة" ووزير الداخلية السابق علي العريض. وهي الحكومة التي حصلت على ثقة المجلس التأسيسي بأغلبية مريحة وسط شكوك في قدرتها على إعادة الأمن وإنعاش الاقتصاد التونسي خلال الفترة المقبلة. بالتوازي، كان الجدل اليمني استعداداً لانطلاق جلسات الحوار الوطني يوم الاثنين 18 مارس/أذار الجاري. وهو الحوار الذي تسعى كافة الأطراف الإقليمية والدولية لإنجاحه في محاولة لدفع عجلة الإصلاح السياسي في اليمن المضطرب للأمام خلال الفترة المقبلة.

ومع تلاحق الأحداث في المنطقة، طغت قضيتان رئيسيتان على الساحة الإقليمية، الأولى هي محاولة الجماعات الإسلامية في مصر إنشاء "ميليشيات" مسلحة بالتوازي مع الشرطة، وهي المحاولات التي واجهت اعتراضاً شرساً من قبل مؤسسات الجيش والأمن. والثانية هي الحوار الدولي بشأن تسليح المعارضة السورية خلال الفترة المقبلة، سعياً إلى تغيير توازن القوى وخلخلة حالة "التوازن" الراهنة بين قوى الثورة ونظام بشار الأسد.


هيمنت دعوة الجماعة الإسلامية في مصر لتشكيل ميليشيات لحفظ الأمن على المشهد المصري خلال الأسبوع المنصرم، حيث فجرت محاولات الجهاديين المصريين لصك شرعية المجموعات المسلحة خارج إطار الدولة النقاش بشأن سعي قوى الإسلام السياسي لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة لصالحها في وقت تشهد فيه مصر حالة من الشد والجذب بين كافة أطراف المعادلة السياسية متمثلة في جماعة "الإخوان" وحلفائها من التيار الإسلامي والمعارضة المدنية والمؤسسة العسكرية.

وكان ظهور مجموعات من الجماعة الإسلامية تسير في طرقات محافظة أسيوط بصعيد مصر – والمعروفة بانها احد معاقل الجماعة الرئيسية وبارتفاع نسبة المسيحيين فيها – بمثابة جرس إنذار لمحاولة المجموعات الإسلامية المتشددة إنشاء مؤسسات بديلة للهيمنة على مقاليد الأمور بشكل كامل على الأرض. وهو المشهد الذي اعقب بيان غامض للنائب العام المصري بشأن منح الضبطية القضائية للمواطنين. وهي التصريحات التي اشارت معارضة شديدة من النخبة المدنية.

ولعل كانت نقطة الذروة في الحدث هي خروج طارق الزمر، رئيس المكتب السياسي لحزب "البناء والتنمية" الذراع السياسي للجماعة الإسلامية وأحد المتهمين في عملية اغتيال الرئيس المصري الأسبق انور السادات في 1981، متحدثاً عن قيام الجماعة الإسلامية بنشر اللجان الشعبية في عدد من المحافظات المصرية في مواجهة مؤامرة سحب الشرطة وتفشي ظاهرة البلطجة في الشارع، ملمحاً إلى أن هذه اللجان الشعبية تجيء في سياق دعوات المعارضة المدنية بتدخل الجيش المصري في المشهد السياسي.

ويمكن وضع الميليشيات المسلحة للجماعة الإسلامية في سياق مشهد "عض الأصابع" بين قوى الإسلام السياسي والامن و المؤسسة العسكرية والمعارضة المدنية.

فقد شهد الجهاز الأمني المصري موجة من الإضرابات – في واقعة فريدة من نوعها – احتجاجاً على سياسات وزير الداخلية الجديد محمد إبراهيم ودفعه لقوات الأمن في مواجهة المتظاهرين. وطالب ضباط الشرطة وعناصر الأمن المضربين – الذين قاموا بالفعل بغلق عشرات من مراكز الشرطة عبر المحافظات المصرية – بإقالة وزير الداخلية واعادة تسليحهم مما يؤهلهم لمواجهة المجرمين المحترفين وتوفير الحماية لهم.

وفي جزء اخر من المشهد، اقدم المئات من سكان محافظة بورسعيد وعدد من المحافظات بتوكيل وزير الدفاع الحالي عبد الفتاح السيسي بإدارة شئون البلاد بدلاً من محمد مرسي وتبعها تظاهرات مؤيدة للجيش كان اخرها يوم الجمعة 15 مارس في القاهرة. وهي الوضعية التي اثارت قلق القوى الإسلامية من إمكانية تكرار السيناريو الجزائري وقيام المؤسسة العسكرية بإنقلاب يقصي التيار الإسلامي عن السلطة. وتحدثت وقتها عدد من الصحف الامريكية والغربية عن ظهور حل الإنقلاب العسكري كحل نهائي في حال انتشار الفوضى في مصر وانفلات الأمور من الرئيس الحالي وجماعة الإخوان المسلمين.

وتوازى اضراب الشرطة وانتشار الدعوات للإنقلاب العسكري مع تأكيد المعارضة المدنية على ثقتها في وطنية المؤسسة العسكرية، مما اعتبره البعض عهد مصالحة بين القوى المدنية المصرية والجيش بعد مرحلة من القطيعة والخصومة دامت خلال اغلب فترات تولي المجلس العسكري لمقاليد الأمور لنحو عام ونصف عقب ثورة 25 يناير 2011.

هذا المشهد المعقد، دفع بالمؤسسة العسكرية للحديث صراحة عن أنها لن تسمح بتهديد أمن الدولة، في إشارة صريحة لمعارضتها تشكيل ميليشات مسلحة، فيما اضطرت الداخلية المصرية لإعلان رفضها الواضح لتولي اي مجموعات او لجان شعبية بمهمة ضبط الأمن أو القبض على مواطنين، بل رفعت سقف خطابها ضد الجماعة الإسلامية بالتأكيد على أنها ستلقي القبض على أي مجموعة تحاول ان تكون بديلاً عن الشرطة المصرية. في مؤشر واضح لانتصار جبهة الحفاظ على المؤسسة داخل وزارة الداخلية على الأطراف التي كانت تسعى لجعلها اداة في يد النظام الإخواني الجديد. وتوازى مع تغير ميزان القوى في غير صالح "الإخوان"، خرج وزير الداخلية ليشدد على أن تشكيل الميليشات "لن يحدث إلا على جثثنا".

من جانبها اعتبرت المعارضة المدنية أن النظام الإخواني يشجع على تفكيك مؤسسات الدولة وإحلال اللكيليشيات محل الشرطة. وحذرت "جبهة الإنقاذ" من فاحدة الأخطار المترتبة على توجه انشاء الميليشيات ونقل سلطة الأمن لمجموعات مسلحة.

وفي سياق المعارضة العنيفة للضبطية القضائية، خرج محمد فؤاد جاد الله المستشار القانوني للرئيس المصري محمد مرسي ليؤكد أن تصريحات النائب العام بشأن الضبطة القضائية اسيء فهمها وان رئاسة الجمهورية ترفض قيام اي فصيل سياسي بمهام الشرطة وان الضبطية القضائية هي في حالات التلبس فقط ولمنع وقوع الجريمة وبمعاونة الجهات الرسمية المخولة بتطبيق القانون وفقاً للدستور المصري.

واعتبر الكثير من المحللين المصريين أن تصريحات جاد الله بمثابة تراجع عن قرار الضبطية القضائية التي توازت مع محاولات عناصر من الإخوان المسلمين القبض على متظاهرين أمام مقر الجماعة في القاهرة. ولعل التراجع الرئاسي عن الضبطية القضائية جاء ل مؤسساتيشير على انتصار مؤسسات الدولة ممثلة في الجيش والشرطة على محاولات تيار الإسلام السياسي لإنشاء ميليشيات مسلحة وتشكيل مؤسسات موازية.

ولعل هذا التراجع تزامن مع قيام هيئة قضايا الدولة المصرية بتقديم طعن ضد قرار قرار القضاء الإداري بإلغاء الانتخابات البرلمانية. وهو الطعن الذي قدمته هذه الهيئة نيابة عن رئاسة الجمهورية ومجلس الشورى. وكان قرار الطعن في إلغاء الانتخابات بمثابة استمرار للاتجاه العام لمؤسسة الرئاسة خلال الأشهر التسعة الأخيرة بالتراجع عن قرارتها ووعودها. فقبل اسبوعين اعلنت الرئاسة المصرية رسمياً أنها لن تطعن على قرار إلغاء الانتخابات البرلمانية بسبب عدم عرض قانون الانتخابات على المحكمة الدستورية قبل اقراره نهائياً وهو الأمر الذي اعتبرته المعارضة المدنية وقتها مؤشراً على رغبة النظام في الحوار وتهدئة سخونة المجال السياسي.

برز هزيمة تيار الإسلام السياسي في محاولة "شرعنة" الميليشيات المسلحة عبر تفاعلات الأسبوع الماضي في الساحة المصرية. وهي الهزيمة التي تدفع البعض للحديث عن خلاف داخل قيادة الإخوان بسبب محاولات البعض دفع الجماعة في مواجهات متعجلة مع مؤسسات الدولة. وبالتوازي فإن اداء الرئيس المصري اصبح محل جدل داخل التيار الإسلامي ذاته بعد تعدد اخطائه وتراجعه عن القرارات واهتزاز صورته لدى الرأي العام. وفي هذا السياق فإن التيار الحاكم في مصر يتجه نحو خيارين احدهما محاولة التهدئة والتي يعطلها البعض داخل مؤسسة الرئاسة مما ظهر ف يالنقض على حكم الغاء الانتخابات والخيار الثاني الصعب هو المواجهة الذي اصبح محل تساؤل في ظل ما اعتبره البعض خروج المؤسسة العسكرية مجدداً كطرف أصيل في المعادلة.


طغى الجدل حول تسليح المعارضة السورية على مشهد الثورة السورية خلال الأسبوع الماضي. فقد شهدت الساحة الدولية حواراً حول إمكانية تسليح المعارضة وسط مخاوف من وصول الأسلحة إلى مجموعات متشددة في ظل عدم قدرة قيادة المعارضة والجيش السوري الحر على السيطرة على الميليشيات والمجموعات المتشددة داخل ساحة الحرب السورية.

ففي اجتماع الاتحاد الأوروبي ببروكسل يوم 15 مارس سعت كل من فرنسا وبريطانيا إلى اقناع الدول الأوروبية باقرار مد المعارضة بالسلاح بعد عامين من نشوب الثورة السورية عبر مظاهرات في مدينة درعا الجنوبية وقبلان تمتد شرارة الثورة إلى أغلب المدن السورية وتصبح المعارضة المسلحة عبر معارك شرسة على قرب امتار من السيطرة على الشمال.

ولعل الدعم الفرنسي البريطاني لتسليح المعارضة كان دافعاً للجيش السوري الحر لرفع النبرة بشأن إمكانية حسم المعركة خلال أسابيع في حال وصول سلاح متقدم لايدي ثواره في ساحة القتال ومدى اهمية السلاح الغربي في كبح نفوذ الميليشيات المتطرفة. وفي هذا السياق شددت لندن على أن منع السلاح عن المعارضة بمثابة "إنحراف"، خاصة في ظل الدعم المستمر من روسيا وإيران لنظام الأسد بالأسلحة المتطورة. بالتوازي، شدد الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند على أنه تلقى تأكيدات من المعارضة السورية بأن أي أسلحة ترسل لمقاتليها لمساعدتها على سعيها لإسقاط الرئيس بشار الأسد.

في المقابل، واصلت روسيا محاولاتها للحيلولة دون سير الاتحاد الأوروبي قدماً في انهاء حظر تسليح المعارضة السورية. واعتبر وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن مد المعارضة بالسلاح أمراً غير شرعي بموجب القانون الدولي.

وفي هذا السياق، تحدثت وكالة "رويترز" للأنباء عن تدريب ضباط أمريكيين لعدد من مسلحي المعارضة في الأردن على استخدام الأسلحة المضادة للدبابات والطائرات في الأردن وبدء عودتهم لساحة القتال في سوريا. وهو ما يشير إلى محاول واشنطن السيرطة على السلاح الذي يمكن ارساله بالتعرف بشكل مباشر على المقاتلين وتدريبهم للحيلولة دون وصول السلاح لمتشددين على علاقات بتنظيم "القاعدة". وكانت الولاياتالمتحدة قد اعلنت في وقت سابق انها ستقتصر في دعمها للمعارضة بتقديم امدادات طبية وأعذية.

ولعل ما يؤجل الحسم الدولي بشأن تسليح المعارضة السورية هو فشل الائتلاف الوطني السوري وكافة قوى المعارضة السورية حتى اللحظة في تشكيل الحكومة المؤقتة وسط خلافات تتصاعد بين أطياف المعارضة حول نصيبها في الحكومة المؤقتة ودور الجيش السوري الحر وكيفية السيطرة على الميليشيات المتشددة.

وعلى وقع الجدل بشأن تسليح المعارضة، تواصلت تداعيات الصراع في سوريا على الاقليم، حيث شهدت الحدود اللبنانية السورية هجمات متبادلة وسط اتهامات واضحة من المعارضة اللبنانية (فريق 14 آذار) لحزب الله "الشيعي" بدعم الحكومة السورية ومده بالمقاتلين. في الوقت الذي وجهت فيه دمشق خطاباً رسمياً للسلطات اللبنانية بشأن عبور عدد كبير من المسلحين حدود لبنان الشمالية متوجهين إلى بلدة تلكخ السورية، مهددة بضر المجموعات المسلحة داخل الأراضي اللبنانية. وهو ما جعل مجلس الأمن يعرب عن قلقه ازاء تاثير الأزمة السورية على لبنان خلال الفترة المقبلة في ظل الاحتقان الداخلي بين السنة والشيعة.

وشهدت الحدود بين سوريا ولبنان عددا من الحوادث خلال الاسبوع الماضي منها مقتل وجرح لبنانيين في عمليات تبادل لاطلاق النار. بالإضافة إلى مهاجمة مجموعة من اللبنانيين شاحنات محملة بالوقود كانت متجهة إلى سوريا عبر الحدود واضرام النيران فيها.

وعلى الحدود مع العراق، اعلن تنظيم "دولة العراق الإسلامية" – التابع لـ"القاعدة" – تبنيه مقتل 48 جنديً سوريا في العراق قبل اسبوع خلال هروبهم من تقدم المعارضة المسلحة. وهو البيان الذي اثار مخاوف من امكانية نقل هذا التنظيم المتشدد عملياته إلى سوريا ومساهمته في اشعال حرب طائفية بين السنة والعلويين.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.