.
.
.
.

خربشات الثورة الليبية

نشر في: آخر تحديث:

تتميز الكتابات الحائطية أو الخربشات على الجدران بتنوع وتعدد أشكالها، حيث إنها متراوحة بين الكتابة والرسم والتخطيط.. مما يوهم للوهلة الأولى أنها خارج الضبط الدلالي والرمزي والمعنوي، لا يحكمها جنس تعبيري منظم وموحد، ويمكن تصنيف هذه الأشكال والخربشات إلى عدة تصنيفات، توحي جميعها بأن الكتابة الحائطية "الخربشة" ليست خطاباً هامشياً، بل إنها محكومة بمنطق ينسجه الثائر من خلال أفعاله ووجهات نظره.

ويمكن تصنيف رموز الخربشات من خلال الكتابات الحائطية، على جدران الأبنية وأسوار المؤسسات العمومية والكباري، التي تم رصدها، إلى حقيقة أولية مفادها أن هذه المسألة منتعشة جداً، وتعرف تنوعاً وتعارضاً داخلياً حاداً، يوحي مبدئياً بتداخل واضح بين المواقف والأفكار، فبين طيش التعبير، وحكمة وإبداع المخربشين، وآهات الرافضين، وإعلان المحبين، وتوسل العابدين، وبين متذمر ومتمرد؛ تتجمع جملة من المواقف والحقائق والنتائج والمؤشرات من هذه الخربشات وتلك الرموز، من صنف تلك الدلالات التي قد تكون ساعداً في رسم السيناريوهات المستقبلية للدولة الجديدة في ليبيا، آخذين في الاعتبار أن الفضاء التعبيري الرسمي ممنوعاً ومحرماً يقود إلى السجن والتعذيب والإعدام.

ويمكن أيضاً ملاحظة انتقال الصراع من جبهات القتال مع النظام إلى الجدران، فحيثما كانت هناك مسافة يمكن أن تحمل كلمة أو حرفاً ويشاهدها المارة، سواء كانت هذه الكتابة نظيفة المعنى أو نابية؛ فإنها رمز للعنف وإعلان التمرد، يفضل أصحاب هذه الوسائل الحائطية ممارستها والإشهار لها، رافضين الوسائل المشروعة إن وجدت.

قراءة بصرية لتجليات الشكل أو النص على الجدران، بما يحتويه من أشكال ورسومات وصور وأشكال هندسية وحروف ولغات أجنبية، جاثية على الأسوار والجدران والحوائط وصناديق القمامة والمحال التجارية، ويمكن وسم هذه الكتابات بالطابع القدامي والهجائي والكاريكاتوري للموضوع المتناول، أو هي تحوي عبارات تعبيرية تعج بالسباب والشتم لهذا الطرف أو ذاك.

وفي العموم يبدو أن حوافز إنتاج النص الخربشي على الحوائط والجدران والأسوار، مرتبطة بنوع الثقافة السائدة مادامت الثقافة تجسد حصاد الجماهير ومحاولاتها لتطوير وجودها، بما تحويه هذه الثقافة من تصورات وأفكار وقيم، حول التمرد والتظاهر والمعارضة، إضافة إلى التفاعل والصراع والمقاومة والنضال، ولهذا فالثقافة تشكل مرتكزاً مهماً في الخلفية التاريخية للوعي الجماهيري في سيرورته المعاصرة وتوجيهاته المستقبلية.
وهنا نلاحظ أن إثبات الذات والتعبير عنها يمثل جزءاً كبيراً من الخربشات والشعارات الحائطية، ولهذا نعتمد الخربشة كبوابة نعبر بها إلى ذات المعارض أو الثائر من زاوية معينة؛ فهو من خلالها يمارس حرية من نوع مختلف، تتجلى في قدرته على الإفصاح من دون محاسبة أو قيد. وقفة قصيرة لقراءة تلك الخربشات والنظر فيها، قد تفك تلك الخطوط والكلمات والرموز، وبالتالي ترينا شيئاً من صاحب الخربشة، وهنا يكمن بداية اكتشاف جديد وتبدل في وظيفة الجدران والأسوار والحوائط.

من مساحات صماء للتعبير عليها عما بداخلنا، أوضحت الخربشة شخوصاً وهوايات، ثم تحولت إلى أفكار ومواقف وأيديولوجيات قد تقبل أو ترفض، وربما تحارب من خلال الحوار القائم على الجدران ذاتها وبذات الوسائل، وفي أحيان كثيرة الفاعلون لا يعرفون بعضهم بعضاً.

فالخربشة هي ربما جرح في جسم من يخربش، مفتاح ولوج عالم غير ما صدر له الإعلام، فالخربشة قد تكون فعلاً أو عملاً يهدف إلى التغيير والإحداث والإعلان... لكن لماذا الجدران؟!

للإجابة عن هذا التساؤل، يقودنا التحليل إلى اعتماد إجابة مبدئية، مفادها أن هذه الأشياء (الحوائط والأسوار والجدران ووجهات المحال) هي فضاء يتسع باتساع الرؤية والبصر، وشاشة عرض يتوافر على رؤيتها عدد كبير من البشر، وعلى هذا الأساس تعتبر هذه الأدوات مركزاً لإيصال برقيات، ووسائل موثوقاً بها، بل ومن دون تحريف وتغيير وتوجيه.

الإشكالية

بقراءة متأنية في النص الخربشي، قد نجد أنه مرتبط بنوع الثقافة السائدة، وما تحويه هذه الأخيرة من تصورات وأفكار وقيم حول التمرد والتظاهر والمعارضة، إضافة إلى التفاعل والصراع والمقاومة والنضال.
تتجه الإشكالية هنا إلى ما يتضمنه النص الخربشي من تنافس وصراع بين المصلحة والانتماء، وقد نلحظ ضمن هذا الصراع حرباً يصعب إخمادها، ولهذا فإن هذه الخربشات تشكل مرتكزاً مهماً في الخلفية التاريخية للوعي الجماهيري، في سيرورته المعاصرة وبالتالي توجيهاته المستقبلية. ربما ما يكتب في الأمكنة، وما هو مخربش على الحوائط، ودلالاته في الشوارع الليبية؛ يعكس نتاج رؤى ومواقف اجتماعية ونفسية، تتجاوز الكتابة والعبث الخربشي، وهنا يمكن طرح التساؤل التالي: هل هناك إمكانية لكيفية صياغة الوعي التقليدي، وإعادة بناء وترتيب البنية العقلية السائدة حالياً، وفق معطيات اجتماعية داخلية مرتبطة بحركة نمو فكري ومادي، يمكن أن يؤثر في تصور بناء ليبيا الجديدة؟!
خاصة إذا ما لمسنا في ملاحظتنا الأولية للنص الخربشي اختزاله لمقولات القبلية في تقاطعها مع الوطنية، وهذا يقود لطرح تساؤل آخر عريض: كيف يفكر الليبي من خلال تقاطع مقولات الوطن مع القبلية مع الحرية؟ بمعنى آخر كيف تشتغل ذهنية الشباب الليبي الفاعل لفعل الخربشة؟ وما هي مفضلاته؟ وهل هي منفردة أو متشابكة؟ كل هذا يفيد في الحصول على جواب حول هذه الذهنية.

العينة (وحدة التحليل والاهتمام)

ما هي المادة الميدانية التي يمكن الاعتماد عليها للإجابة عن هذه التساؤلات التي طرحت في هذه الدراسة؟ وما هي الأدوات التي تساعد على جمعها؟ وما هو الفضاء الذي تجمع منه؟ وما هو العدد المناسب؟.

هذه الأسئلة وغيرها، تفرض تقنين إجراءات منهجية عالية الدقة في مناسبتها لطبيعة الموضوع محل الاهتمام، تمكن من الوصول إلى نتائج علمية دقيقة يمكن تعميمها والاعتماد عليها في هذا السياق.

وعينة الدراسة مكونة من الصور التي تم التقاطها بآلة التصوير الرقمي للخربشات والشعارات والرموز والصور، التي كتبت على الجدران والحوائط والأسوار والكباري بطريقة عشوائية، جمعت حوالي 3451 صورة، شملت هذه الصور ما كتبه الليبيون أثناء وبعد 17 فبراير 2011، ويشكل هذا مجال المعاينة حتى وإن كانت على فترات متقطعة.

أدوات تحليل البيانات

ولأن دراسة الخربشة الحائطية لا تتطلب مجرد الوصف ولو كان كثيفاً، فهو يؤدي فقط إلى نشر الظاهرة، بل إنها تبحث في العلامات التي تعتبر من اهتمام البحث السيوسولوجي، فعلم الاجتماع يقوم على دراسة وكشف المعاني لبلوغ الدلالة الخفية، لذلك تقترن السيوسولوجيا مع السيمولوجيا، لتكون البيئة والنسق وتغيير الظواهر، لأن السيمولوجيا مجموعة من البنى والصور والعلامات التي تترابط في ما بينها لتعطي نظاماً من العلامات، كلما تخترق حدود الوصف لتصل إلى عمق المعنى الكامل. فلذلك كله فقد تم اعتماد أسلوب الملاحظة مع جمع واستقراء المعلومات والمؤثرات والدلالات؛ لأنها تعتبر التقنية الأكثر صرامة، ولأن الباحث يكشف بنفسه الظاهرة الاجتماعية.

وهذا يعني أن الكتابات الحائطية لمعارضي القذافي في ليبيا، وفي هذه الدراسة تمثل النص الذي نحاول استنطاقه والتحاور معه، ومن ثم الوصول إلى فهم خلفياته ومرجعياته المنتجة لهذه الظاهرة، في حدود البناء المعرفي والأيديولوجي القبلي، والخلفية النظرية المرجعية، آخذين في الاعتبار ما يدلي به الفاعلون؛ فتلك عوامل مجتمعة يمكن أن تؤطر التحليل، وتجعله مقتدراً على الإحاطة بجوانب الظاهرة المدروسة من خلال التعبير الخربشي الحر.



الاستنتاجات الختامية

تعرضت هذه الدراسة إلى طرح إشكالية ذات أهمية بالغة، إنها معضلة العلاقة بين الخربشات وتعبيراتها المختلفة وعلاقاتها التأثرية، وبنية العقلية الليبية وبناء ليبيا الجديدة، أي العلاقة التي يمكن أن تنشأ بين الكلمات في النص الخربشي، وعلاقتها بمحيطها الاجتماعي، وسياقات إنتاجها والأوضاع التي أحرزتها. فالتعبيرات الواردة والمحصورة ترتبط بالأوضاع التي أنتجتها، جغرافية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية. فالفضاء وتعبيراته المخربشة، مسألة تطرح مشكلة الدلالة وانتشار الرمز في الجغرافيا الاجتماعية.

وفي ما يلي توزيع الخربشات حسب الدلالة والموضوع وتكرارتها الإحصائية:

يتضح جلياً من خلال البيانات الواردة في الجدول السابق، أن عبارات الخربشة أظهرت وبقوة عبارات الحضور القبلي، مكتوبة على جميع الأسوار والحوائط والجدران، ويتمثل ذلك في كتابة اسم كل قبيلة على تلك الجدران وتسجيل حضورها وبقوة، مثل (ثوار الزنتان - ثوار الصيعان - ثوار جادو - ثوار سبها...)، حتى لدى سكان المدينة العاصمة، والذين لا ينتمون لقبائل أو مناطق معينة مثل (ثوار فشلوم - ثوار الشارع الغربي)؛ فحرص الجميع على تسجيل حضوره، هو إثبات مشاركته في الثورة، حتى وإن كان من القبائل أو المناطق المؤيدة للنظام السابق، ويعزى هذا إلى أسباب عديدة؛ من أبسط هذه الأسباب تسجيل الحضور في مثل هذا الحدث، وأعقدها العقلية القبلية التي بنيت عليها الذهنية الليبية.
كما يتضح أن لعبارات الدين حضوراً كبيراً، فقد بلغ تكرارها (871) عبارة من (3451)، أي ما يمثل نسبة 25% من الصور المحصورة، فهناك عبارات التكبير والتوسل والدعاء. كما ثبت أن هناك تلازماً معقداً بين القبلية والوطن، فتارة تجد عبارات "ليبيا وبس"، و"ليبيا حرة"، أمام ذلك الانتشار المريب للحضور القبلي. ويكشف ذات الجدول وجود عبارات ذات دلالات عن الوطنية، مثل"لا شرقية لا غربية... ليبيا لحمة وطنية"، "طرابلس عاصمتنا"، و"لا لا للفيدرالية.. ليبيا وطن الجميع.. ".

وظهرت هذه العبارات في مرحلتين مهمتين من عمر الثورة، أولاها عندما شاع في السنة الأولى من الثورة أن القذافي سوف يفصل الشرق المتمرد عن الغرب المؤيد في غالبيته، والأخرى عندما ظهر التيار المنادي بالفيدرالية في الشرق بعد انتصار الثورة؛ فكانت رسائل التعبير عن اتجاهات الناس، هي الحوائط والأسوار، وبشكل مستمر.


كما أظهرت نتائج التحليل الإحصائي للخربشات، أن عبارات المحافظة على المال العام، والنهي عن السرقة وبيع مواد الإغاثة، تمثل مرتبة متقدمة من عبارات الخربشة، وهذا مؤشر واضح على الانتهاكات التي شهدتها المؤسسات العامة من النهب والسرقة، وهذا يقودنا إلى نتائج عريضة في هذا السياق، يمكن الوصول إليها بسهولة.

كما نجد نتيجة أخرى مهمة ضمن تحليلنا هذا، وهو وجود عبارات الاستهزاء والسخرية من فخامة القذافي وصورته الإلهية المقدسة، في وقت سابق للتمرد والثورة؛ فالجميع يعرف أن القذافي احتفظ لنفسه بأسمى الألفاظ وأجلها وأبلغها، لاسيما لدى الليبيين، وكانت مفروضة في خطاباتهم السياسية وحتى في معاملاتهم الإدارية: مهندس النهر الصناعي، ملك الملوك، إمام المسلمين، رسول الصحراء... وتكاد تبلغ (99) اسماً كأسماء الله الحسنى! فكسرت هذه الفخامة المقدسة، واستبدلت بأبلغ عبارات الاستهزاء مثل: "بوشفشوفة" نسبة إلى شعره! "يا كلب"، "يا حقير"، "يا قاتل"،"يا كاذب"، "يا سارق"، "يا يهودي"، "يا ولد الأيهودية"... وكتبت هذه العبارات حتى على أماكن حفظ القمامة في الشوارع!

وفي هذا السياق تم إعادة إنتاج بعض المقولات من "الكتاب الأخضر"، الذي كان مقدساً هو الآخر بقداسة المصحف الشريف؛ فورد مثلاً في أحد فصول "الكتاب الأخضر": "الطفل تربيه أمه"، فتم إعادة إنتاجها من جديد على النحو التالي: "القذافي طفل لم تربيه أمه"!

وهكذا يكشف التحليل عن موضوع الخربشة الحائطية عن الكثير من التناقضات الاجتماعية والفكرية، وربما دون عناء يمكننا تخيل تأثير هذه العقلية ومدى مساهمتها في بناء ليبيا الجديدة، التي مات الجميع من أجلها، وبتكلفة اجتماعية فاقت جميع دول "الربيع العربي"، وتركت ملفات من أثقل الملفات في العصر الحديث.

*أجرى الدراسة أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور عمران القيب، جامعة طرابلس - ليبيا