التقرير الإقليمي: عودة الإرهاب ومفاجأة النصرة وانتخابات العراق

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
10 دقائق للقراءة

الولايات المتحدة تسعى إلى استعادة المبادرة في المنطقة"، هكذا يمكن إجمال التطورات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الأسبوع المنصرم. فعلى كافة المسارات المتقاطعة والمتوازية، برزت محاولات الولايات المتحدة وروسيا والمنظمات الدولية وحتى التنظيمات الإرهابية "القاعدة" للبحث عن بوابة لعب دور أكبر في توجيه التحولات الديناميكية بالمنطقة.


ففي سوريا، خرج بشار الأسد يوم 17 أبريل في مقابلة مسجلة على قناة الإخبارية السورية ليحذر الغرب من أنه سيدفع الثمن غالياً بسبب دعم "القاعدة" في بلاده.. وسعى الأسد في تصريحاته للعب على الوتر الحساس لدى التحالف الدولي والإقليمي الداعم للثورة والذي بدأ يتوجس من ارتباط "جبهة النصرة" مع تنظيم "القاعدة" الإرهابي.. بالتوازي، تحاول الأطراف الإقليمية إلى إخراج لبنان من المشهد مع تصاعد التوترات الحدودية وانخراط "حزب الله" بشكل مباشر في الصراع السوري عبر دعم تمام سلام في تشكيل حكومته للوحدة الوطنية.


وفي مصر، بدأت سلطة "الإخوان المسلمين" في البحث عن مخرج للأزمة الاقتصادية عبر مد الجسور مع الولايات المتحدة وروسيا والقوى الدولية لإنقاذها من سيناريو ثورة الفقراء الذي أصبح يلوح في الآفق. ففي حين رحل الرئيس المصري محمد مرسي إلى موسكو بحثاً عن القمح والدعم المالي، كانت القاهرة تغازل الولايات المتحدة للحفاظ على المعونة العسكرية والاقتصادية فيما واصلت مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض الـ4,8 مليار دولار.


وفي اليمن، دعمت كافة القوى الإقليمية خطوة الرئيس اليمني عبد ربه منصو هادي (قبل أسبوع وتحديدا في 11 أبريل سنة 2013 بإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية ويستمر الحوار الوطني اليمني بعد تشكيل لجانه، باحثة عن مجال لدعم عملية الانتقال السياسي في اليمن خاصة مع استمرار فعاليات الحوار الوطني اليمني وانطلاقته منذ 18 مارس الماضي والتي يشارك فيها الحوثيون بجوار مختلف الفصائل اليمنية.

سارت إدراة الرئيس الأمريكي باراك أوباما على خطى استراتيجية الاحتواء للحيلولة دون انفراط عقد الحلفاء في الشرق الأوسط، حيث رفضت إدراة أوباما تقليص حجم المساعدات العسكرية المقدمة لإسرائيل ومصر والأردن رغم خفض نفقات وزارة الدفاع "البنتاجون" والانفاق الحكومي خلال العام المالي (الذي يبدأ في أكتوبر المقبل).


وأوضح بيان البيت الأبيض للكونجرس بشأن المساعدات رؤية الإدارة الأمريكية خلال المرحلة الراهنة للوضع في الشرق الأوسط، حيث أشار إلى تعاظم المخاطر للمصالح الأمريكية في ظل تداعيات "الربيع العربي" وعدم الاستقرار الإقليمي والتهديدات الإيراني مما يجعل واشنطن ملزمة بدعم الدولة العبرية في مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الصلة مع الحكومة المصرية التي تعاني من أزمة اقتصادية طاحنة بالإضافة إلى دعم الأردن في مواجهة الخطر "السوري" الراهن.


ويجيء في نفس السياق كلمة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أمام لجنة استماع بالكونجرس هذا الأسبوع، التي أشار فيها إلى ضرورة دعم المؤسسة العسكرية المصرية لكونا الداعم الرئيسي لاستقرار وأمن الدولة المصرية وقيامها بواجباتها تجاه تحقيق الأمن في سيناء، والتعاون مع اسرائيل. في مقابل انتقاده لسياسة الاقصاء التي تنتهجها جماعة الإخوان المسلمين للمعارضة وعدم السير قدماً في سياسة الإصلاح الاقتصادي، مهدداً بمنع المساعدات التي وعد بها أوبما للحكومة المصرية (مليار دولار) في حال فشل الاتفاق مع صندوق النقد الدولي.

وفي هذا السياق، يعتزم وزير الدفاع الأمريكي تشاك هاجل زيارة المنطقة خلال الأسبوع المقبل( الأسبوع الثالث من أبريل) بدءاً من إسرائيل مروراً بالأردن ومصر والسعودية وانتهاء بالإمارات للتأكيد على الدعم الأمريكي الصلب للحلفاء الستة الرئيسيين في المنطقة في مواجهة التحديات التي تواجها كل منها على حدى. وهو ما توازى مع اعتزام الولايات المتحدة نشر 200 جندي في الأردن تحسباً لتدخل عسكري سوري. في ظل تهديدات الأسد صراحة للملكة الهاشمية من امتداد الحرب لها قائلاً إن "الحريق لن يتوقف عند حدودنا والكل يعلم أن الأردن معرض كما هي سوريا معرضة".

ولعل الإشكالية الرئيسية التي تواجه الإدارة الأمريكية في اللحظة الراهنة هي استراتيجية التعامل مع الثورة السورية، فخلال الأسابيع الأخيرة برز نزوع الولايات المتحدة إلى التدخل العسكري المحدود لصالح قوات المعارضة المسلحة عبر توفير الأسلحة وفرض منطقة لحظر الطيران بالشمال والجنوب وتدريب مسلحين في معسكرات بالأردن، ولكن هذا النزوع المتسارع أوقفه إعلان "جبهة النصرة" – أحد أبرز مجموعات المعارضة المسلحة- الولاء لتنظيم "القاعدة" وبيعة مباشرة ل زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري.


وقد استغل بشار الأسد إعلان "جبهة النصرة" ليخرج محذراً الغرب من دفع ثمن دعم "القاعدة" في سوريا فور صدوره فأعلن مندوبه بالأمم المتحدة رغبة نظامه في وضعها على قوائم الإرهاب، وصار ثابتا أن هناك خطرا إرهابيا صاعدا في الداخل السوري حال سقوطه وأنه يحاربه!! رغم أن أفعال نظامه القمعية هي ما وهو الخطاب الذي وجهه الأسد بشكل مباشر للرأي العام الغربي والأمريكي الذي مازال يعيش ذاكرة تفجيرات 11 سبتمبر والتي استيقظت على خلفية تفجيرات ماراثون بوسطن. ويشير محللون أميركيون إلى أن اعلان "جبهة النصرة" وتفجيرات بوسطن جعلت إعلان أوباما الدعم العسكري للمعارضة السورية "حلم ليلة صيف".


ولعل ابرز تداعيات "جبهة النصرة" على الساحة الدولية هو تراجع كافة الحلفاء الدوليين عن فكرة التسليح الثقيل للمعارضة وتقديمها دعما لوجستياً وتسليحيا، والميل للحل الدبلوماسي. ولعل اجتماع اسطنبول الذي يجري الآن في 20 أبريل سنة 2013 لمجموعة اصدقاء سوريا قد يدلل على هذا التوجه.

فحسب العديد من المراقبين الغربيين بدت بيانات (جبهة النصرة) تفرض على المجتمع الدولي السعي من أجل اناء الصراع". ولعل هذا التصريح يدلل على رغبة اقوى الدولية الداعمة للثورة السورية في بدء حوار سياسي بين المعارضة والنظام السوري والبحث عن حل سريع لاستقواء التنظيمات المتشددة في سوريا.

ويبدو جلياً أن المجتمع الدولي يدفع ثمن تقاعسه عن دعم الثورة السورية المسلحة، فطول الوقت هو الذي منح الأرض للتنظيمات المتشددة. فتأجيل التدخل العكسري هو الذي جعل التدخل "صعباً" و"شبه مستحيل" في اللحظة الراهنة. ورفض الدعم المباشر للمعارضة المسلحة المعتدلة هو الذي قاد لتقوية التنظيمات المتشددة في عدد من المناطق السورية التي فجرت الثورة ضد نظام الأسد.

ولعل أحد الإشكاليات التي نجمت عن تأجيل التدخل، هو منح النظام السوري الفرصة لمد الصراع إلى لبنان. فالمجتمع الدولي يراقب حالياً التوترات التي تشهدها الحدود السورية – اللبنانية والاشتباكات المتكررة بين الثوار السوريين وعناصر "حزب الله" اللبناني. فخلال الأسبوع المنصرم شهدت الحدود أكثر من حادثة أبرزها سقوط القذائف على منطقة الهرمل اللبنانية الحدودية مع سوريا. وهي القذائف التي تلت تدخل عناصر "حزب الله" في الحرب مع الجيش النظامي خاصد في محيط منطقة القصر بمحافظة حمص القريبة من لبنان.

وفي هذا السياق أدركت كافة الأطراف الإقليمية والدولية أن تشكيل رئيس الوزراء اللبناني تمام سلام لحكومة وحدة وطنية ضرورة ملحة في اللحظة الراهنة. هذه الحكومة التي يهدد تشكيلها انقسام الداخل اللبناني بين طرفين مؤيد ومعارض للثورة السورية. واشار عدد من المحللين السياسيين إلى أن فشل تمام سلام في تشكيل الحكومة قد يمهد الطريق أمام حرب أهلية ثانية في لبنان (الأولى 1975 – 1990). وهي الحرب التي سيدفع ثمنها كافة الأطراف الداخلية والخارجية. ومن هنا يمكن فهم الدعم الإقليمي والدولي لتمام سلام في جهوده لتشكيل الحكومة.

وعلى الطرف الجنوبي من شبه الجزيرة، سارعت الولايات المتحدة ودول الخليج في اعلان التأييد لخطوة الرئيس منصور عبد ربه هادي بإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية. وجاء هذا الدعم وسط ادراك هذه الأطراف محاولة إيران استغلال حالة الفوضى في اليمن لزيادة نفوذها عبر دعم المتمردين في الشمال والجنوب والذي ظهر جلياً بتوقيف السفينةالإيرانية التي تحمل أسلحة خلال يناير الماضي. ولعل هذا الدعم جاء وسط معلومات مسربة عن دعم طهران لمتشددين ينتمون للحراك الجنوبي ومن بينهم علي سالم البيض نائب الرئيس اليمني السابق، بحسب صحيف "الفاينانشيال تايمز" البريطانية.

عاد تنظيم "القاعدة" ليطل بوجهه القبيح مجدداً على المنطقة بقوة خلال الأسبوع الماضي ليصبح مجدداً طرفاً رئيسياً في التحولات المتسارعة والمعقدة بالشرق الأوسط. فمن ناحية جاء إعلان "جبهة النصرة" السورية الولاء للتنظيم بقيادة أيمن الظاهري (ناقشنا التداعيات في الجزء السابق). وبالتوازي كان التفجيرات شبه اليومية في العراق التي دللت على أن التنظيم مازال قادر على توجيه ضربات موجعة رغم الضعف الذي يعتريه تنظيمياً بفضل القدرة على استغلال المشاعر والاحتجاجات الطائفية لصالحه والتي تقع مسئولية تأجيجها على رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي.

فبعد أكثر من 4 أشهر من انفجار الأزمة السياسية في العراق على خلفية اعتقال حراس أمن وزير المالية السابق رافع العيساوي خلال ديسمبر 2012. وهي الاعقتالات التي تلاها احتجاجات في محافظة صلاح الدين (التي تقطنها أغلبية سنية) احتجاجاً على السياسة الأمنية الطائفية والفساد والمطالبة بإصلاحات سياسية تمكن الطائفة السنية من المشاركة في السلطة.

وفي ظل تصاعد الأزمة السياسية ورفض المالكي لكافة الحلول والحوار مع المعارضة وتشبثه بموقفه سعياً لكسر "سيف" المعارضة المتصاعدة، شعر جزء كبير من الطائفة السنية ان اصواتهم تذهب هباء خاصة مع تأجيل الانتخابات المحلية في المحافظات السنية الرئيسية لمنح الانتخابات بعد طائفي واضح. وبالتالي كان من الطبيعي ان يستقوى تنيظم "القاعدة" الإرهابي بهذه المشاعر الطائفية المتأججة بسبب ديكتاتورية المالكي.

وقبيل بدء التصويت في الانتخابات المحلية الثالثة بالعراق التي جرت في 20 أبريل الحالي، شنت التنظيمات المتشددة سلسلة من الهجمات الإرهابية اودت بحياة أكثر من 100 عراقي. وكان أكثر هذه الهجمات ضراوة يوم الاثنين 15 أبريل، حيث قتل ما لا يقل عن 60 عراقياً في سلسلة تفجيرات بمدن كركوك وطوز خرماتو وساراء والحلة والناصرية، وبعقوبة وتكريت. وتلاها تفجيرات يوم الأربعاء وتفجير آخر يوم الخميس (18 أبريل) بالعاصمة بغداد أودي بحياة نحو 27 عراقياً.

هذه التفجيرات دللت على استمرار الأزمة العراقية في ظل انفراد المالكي بالحكم، وعودة صعود نفوذ تنظيم "دولة العراق الإسلامية" المرتبط بـ"القاعدة" الذي بدأ في استعادة موضوع قدم بالعراق في المتاطق الصحراوية غرب العراق على خلفية الأزمة الطائفية السياسية واشتعال الحرب في سوريا. فتنظيم القاعدة يسعى للاستفادة من الأزمة في العراق وسوريا لشن "حرب مزدوجة" يستعيد عبرها قدرته في تجنيد الشباب الغاضب والمحبط من عدم وجود حل سياسي في العراق والتأجيل المستمر للحسم في سوريا. وهي الفرصة التي منحتها أياه القوى الدولية والإقليمية التي اجلت حل الصراع السوري وتركت الساحة العراقية لإيران تحدد قواعد اللعبة فيها حسب العديد من المراقبين.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.