مصر وروسيا ودول البريكس.. رؤية تفسيرية

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
19 دقيقة للقراءة

البحث عن تفسير:


" روسيا تطابق وجهات النظر مع الجانب المصري تجاه الأزمة السورية"
مسئولون روس عقب زيارة مرسي لروسيا في 19 أبريل سنة 2013
" قمة الدوحة تمنح مقعد سوريا في الجامعة العربية للائتلاف السوري الحر"
26 مارس سنة 2013 في حضور مصر.
" لم يعد هناك مجال لكلمة الإصلاح وإنما الحديث يجب أن يكون عن التغيير ورحيل الأسد".
الرئيس المصري من مقابلة مصورة مع رويترز في 28 أغسطس سنة 2012
" لا أرى حلا للأزمة في سوريا من دون رحيل نظام الأسد".
"نحن مصرون على أن يتغير النظام في سوريا، يجب أن يُمارس الضغط بكل أنواعه لتحقيق ذلك، وعلى النظام أن يترك للشعب السوري تقرير مصيره بنفسه، وأنه لا مكان لرئيس يقتل شعبه".
تصريحات الرئيس المصري يوم الخميس 13 سبتمبر سنة 2012
الدم السوري في رقابنا.. وأطالب الأسد بالرحيل.
مرسي في قمة طهران لعدم الانحياز في 30 أغسطس سنة 2012
" إن الرئاسة لم تصدر تعهدًا قاطعًا بسحب مشروع القانون المثير للجدل الذي تم الدفع به للمجلس التشريعي، ومن شأنه الإطاحة بنحو 3 آلاف قاض "
جريدة الأهرام يوم الاثنين 29 أبريل سنة 2013 بعد يوم واحد من اجتماع الرئيس مع المجلس الأعلى للقضاء في 28 أبريل
" الرئيس محمد مرسي قدم وعدا قاطعاً لنظيره السوداني عمر البشير خلال جلسة المباحثات بينهما بإعادة مثلث حلايب إلى حاله قبل العام 1995م، ووعد بإزالة الاحتقان وتذليل كل العقبات في هذا المثلث".
موسى محمد أحمد مساعد الرئيس السوداني لوسائل الإعلام في 6 أبريل سنة 2013
" جريدة الحرية والعدالة تنشر خريطة مصر دون حلايب وشلاتين"
7 أبريل سنة 2013
الرئاسة: قضية حلايب تشكيك بموقف مصر الوطني.
الرئاسة في 7 ابريل سنة 2013.


هذا بعض ما كان من الرئيس المصري محمد مرسي على مستوى القول، تجاه الأزمة السورية، ولكن على مستوى الفعل كانت الإدارة المصرية الجديدة، حريصة على عدم اتخاذ ما يترجم هذه الأقوال ل أفعال بالمطلق، فقد طرحت إدارة مرسي قبل مطالبته الأسد بالرحيل أثناء قمة عدم الانحياز في طهران في 30 أغسطس سنة 2012، بأربعة أيام فقط، وتحديدا في 26 أغسطس ما عرف بالمبادرة الرباعية لحل الأزمة السورية، التي دعى للمشاركة فيها كل من تركيا وايران والمملكة العربية السعودية، ولكن لم تشارك الأخيرة في أي من فعاليتها.


ولعلها هي نفسها المبادرة الإيرانية التي طرحت من قبل الخارجية الإيرانية التي أعلنت في بيان لها يوم الأحد الموافق 28 أبريل الماضي، وعقب زيارة سرية- لم يعلن عنها إلا بعد القيام بها- ل مساعد الرئيس المصري للشئون الخارجية عصام الحداد ورئيس ديوان رئيس الجمهورية المصري آواخر أبريل الحالي، أنه قد تم " الاتفاق بين إيران ومصر اتفقتا علي حل الأزمة السورية بالطرق السياسية.


وذكرت الوزارة – في بيان لها في 28 أبريل سنة 2013 ، أوردته وكالة أنباء إرنا الإيرانية- أنه في إطار الجهود المشتركة المبذولة من قبل إيران ومصر لتنفيذ المبادرة الرباعية المصرية بشأن الأزمة السورية فقد قام وفد مصري بزيارة طهران برئاسة مساعد الرئيس المصري لشئون العلاقات الخارجية والتعاون الدولي عصام الحداد ورئيس ديوان رئيس الجمهورية محمد رفاعة الطهطاوي، اتفق خلالها الطرفان المصري والإيراني على " اعتماد برنامج بهدف تنفيذ مبادرة الرئيس المصري محمد مرسي لحل الأزمة السورية بالسبل السياسية المقبولة والتي من شأنها أن تساعد علي وقف العنف وارساء المصالحة الوطنية بمشاركة أبناء الشعب السوري "..
وهكذا تماهى الموقف المصري تجاه هذه الأزمة مع الموقف الإيراني الداعم والمصر على بقاء بشار الأسد حاكما- دون حتى اعتذار- واستمرار ماكينة موته ضد شعبه دون توقف، وهو الموقف الذي سبق تأكيده قبل ذلك بأيام، عند لقاء مرسي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 19 أبريل سنة 2013، وهي الزيارة التي حرفت النظر عن مظاهرات الإخوان وحلفائهم من الإسلاميين ضد القضاء المصري، رغم فشل مرسي وفريقه في تحقيق أي من أهداف هذه الزيارة، فقد رفضت روسيا الطلب المصري بالحصول على قرض بقيمة 3 مليارات دولار، كما لم توافق روسيا على زيادة زيادة صادرات الحبوب الى مصر. الا ان زير الزراعة الروسي قال لن يمكن زيادتها الا اذا وصل محصول روسيا من الحبوب هذا العام 95 مليون طن، وكانت النتيجة الأبرز وربما الوحيدة لهذه الزيارة هو ما أعلنته روسيا- ولم تنفه الإدارة المصرية- من تطابق وجهات النظر بين الجانبين الروسي والمصري تجاه الأزمة السورية، فضلا عن زيادة تقديم مصر خدمات للسفن الروسية- التي يبدو أنها تستقر في النهاية في طرسوس- كما ذكرت وكالة انترفاكس بنفس التاريخ.

ظهر مفهوم البريكس لأول مرة عام 2001 وقد نحته وصكه عالم الاقتصاد البريطاني الشهير جيم او نويل Jim O'Neill ( ولد في مارس 1957 ) في تصور استقرائي منه للاقتصادات الأكثر نموا في العقد القادم، والتي حددها في الدول الخمس( البرازيل وروسياوالهند والصين وجنوب إفريقيا) وصاغ المفهوم من الأحرف الأولى من أسماء هذه البلاد، وهو التصور الافتراضي الذي ثبتت صحته وتأكدت مع مرور العقد، رغم اختلاف الأنظمة الاقتصادية المتبعة في هذه الدول، وكذلك مواردها القومية، فالبريكس هو وصف نظري يضم مجموعة مختلفة في أدائها وملامحها الاقتصادية وليست منظمة متحدة تضم هذه المجموعة من الدول، شأن منظمة الأوبك مثلا التي تضم الدول المصدرة للبترول، أو مجلس التعاون الخليجي، الذي تخايله فكرة الاتحاد وتحدياته، أو منظمة الأسيان او النافتا!! فالبريكس في النهاية هو تصور لمجموعة اشتركت في معدلات النمو الاقتصادي، وكيفية جذب الاستثثمارات رغم عدم وجود كيان يضمها معا، واختلاف أنظمتها الاقتصادية وسياساتها الخارجية بشكل واضح كذلك.


وقد وضع الاقتصادي البريطاني الشهير جيم أو نيل(Jim O'Neill) قائمة بأحد عشر دولة اخرى، رشحها كذلك للنمو الاقتصادي في العقد القادم، والسير في نفس طريق البريكس، تضم مصر فيما بينها، وهي كوريا الجنوبية وبنجلاديش واندونيسيا وتركيا وايران والمكسيك والباكستان، والفيلبين وفتينام، ونيجيريا، ورأى أنها قد لا يكون متوقعا لها ذلك اليوم، حين نحت مقولته ووضع أطروحته سنة 2001، ولكنهم يفتحون فرص مغرية ومثيرة للاستثمار والنمو الاقتصادي فيها كما فعلت دول البريكس من قبل[1].


ولكن في سياق التبرير للعلاقات مع إيران- التي هي ليست من دول البريكس- وروسيا- التي تنتمى لهذه المجموعة- تم تصوير زيارات الرئيس المصري محمد مرسي التقاربية مع سياسات روسيا- تطابق وجهات النظر- وإيران- مبادرة مشتركة تؤمن بنفس الحل السياسي وخطواته- أنها جزء من استراتيجية البحث عن فرص جديدة للاستثمار في مصر مع هذه الدول البريكس! وكأنها كيان محدد الهوية وليست دولا مختلفة، وثالثا كانت الحصيلة فشلا في الهدف الاقتصادي كما اتضح في الزيارة الروسية، والتحاقا وتبعية في الموقف السياسي وخاصة من أزمة الشعب والثورة السورية، مع نظام فشل كل حل سياسي معه.


وقد حاولت الإدارة المصرية ممثلة في الوزراء المرافقين ل مرسي التبرير لهذا التقارب الروسي المصري أنه بحث عن التعاون الاقتصادي مع مجموعة البريكس التي تضم( البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا) وأنها تبدي بها اهتماما خاصا، وقد قام الرئيس المصري محمد مرسي بزيارتها جميعا، وأبرم العديد من الاتفاقيات مع كل منها، والتي تمثل وفق هذا التصور مصدرا محتملا لتدفق الاستثمارات ل مصر المأزومة اقتصاديا..بعد الثورة وتعاني عجزا متضخما في موازنتها مع توتر وعدم استقرار داخلي وهجرة أموال وشركات استثمارية كبرى منها، وهو ما عبر عنه مرسي في حوار اجرته معه صحيفة هندية في 18 مارس الماضي، بأمنيته أن تضاف E الحرف الأول من EGYPT لمجموعة البريكس وتكون E+BRICS كما هي الحروف الأولى من أسماء هذه الدول على الترتيب.


وقد حملت زيارات مرسي المتكاثرة- التي تفوق عددا بزيارات أي رئيس مصري سابق- توجهات اقتصادية تبحث عن حل للأزمة الاقتصادية المتفاقمة واصطحب معه في زيارته للصين في 28 أغسطس 2012 وكذلك للهند في 18 مارس سنة 2013 لروسيا في 18 أبريل 2013 عددا كبيرا من الوزراء ورجال الأعمال.


لكن ما يلاحظه عدد من المراقبين والتقارير أن علاقة مصر بهذه الدول ليست جديدة، واحتفظت دائما بعلاقات اقتصادية جيدة مع كل منها، كما أن هناك فجوة اقتصادية هائلة وكبيرة بينها وبين هذه الدول، تصنع تفاوتا وعدم توازن بين مصالح مصر وهذه الأطراف، فضلا عن التباين في المواقف السياسية مع كل من روسيا والصين بالخصوص فيما يخص الأزمة السورية، كما يوضح الجدول التالي:


الدولة حجم التبادل التجاري مع مصر[2]
معدل نمو التعاون الاقتصادي بين عامي 2001 و 2011 الناتج المحلي قياسا ل مصر
وفق بيانات البنك الدولي عام 2011
مصر 229.5 مليار دولار[3]


الصين الشريك التجاري رقم 3 لمصر )بنسبة 3.4 % من إجمالي المعاملات التجارية لمصر مع العالم 34.17 % 7.318 تريليون دولار.

الهند الهند الشريك رقم 6 لمصر )بنسبة 2.1 % من إجمالي المعاملات التجارية لمصر مع العالم . 41.13 %، ) 1.873 تريليون دولار(،

روسيا
المرتبة الثامنة بنسبة 1.4
روسيا 44.69 %،
) 1.858 تريليون دولار(،


البرازيل المرتبة بنسبة 1.4 % و 22.05 %، ) 2.477 تريليون دولار(،

جنوب إفريقيا الشريك رقم 15
لمصر، )بنسبة 0.6 % من إجمالي المعاملات التجارية المصرية مع العالم 20.94% ) 408.2مليار دولار)


إنها ليست الأزمة السورية وحدها التي يتضح فيها تخبط السياسة الخارجية ل إدارة مرسي، ولكن لعلها مختلف ملفات الخارجية المصرية الأخرى، وفي مقدمتها ملف الامن المائي والعلاقات بالسودان، الذي قام مرسي بزيارته أوائل أبريل، وفوجئ المراقبون بتصريحات المسئولين السودانيين عن تعهد الرئيس المصري بالتنازل عن حلايب وشلاتين والعودة لوضع ما قبل عام 1995 و اللجوء للتحكيم الدولي بعد تهذيب هذه التصريحات..وهو ما نفته الرئاسة المصرية ورفضته دون تفصيل او توضيح كامل بعد ذلك، خاصة وأن ذلك محتمل مع تداعيات خطورة ملف الأمن المائي المصري الذي تساند فيه السودان دون غيرها من دول المنبع مصر، ومع الخطوات الدءوب ل إثيوبيا وكينيا تجاه هذا الملف، واستمرار غيبة السياسة الخارجية المصرية فيه.


كذلك يلاحظ تعقد وتخبط أداء السياسة الخارجية المصرية تجاه فضائها العربي والخليجي بالخصوص سواء مع المسافة بينها وبين مصر فيما يخص الملف السوري، خاصة مع تداخل مواقف الجماعة مع مواقف الرئاسة تجاه هذه الدول ومواقف هذه الدول تجاه جماعة الإخوان المسلمين فيها كذلك.


كما أن مواقف الرئاسة المصرية من مسائل الحرب على الإرهاب والتطرف لا زالت بحاجة لكثير من الوضوح، فضلا عن ان شعارات الترحيب بالمدنية والمواطنة وحقوق الإنسان والمرأة وحريات التعبير لا زالت محل اختبار يبدو أن الإدارة المصرية لم تنجح فيها حتى الآن، خاصة مع غياب أي نص دستوري في الدستور الجديد على احترام الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي وقعت عليها مصر التي تتبع ما كان يعرف بمحور الممانعة أو النموذج الإيراني في المنطقة في الوقت الذي لا تعلن ذلك.

داخليا.. شاهدنا استهداف ل مؤسسات الدولة ومحاصرة ل مؤسساتها بدأ بمحكمتها الدستورية العليا في 2 ديسمبر عام 2012، بعد أقل من خمسة شهور فقط من قسم مرسي الرئاسي وتنصيبه في مقرها، ولم ولن ينتهي بمحاصرة دار قضائها العالي في 19 ابريل الماضي، من قبل أنصار الرئيس نفسه، مما هشش مقولة وصورة دولة القانون في مصر، وهو وصف المحكمة الجزائية الفيدرالية في سويسرا في 24 فبراير سنة 2013[4] التي رفضت منح مصر الحق فى الاطلاع على ملف أموال الرئيس السابق، وبدون قيود وهو ماكانت النيابة العامة السويسرية قد وافقت عليه سابقا ثم تراجعت بعد تجاوز الرئيس وتدخله في النظام القضائي وعزل النائب العام الموقع على ههذ الاجراءات وتعيين بديل له دون اعتبار للمجلس الاعلى للقضاء، وهي الأزمة المستمرة حتى الآن.


وقبل ذلك وبعده يزيد الاستقطاب والتجاذب السياسي والطائفي والقبلي والفوضى الأمنية التي تهدد الدولة ككل واستقراراها وتكاد تعدم إي جاذبية للاستثمار أو النمو الاقتصادي فيها، فتكاد تغيب الدولة داخليا بينما يتشظى المجتمع انفلاتا امنيا وازديادا غير مسبوق ل معدلات الجريمة فيه[5]! ولكن تصر الشعارات الأيديولوجية دائما على المراوغة بدور خارجي كبير ووعود نهضة تستعيد ريادة مصرية في محيطها الإقليمي!
تتعمق الأزمات خلالها مع مؤسسات الدولة القضائية والدستورية والأمنية والتلاسن بحق المؤسسة العسكرية والجيش من قبل متطرفي الإسلاميين من مؤيدي محمد مرسي، كما تزيد الفجوة وفشلت دعوة الحوار وجولاته مع المعارضة السياسية، كما تستمر ملاحقات المؤسسات الإعلامية والحقوقية والمجتمع المدني، مع ترسانة القوانين التي ينفرد بإعدادها مجلس الشورى ذي الأغلبية الإسلامية والذي تحولت مهمته وفق الدستور الجديد- الذي انفرد به هؤلاء كذلك- للتشريع وليس الشورى والاستشارة، رغم أنه لم يكن اختيارا شعبيا بل شارك في التصويت عليه ما لا يزيد عن 7% من المصريين فقط!


ويبدو في الأفق- من آن لآخر- اتساع وخطورة الأزمة الطائفية مع تكرار حوداث العنف على أساس ديني، كما كان في أحداث الخصوص والكاتدرائية الأرثوذكسية في 7 ابريل الماضي عام 2013، وكذلك أزمة الأمن القومي بعد سيطرة الجماعات المسلحة على سيناء واستمرار مشكلة الأنفاق التي يبدو أنها تبطن خلافا بين المؤسسة العسكرية ومؤسسة الرئاسة في مصر حتى الآن.. كما تتوالد آثار الآزمة الاقتصادية خاصة مع فشل المحادثات مع صندوق النقد الدولي، وغياب رؤية اقتصادية أو سياسية ل إدارة الدولة، كما صرح المستشار القانوني للرئيس المصري المستقيل محمد جاد الله في حيثيات استقالته في 23 ابريل سنة 2013، لتنضم لاستقالات أخرى قدمها 12 من مستشاري الرئيس خلال اقل من 6 أشهر وبالتحديد عقب أزمة الاعلان المثير للجدل في نوفمبر 2012، وهو ما كشف عن غياب رؤية ل إدارة الدولة والتداخل المعيب بين جماعة الرئيس- أو عشيرته- وبين مؤسسات الدولة الأخرى.


ولعل هذا التخبط الداخلي ل إدارة مرسي يتضح بشكل أكبر مما اتضح في استقالة المستشار القانوني السابق فيما اعلنه بعد لقائه الأخير مع المجلس الأعلى للقضاء عقب مظاهرات الإسلاميين المسيئة للقضاء ومؤسساته في مصر في 19 أبريل، حيث تعهد مرسي أثناء الاجتماع المشار إليه في 28 أبريل سنة 2013 والذي انعقد في بعدم التدخل في القضاء وترك قانون السلطة القضائية لما يتوافق عليه القضاء، وسحبه من مجلس الشورى لعدم قبول الجماعة القضائية له، وهو ما أكدته قيادات في مجلس الشورى وحزب الحرية والعدالة الذراع السياسي ل جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها الرئيس، ولكن فوجئنا بأن مصادر من الرئيس تنفي صدور تعهد قاطع من الرئاسة بذلك، وهو ما تأكد بعد ذلك في مناقشات مجلس الشورى المشار إليه[6] واكتفى الرئيس ومجلس القضاء برعاية مؤتمر لمناقشة العدالة في مصر!! لم يحدد موعده حتى الآن على ما يبدو! وعماذا سيتمخص الا عن توصيات تكون بيد صانعي المشاكل التي لا تحل!

تجاوزت مصر مرحلتها الانتقالية بانتخاب رئيسها محمد مرسي في يونيو عام 2012، داخليا وخارجيا، بأغلبية قليلة على منافسه المنتمي للنظام السابق في آخر أيام الأخير، بشعار مدني أساسي وبوعود ديمقراطية حقيقية تحترم القضاء والإعلام والحريات وتصر على عدم إنتاج النظام السابق وما شابه من تسلطية ووشائج ومصالح قرابية أو نفعية، بل واستعادة دور مصر الخارجي ومعالجة كل ملفاتها المهمة والخطيرة كالملف المائي ودورها في المحيطين العربي والإقليمي والدولي، ولكن حتى تاريخه لم تتحقق أي بادرة للنهضة في الواقع المصري المتراجع سياسيا واقتصاديا وطائفيا، كما يبدو التخبط واللعب على التناقضات الدولية في محاولة للانفلات من الضغط الداخلي السياسي والاقتصادي والضغط الخارجي بخصوصه هو الناظم لتوجهات إدارة مرسي.


حين تتحكم غاية البقاء والتسلط ب جماعة ما فلا شك أنها تراها المرجعية الأولى لمبادئها وسلوكياتها، ويكون الآخر هو الجحيم، ويكون الحق هو ما تراه حتى وإن أتى متناقضا مترددا غير قادر على الحسم والوضوح، وتعجز بالتالي عن عقلنة أدائها أو علاقاتها داخليا أو خارجيا، عبر إدارة واعية بالتنوع وشروطه، أو إدارة مسئولة عن منطق الدولة الحديثة في رعاية الحقوق الإنسانية في الشأن الداخلي أو الشأن الخارجي! في حقوق الوطن والمواطنة أو شعارات حقوق الأمة والتغالب!


من هنا لم يعد ممكنا تجاهل أزمة الربيع- أو الثورات- العربية بعيدا عن أزمة العقل والثقافة العربية ككل، ومنطق السلطة والتسلطية الحاكم في بلدان ما بعد الثورات، التي فاضت شعاراتها ووعودها الثورية إسقاطا للأنظمة السابقة، ولكن أسقطت مقولات النظام والدولة معها، وبقيت الشعارات المدنية التي أزاحتها القوى الإسلامية المنظمة وشعاراتها الأكثر عاطفية وإثارة للجماهير في مضمار المعارضة قبل الحكم! هكذا كان شعار العباسيين حين وصلوا للحكم على أنقاض بني أمية سنة 132 هجرية " الثأر ل آل محمد" بينما حمل أول خلفائهم لقب " أبو العباس السفاح" وكتب أبو الفرج الأصفهاني كتابه" مقاتل الطالبيين" التي كانت أغلبيتها في عهد بني عمومتهم بني العباس الذين وصلوا للسلطة بوعد إنصافهم! هكذا تتعانق السلطة والأيدولوجية الشعاراتية معا لينتجا التخبط والتناقض البنيوي في الأداء وبراجماتية البقاء في كل عصر تسلطي، وهو أحد ما يخشى منه في دول ما بعد الثورات العربية!


كما أن الجماعة الأيدولوجية تتحرك دائما بهواجس الشعور بالخطر فتتخبط ملفاتها ومسئولياتها، بين مسئوليتها، السلطة، وبين غاياتها وجماعاتها، فلا تشعر بالاطمئنان لأي نقد ويسهل اتهامه، فمجرد اعلان حزب سلفي عن توجه عدد من دعاته ومسئوليه لزيارة الولايات المتحدة بغرض الدعوة أوالحوار، تم اتهامه بالخيانة من ممثلي وحلفاء جماعة الإخوان المسلمين، الذين تعاقبت زياراتهم للولايات المتحدة في الأوقات السابقة، ومجرد تهديد رئيس نادي القضاة المصري باللجوء للمحكمة الجنائية الدولية من تدخل السلطة المصرية في شئون القضاء المصري والاعتداء على استقلاله الذي دفع وزير العدل المصري لتقديم استقالته قبل التعديل الحكومي المرتقب، ودفع مستشار الرئيس للشئون القانونية للاستقالة في نفس الشهر للاستقالة- كما أسلفنا ذكره- جعل البعض يعودون للغة التخوين رغم أن المحكمة الجنائية الدولية ليس لها مقر بها ولم توقع الولايات المتحدة على اتفاقيتها حتى الآن.


هذه الهواجس هي التي تجعل العلاقة المصرية بالولايات المتحدة محل التباس وعدم اتضاح في الشهور الأخيرة كذلك، خاصة بعد زيارة وزير الدفاع الأمريكي ل مصر في 20 أبريل الماضي، وحديثه عن الجيش كضامن أخير للاستقرار في مصر، ولعلها هي التي دفعت بتماهي موقف الرئيس مرسي وسياسته الخارجية- التي تتكي على فاعلين منتمين لجماعته بشكل رئيس، وليس على وزارة الخارجية المصرية- مع الموقفين الروسي والإيراني الداعمين لنظام بشار الأسد وفاعلين مؤثرين في حربه ضد شعبه، وهو ما يختلف كذلك مع الموقف القطري المؤيد للثورة السورية، ورحيل بشار الأسد، دون أدنى انتباه ل معاناة الشعب السوري الذي سبق أن صفق له ورحب بتصريحاته في قمة طهران في أغسطس سنة 2012.


ولعل لا يكفي في هذا السياق تفسير التوجه روسيا أو إيرانيا، بمجرد مخالفة النظام السابق الذي عرف بعلاقاته الأمريكية والخليجية الوطيدة، أو الانحباس في أنه سعى لحل الأزمة الاقتصادية المصرية، بعد إعلان منح ليبيا مصر قرضاً معفياً من الفوائد قدره مليارا دولار أمريكي، سيتعيّن على مصر تسديد هذا القرض خلال خمس سنوات تبدأ بعد مهلة أولية قدرها ثلاث سنوات، كما سبق أن تعهدت قطر في 10 أبريل بمساعدة مصر بمبلغ قدره ثلاثة مليارات دولار. وهو ما يفوق ما تحتاجه مصر من ممثلي صندوق النقد الدولي الذين تواجدوا في مصر لمناقشة قرض محتمل قدره 4.8 مليار دولار، لم تعلن نتائج الحصول عليه حتى الآن وإن تواترت العديد من الأنباء عن فشله، لكن الحكومة المصرية التي يقودها الإخوان المسلمون تبدو غير راغبة أو غير قادرة على تلبية شروط صندوق النقد الدولي، لا سيما تلك المتعلقة بتخفيض الإنفاق العام والدعم الحكومي للطاقة ومعالجة الأزمة السياسية غير المستقرة في البلاد، والتي لا تبدو في الأفق خطوات واضحة لتقديم واضحة وحلول ناجعة بشأنها سوى الانشغال بالزيارات الخارجية واللعب على التناقضات الدولية دون غاية غير البقاء في مضمار الأزمة.

إعداد: هاني نسيرة

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.