إيران.. مشهد انتخابي مُعقّد

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
10 دقائق للقراءة

رغم أن إيران شهدت أكثر من 33 استحقاقاً انتخابياً مختلفاً ما بين انتخابات رئاسية، وبرلمانية، ومحلية، ومجلس خبراء، فإن انتخابات الدورة الحادية عشرة لرئاسة الجمهورية التي سوف تجري في 14 يونيو/حزيران 2013، تعتبر هي الأقوى والأكثر تأثيراً في تاريخ نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وذلك بسبب عمق الأزمة التي يعاني منها النظام، والتي تصاعدت مع فوز الرئيس محمود أحمدي نجاد بفترة رئاسية ثانية في عام 2009، وهو ما قوبل برفض من جانب ما يسمي "الحركة الخضراء" التي قادت حملة رفض نتائج الانتخابات، وانتهى الأمر بفرض الإقامة الجبرية على قادتها، وهما المرشحان الخاسران في انتخابات 2009، مير حسين موسوي ومهدي كروبي، خصوصاً بعد محاولتهما استثمار تأييد إيران للثورتين التونسية والمصرية لتنظيم مظاهرات جديدة منددة بسياسات النظام وتناقضه بين قمع الحريات في الداخل وتأييد الثورات في الخارج، فضلاً عن اعتقال عدد كبير من أنصارها، والتضييق على بعض الشخصيات السياسية الأخرى التي أبدت تعاطفاً معها، على غرار الرئيس السابق محمد خاتمي، والرئيس الأسبق رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني، الذي حُرم من إمامة صلاة الجمعة، وفقد رئاسة مجلس الخبراء، بعد ما دفع خصومه السياسيون بمرشحهم محمد رضا مهدوي كني أمين عام جمعية "روحانيت مبارز" (جمعية علماء الدين المناضلين) لمنافسته على رئاسة المجلس، ما دفع رفسنجاني إلى الانسحاب.

ومن دون شك، فإن دخول المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي، على خط تلك الأزمة، بدعمه الواضح للرئيس أحمدي نجاد ورفضه تأكيدات المعارضة بارتكاب عمليات تزوير لنتائج الانتخابات، جعله طرفاً مباشراً فيها، وهو ما يفسر أسباب الدعوات المتتالية من جانب "الحركة الخضراء" وبعض قوى التيار الإصلاحي، التي أطلق عليها المحافظون مسمى "تيار الفتنة"، إلى فرض رقابة على صلاحيات المرشد الأعلى للجمهورية، ولم يكن ظهور شعارات من قبيل "الموت للديكتاتور" في المظاهرات التي نظمتها الحركة بعد الانتخابات سوى مؤشر على أن النظام الإيراني يواجه أزمة عميقة لم يستطع تجاوز تداعياتها القوية حتى الآن.

لكن الملف للانتباه أنه رغم الدعم القوي الذي قدمه المرشد للرئيس أحمدي نجاد، خلال أزمة الانتخابات، إلا أن الأخير حرص، في كثير من الأحيان وبالتحديد خلال فترته الرئاسية الثانية، علي الخروج من "عباءة" المرشد، فبدأ في اتخاذ خطوات تشير إلي أنه يحاول الاستفراد بإدارة شئون الدولة كرئيس للسلطة التنفيذية، وهو ما اعتبره المرشد والقوي السياسية الموالية له، سعيا للانتقاص من صلاحياته، وجاءت أزمة إقالة وزير الاستخبارات حيدر مصلحي من منصبه في أبريل 2011، لتفرض توترا مستمرا علي العلاقة بين المرشد والرئيس، بعد أن تدخل خامنئي وألغي قرار الرئيس بإقالة مصلحي، ما دفع الرئيس إلي الاعتكاف في منزله عشرة أيام احتجاجا علي القرار، قبل أن يعود بعد ذلك إلي ممارسة عمله من جديد.

فضلا عن ذلك، سعي الرئيس، في أكثر من مناسبة، إلي الاستناد للجانب "الجمهوري" من النظام الإيراني، الذي يعلي من دور "دولة المؤسسات"، في مواجهة الصلاحيات "الروحية" للمرشد التي تمثل "الجانب الثيوقراطي" في النظام. فقد تعمد أحمدي نجاد، علي سبيل المثال، تأكيد أن "أحدا ليس فوق الشعب"، مضيفا: "نسعى إلى انتخابات حماسية، تسجل رقما قياسيا وتترجم إرادة الشعب بقرار حاسم. تسعى الحكومة إلى تأمين قاعدة مشاركة الشعب في الانتخابات، ولا يحق لأحد أن يعتقد بأنه فوق الشعب، أو يستطيع التأثير أو فرض وجهة نظره على قراره. الجميع متساوون أمام القانون"، وهي إشارة ضمنية إلي أن المرشد لا يستطيع التحكم في اختيار الشعب لرئيس الجمهورية، كما أنها رسالة تحذيرية لمجلس صيانة الدستور، الذي يمثل أيضا الجانب الثيوقراطي للنظام، من رفض مستشاره ومرشحه للانتخابات اسفنديار رحيم مشائي.

وبالطبع، فإن ذلك لم يكن السبب الوحيد في توتر العلاقة بين المرشد والرئيس. إذ أن حرص الأخير علي دعم مشائي في مواجهة منتقديه وعلي رأسهم خامنئي، وقيادة فريق سياسي يتبني رؤي ليبرالية وقومية أثارت في كثير من الأحيان استياء المرشد ورجال الدين، خصوصا في ظل ترويج هذا الفريق لفكرة "العودة القريبة للإمام"، والتي تعني بشكل واضح، انتفاء الحاجة لمنصب المرشد نفسه باعتباره نائبا عن الإمام إلي حين عودته.

وعلي ضوء ذلك تزايدت مساحة الخلافات بين الرئيس وخصومه السياسيين الموالين للمرشد الأعلي، وهو ما انعكس في التوتر الذي فرض نفسه علي العلاقة بين الرئيس والبرلمان، الذي سيطر عليه أنصار خامنئي، بعد الانتخابات التشريعية التي أجريت علي مرحلتين في 2 مارس و4 مايو 2012، وهو ما بدا جليا في استجواب الرئيس أحمدي نجاد أمام البرلمان حول أداء حكومته في سابقة هي الأولي من نوعها في تاريخ الجمهورية الإسلامية، وتجميد المرحلة الثانية من مشروع "ترشيد الدعم" الذي تبنته الحكومة، فضلا عن سحب الثقة من بعض وزراءها، وكان آخرهم وزير العمل عبد الرضا شيخ الإسلام، في 4 فبراير 2013، علي خلفية تعيينه المدعي العام السابق سعيد مرتضوي، الذي أدين بتهمة تعذيب إصلاحيين خلال أزمة 2009، في منصب رئيس مكتب الضمان الاجتماعي.

وقد تسبب هذا القرار في نشوب تلاسن علني بين الرئيس أحمدي نجاد ورئيس مجلس الشوري علي لاريجاني، بعدما أذاع الرئيس تسجيلا صوتيا لفاضل لاريجاني شقيق رئيسي البرلمان والقضاء، يطلب فيه رشوة من مرتضوي مقابل حصول الأخير علي دعم سياسي من جانب شقيقيه، وهو ما رد عليه رئيس البرلمان باتهام أحمدي نجاد بـ"عدم الأخلاق".

كما تعمد الرئيس، أكثر من مرة، التلميح إلي أنه لا يتحمل مسئولية الأزمة الاقتصادية التي تواجهها إيران بسبب العقوبات الدولية المفروضة عليها، بتلميحاته المتكررة إلي "تنظيمات لديها مصارف ومصالح خاصة، ولا تبرز نفسها، وتسعى إلى خصخصة بلا قواعد"، في إطار اتهامه لـ"300 أو 400 شخصية نافذة، بالسيطرة على الاقتصاد الإيراني"، في إشارة ضمنية للحرس الثوري، الذي تصاعدت حدة التوتر في علاقته مع الرئيس خلال فترته الرئاسية الثانية.

وسط هذا المناخ المفعم بكثير من عوامل الاحتقان والتوتر، بدا أن خريطة القوي السياسية الإيرانية تغيرت بشكل جذري. أولي معالم هذا التغيير كان انزواء قوي التيار الإصلاحي، علي خلفية الأزمة السياسية التي أنتجها الاعتراض علي نتائج الانتخابات الرئاسية التي أجريت في عام 2009 والسياسة القمعية التي تبناها النظام في مواجهة الاحتجاجات، بعد اقتراب بعض هذه القوي من قوي المعارضة التي ترفض نظام الجمهورية الإسلامية وولاية الفقيه، فضلا عن صدور قرارات بحظر بعضها مثل "جبهة المشاركة الإسلامية"، و"منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية"، وإن كان هذا الحزبين قد أعلنا دعمهما لرئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني في الانتخابات الرئاسية التي سوف تجري في يونيو القادم.

لكن إيران لم تعتد منذ نجاح الثورة الإسلامية عام 1979 علي سيطرة تيار سياسي واحد علي النظام حتي لو كان الأقرب إليه، لذا فما أن خرج الإصلاحيون من السلطة، حتي انقسم التيار المحافظ إلي "محافظين تقليديين" و"محافظين أصوليين"، وهذا الجناح الأخير انقسم بدوره إلي أكثر من فريق سياسي: الأول، يقوده الرئيس أحمدي نجاد ويسميه خصومه بـ"تيار الانحراف" لتبنيه رؤي ليبرالية وقومية يرفضها بشدة رجال الدين. والثاني، يقوده خصوم الرئيس في البرلمان، من المقربين من المرشد خامنئي، أمثال علي لاريجاني رئيس مجلس الشوري. والثالث، يحظي برعاية المرجع الديني المتشدد آية الله محمد تقي مصباح يزدي الذي بدأ في توجيه انتقادات لاذعة للرئيس بسبب دعمه لرحيم مشائي، بعد أن كان بمثابة "الأب الروحي" له، لا سيما خلال فترته الرئاسية الأولي.

وعلي ضوء ذلك، يمكن تقسيم خريطة القوي السياسية الموجودة علي الساحة السياسية، والتي ستدعم مرشحين في الانتخابات إلي خمسة تيارات رئيسية: الأول، المحافظون الأصوليون المقربون من المرشد الأعلي للجمهورية، وتدعمهم جمعية "علماء الدين المبارزين" (روحانيت مبارز) التي يتولي أمينها العام مهدوي كني رئاسة مجلس الخبراء، و"رابطة مدرسي الحوزة العلمية بقم"، ويمثلهم ائتلاف "2+1" الذي يضم مستشار المرشد للعلاقات الدولية الدكتور علي أكبر ولايتي، ورئيس مجلس الشوري السابق النائب الحالي غلامعلي حداد عادل، ورئيس بلدية طهران محمد باقر قاليباف، إلي جانب "الائتلاف الخماسي" المقرب من "جبهة أتباع خط الإمام والزعامة"، ويضم وزيري التجارة والخارجية السابقين يحيی آل إسحق ومنوشهر متقي ورئيس هيئة التفتيش المركزي مصطفی بور محمدي، ونائبي رئيس مجلس الشوري محمد رضا باهنر ومحمد حسن أبو ترابي، وإن كان من المرجح أن يستمر الأخير في السباق الانتخابي بعد اتفاق المرشحين الخمسة علي ذلك، خصوصا بعد ترشح رفسنجاني ورحيم مشائي.

والثاني، الفريق الذي يقوده الرئيس أحمدي نجاد، ويضم أبرز مساعديه اسفنديار رحيم مشائي، الذي هدد باللجوء إلي "خيارات تصعيدية" في حالة رفض ترشيحه من قبل مجلس صيانة الدستور، إلي جانب نائب الرئيس محمد رضا رحيمي، ومستشاره السابق لشئون الإعلام علي أكبر جوانفكر، الذي كان محور الخلاف بين الرئيس والقضاء عندما رفض الأخير طلب الرئيس زيارته في السجن بعد إدانته بإهانة المرشد ونشر مقال منافٍ للذوق العام علي موقعه الإليكتروني، إلا أنهما انسحبا لصالح مشائي.

والثالث، المحافظون الأصوليون الذين يحظون بدعم قائمة "الاستقامة" التي يرعاها آية الله مصباح يزدي، مثل وزير الصحة السابق كامران لانكراني. إلا أن هذا التيار ربما يتجه إلي تأييد أمين مجلس الأمن القومي سعيد جليلي في المرحلة النهائية للانتخابات، لا سيما في حالة رفض مجلس الصيانة ترشيح لانكراني.

والرابع، المعتدلون القريبون من المحافظين التقليديين والإصلاحيين "المتدينين"، ويضم رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني، ورئيس مركز الدراسات التابع للمجلس الدكتور حسن روحاني، وإن كان من المرجح أن ينسحب الأخير في حالة إفلات رفسنجاني من "مقصلة" مجلس الصيانة، لا سيما في ظل التقارب الأيديولوجي والسياسي في الطرفين، فضلا عن أن رفسنجاني يمتلك قاعدة شعبية أوسع، ويحظي في الوقت ذاته بدعم التيار الإصلاحي، وهو ما عبر عنه الرئيس السابق محمد خاتمي بقوله أن ترشح رفسنجاني في الانتخابات يمثل "نصرا للإيرانيين".

ورغم السياسة التعسفية التي يتبناها النظام مع الإصلاحيين، فقد قدم بعض المرشحين المحسوبين علي هذا التيار أوراقهم إلي لجنة الانتخابات مثل مصطفي كواكبيان، ومحمد رضا عارف، ومحمد شريعتمداري، لكن من المرجح أن يتم رفضهم من جانب مجلس الصيانة، أو أن ينسحبوا لصالح رفسنجاني.

لكن هذه الخريطة ليست مكتملة المعالم، بانتظار الرأي الفصل لمجلس صيانة الدستور الذي مدد المهلة المحددة للنظر في ملفات المرشحين حتي 21 مايو الحالي، وهي إشارة أخري إلي مدي تعقد المشهد الانتخابي الذي يفرض نفسه علي الساحة السياسية الإيرانية في الوقت الحالي، أولا بسبب الصراع السياسي المحموم بين الفريق الذي يؤيد المرشد والفريق الذي يقوده الرئيس أحمدي نجاد، الذي يرغب في عدم ترك الساحة السياسية في ما بعد انتهاء فترته الرئاسية، وثانيا، بسبب العدد الكبير من المرشحين "الرئيسيين" الذين تقدموا للترشيح، بشكل يشير إلي أن هذه الانتخابات سوف تكون، علي الأرجح، الأقوي والأكثر تأثيرا في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

*دراسة أعدها محمد عباس ناجي - باحث بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام- منسق مجلة "مختارات إيرانية".

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.