.
.
.
.

بعد استبعاد رفسنجاني.. السباق الرئاسي وتداعيات الأزمة

نشر في: آخر تحديث:

تكمن مشكلة رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني في أنه لن يكون "رئيسا مطيعا، وقد توالت أزمات مع نظام الولي الفقيه مرتبطة بأسرته أو به شخصيا، وهو ما مثل عاملا مهما في السعى لاستبعاده الذي تم من قبل مجلس صيانة الدستور، خاصة بعد الأزمات العديدة التي أثارها الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد، والتي سببت إحراجا لنظام الجمهورية الإسلامية في كثير من الأحيان، دفعت المرشد الأعلي علي خامنئي والموالين له إلي وضع معايير خاصة لرئيس الجمهورية القادم، لم تكن في كل الأحوال مناسبة ل هاشمي رافسنجاني ـ"رفيق كفاح" خامنئي في السابق، ورغم أن رفسنجاني قال أنه لم يكن ليترشح لو لم يوافق المرشد، إلا أنه لا يوجد من المؤشرات ما يؤكد أن الأخير منحه ضوءً أخضر للمنافسة علي منصب رئيس الجمهورية.

وفي كل الأحوال، فإن قرار مجلس صيانة الدستور بتقليص عدد المرشحين للانتخابات الرئاسية من 686 إلي 8 فقط، بلور إلي حد ما خريطة المرشحين للرئاسة، والتي ربما تشهد تغييرات خلال المرحلة المقبلة، علي ضوء التحولات المحتملة في فرص كل من المرشحين الثمانية، وهم:

1- مستشار المرشد للعلاقات الدولية الدكتور علي أكبر ولايتي.
2- النائب غلام علي حداد عادل (نسيب خامنئي).
3- رئيس بلدية طهران محمد باقر قاليباف.
4- أمين مجلس الأمن القومي سعيد جليلي.
5- أمين مجلس تشخيص مصلحة النظام محسن رضائي.
6- رئيس مركز الدراسات التابع لمجلس التشخيص الدكتور حسن روحاني.
7- نائب الرئيس السابق محمد رضا عار.
8- وزير الاتصالات الأسبق محمد غرضي.

إذ يمكن القول إن التحالف الثلاثي لـ"المحافظين المبدئيين" الموالين للمرشد، الذي يطلق عليه ائتلاف "2+1" ويضم كلا من ولايتي وحداد عادل وقاليباف، لن يستمر علي الأرجح حتي نهاية السباق الانتخابي، في ضوء اتفاق المرشحين الثلاثة علي ضرورة انسحاب اثنين لصالح واحد فقط، لكن ذلك لا يعني أن رئيس الجمهورية سوف يكون حتما من ضمن هؤلاء المرشحين الثلاثة، في ضوء وجود مرشح آخر قوي هو سعيد جليلي، الذي أعلن أكثر من مرشح مستبعد دعمه، والذي بدأ في تدشين حملة انتخابية بزيارة بعض كبار مراجع الدين في حوزة قم، الذين يمثلون رقما مهما في الصراع السياسي للوصول إلي رئاسة الجمهورية.

ورغم أن جليلي عزف عن الانضمام إلي أية ائتلافات انتخابية قبل الترشيح للانتخابات، فضلا عن أنه حرص علي تبني موقف غامض تجاه مسألة الترشيح، قبل أن يقدم أوراقه في الدقائق الأخيرة، فإنه لا يخرج عن الخط السياسي العام الذي يلتزم به ائتلاف "2+1"، بما يعني أنه يدخل ضمن فئة "المحافظين" الموالين للمرشد خامنئي، إلي جانب المرشح الآخر أمين مجلس تشخيص مصلحة النظام محسن رضائي، الذي سبق أن ترشح في الانتخابات الرئاسية السابقة ولم يحصل سوي علي 1,7% من الأصوات.

وبالطبع فإن ما يزيد من فرص جليلي، التي مازالت غير مضمونة، هو أنه ليس علي "عداء واضح" مع الرئيس الحالي أحمدي نجاد، رغم أن منصبه الحساس كأمين لمجلس الأمن القومي يجعله دائما علي "خط تماس" مع الرئيس، وهو ما تسبب في فترات سابقة في نشوب أزمات عديدة بين الرئيس وأمين المجلس، علي غرار ما حدث مع رئيس مجلس الشوري الحالي علي لاريجاني الذي قدم استقالته من منصبه كأمين للمجلس عام 2007، بعد خلافاته الواسعة مع أحمدي نجاد، الذي أدي فوزه بالانتخابات الرئاسية عام 2005، إلي استقالة الدكتور حسن روحاني (المرشح الحالي للرئاسة) من المنصب نفسه.

توافق محتمل

من هنا فإن جليلي ربما يكون "المرشح التوافقي" الذي يحظي بقبول الطرفين: تيار خامنئي وفريق أحمدي نجاد، رغم أن الأخير ربما يعمد إلي عدم دعم أي من المرشحين احتجاجا علي استبعاد مرشحه اسفنديار رحيم مشائي من الانتخابات، فضلا عن أنه ما زال مصرا علي أن المرشد يمكن أن يحل مشكلة استبعاد مشائي بإصدار قرار يتيح للأخير العودة مرة أخري إلي السباق الانتخابي.

لكن المشكلة التي تواجه جليلي، تتمثل في أنه يفتقد إلي الخبرة التنفيذية اللازمة التي تؤهله لإدارة شئون الدولة، إذ أن عنصر تميزه الوحيد يكمن في الجانب "الفني" المتعلق بالملف النووي الإيراني، حيث ترأس فريق المفاوضات الإيراني مع مجموعة "5+1" منذ توليه منصبه كأمين للمجلس الأعلي للأمن القومي. وبالطبع، فإن هذه المشكلة نفسها تواجه بعض المرشحين الآخرين، لا سيما الدكتور علي أكبر ولايتي، والدكتور حسن روحاني.

أما قاليباف، فقد اكتسب سمعة طيبة علي الساحة الداخلية، منذ توليه منصب رئيس بلدية طهران (وهو للمفارقة المنصب الأخير لأحمدي نجاد قبل أن يصبح رئيسا)، كما أنه محسوب علي الحرس الثوري، حيث كان قائدا للقوات الجوية التابعة للحرس، إلا أنه يفتقد للخبرة اللازمة في الشئون الخارجية، وهي مشكلة يواجهها مرشحون آخرون علي غرار محسن رضائي، وغلامعلي حداد عادل، ومحمد رضا عارف، ومحمد غرضي. ومع ذلك، فإن قاليباف لديه فرصة في الفوز بتأييد المحافظين الأصوليين في الانتخابات، ومن ثم الوصول إلي منصب رئيس الجمهورية.

لكن حظوظ المرشحين "المحافظين المبدئيين" سوف تتبلور خلال المرحلة القادمة بناءً علي مدي إمكانية انضمام جليلي للائتلاف الثلاثي، وعلي استطلاعات الرأي التي ستعتمد علي البرامج الانتخابية التي سوف يطرحوها، مع عدم إغفال الدور المهم الذي يمكن أن تمارسه كل من "جمعية علماء الدين المناضلين" و"جمعية مدرسي الحوزة العلمية بقم" في ترجيح كفة أي من المرشحين المتنافسين.

روحاني.. مرشح رفسنجاني

يبدو أن روحاني كان مدركا لاحتمال استبعاد رفسنجاني من الانتخابات، وهو ما دفعه إلي عدم التعجل بالانسحاب لصالح الأخير فور ترشحه، بل إن بعض المعلومات تشير إلي أن رفسنجاني نفسه طلب من روحاني عدم اتخاذ أي قرار قبل أن يبت مجلس صيانة الدستور في ملفات المرشحين.

وبالطبع، فإنه بعد استبعاد رفسنجاني يصبح روحاني، رجل الدين الوحيد ضمن المرشحين الثمانية، هو مرشح التيار "المعتدل" الذي يمثله "حزب كوادر البناء" الذي أسسه رفسنجاني، وهو ما يزيد من احتمال أن يحظي بدعم من جانب أنصار رفسنجاني، دون أن يعني ذلك تحوله لأن يكون مرشح المعتدلين والإصلاحيين، لا سيما لجهة غموض موقفه، علي عكس رفسنجاني، من حالة التضييق التي يفرضها النظام علي الإصلاحيين، والتي تبدو جلية في فرض الإقامة الجبرية علي المرشحين الإصلاحيين الخاسرين في الانتخابات الرئاسية الأخيرة مير حسين موسوي ومهدي وكروبي، واعتقال عدد كبير من كوادر وأنصار التيار علي مدي الأعوام الماضية، منذ اندلاع الأزمة السياسية عام 2009. فضلا عن أن استبعاد رفسنجاني سوف يزيد من احتمال عزوف بعض أنصاره عن التصويت في الانتخابات. في حين تبدو فرص المرشح الآخر المحسوب علي "المعتدلين" وزير الاتصالات الأسبق محمد غرضي ضعيفة، في ضوء افتقاره لدعم واضح من جانب هذا التيار.

ممثل الإصلاحيين

كان لافتا موافقة مجلس الصيانة علي ترشيح محمد رضا عارف نائب الرئيس السابق محمد خاتمي، وهي خطوة متعمدة لعدم إعطاء انطباع بأن الانتخابات أصبحت منحصرة داخل تيار المحافظين الأصوليين، وربما دفع قسم من التيار الإصلاحي للتصويت في الانتخابات بهدف رفع نسبة المشاركة، التي يعول عليها النظام الإيراني لتوجيه رسالة إلي الخارج بأنه يحظي بقاعدة شعبية يعتد بها في الداخل، وهو ما دفعه إلي إجراء انتخابات مجالس الشوري المحلية (البلديات) بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية. إلا أن استبعاد بعض المرشحين الرئيسيين علي غرار رفسنجاني ومشائي ربما يؤثر بالسلب علي نسبة المشاركة.

احتمالات ضعيفة

لكن رغم حملة الاستبعاد التي شنها مجلس صيانة الدستور، فإن ذلك لن يؤدي، علي الأرجح، إلي اندلاع أزمة جديدة داخل إيران علي غرار ما حدث في عام 2009، إذ ربما تشهد بعض المناطق احتجاجات، لكنها لن تصل إلي الدرجة التي تهدد النظام، وذلك لاعتبارات عديدة:

أولها: مشكلة التماسك في التيار الإصلاحي:

لا يمكن الحديث عن وجود تيار إصلاحي متماسك يستطيع أن يقود حركة احتجاج واسعة في الوقت الحالي، فإلي جانب السياسة القمعية التي تبناها النظام الإيراني تجاه كوادر وأنصار الإصلاحيين علي مدي الأعوام الماضية، فإن ثمة انقساما حادا نشب داخل التيار الإصلاحي، بين قوي باتت ترفض نظام ولايه الفقيه، وقوي ما زالت تؤمن بهذا النظام وتعمل في إطاره. ويبدو عزوف الرئيس السابق محمد خاتمي عن الترشح في الانتخابات وتفضيله دعم رفسنجاني، مؤشرا دالا علي الوضع الصعب الذي بات يواجهه الإصلاحيون في الوقت الحالي.

ثانيها: استعداد النظام لإجهاض أي أزمة منذ فترة طويلة:

استعد نظام الولي الفقيه منذ فترة طويلة- بعد خبرته مع الانتخابات الرئاسية في يونيو سنة 2009- لإجهاض أية أزمات محتملة في مهدها، في ضوء ربطه بين ما يواجهه في الداخل من تحديات، وبين "مؤامرت" خارجية يزعم أنها تحاك ضده بهدف تفجير "ربيع إيراني" يطيح به علي غرار ما حدث في العديد من الدول العربية. وقد كان حديث ممثل المرشد في الحرس الثوري علي سعيدي عن ضرورة "هندسة الانتخابات الرئاسية" مؤشرا علي أن النظام لن يتسامح مع أية تحركات لتنظيم احتجاجات بالتزامن مع إجراء الانتخابات، حيث قال سعيدي في هذا السياق: "إن لدى الحرس واجبا أصيلا في هندسة معقولة ومنطقية للانتخابات لمواجهة حرب بالوكالة تشنها واشنطن على طهران"، مضيفا أن "الحرس لا يتدخل مباشرة في الانتخابات، بل يضع إطارها العام ومبادئها التوجيهية".

ثالثها: أن السلطات اتخذت إجراءات احترازية واستباقية بهدف وأد أي أزمة في مهدها، علي غرار اعتقال عدد كبير من الصحفيين والمدونين المؤيدين للتيار الإصلاحي، وفرض قيود علي شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي التي مثلت رقما مهما في الاحتجاجات التي تلت الانتخابات الرئاسية عام 2009.

رابعها: أن رفسنجاني أبدي موقفا "هادئا" تجاه استبعاده من الانتخابات. فرغم أنه أعرب، حسب ما نقله موقع "كلمة" المحسوب علي المعارضة، عن اعتقاده بأن "البلاد لا يمكن أن تدار بطريقة أسوأ من الطريقة التي تدار بها حاليا"، مضيفا: "لا أريد أن أتدنى إلى مستوى دعايتهم وهجماتهم، غير أن الجهل مزعج"، إلا أنه شدد علي أنه لن يخرج من "عباءة النظام" حتي مع استبعاده، حيث طالب أنصاره بـ"الهدوء ومساعدة الرئيس المقبل للبلاد على التغلب على المشكلات خصوصا منها الاقتصادية والسياسية"، إلي جانب "الالتفاف حول المرشد الأعلى خامنئي"، بل أتى بيانه الذي اذاعه موقع انتخاب مساء يوم الجمعة الموافق 24 مايو سنة 2013 أشبه بالاعتذار والمسئولية تجاه إصلاح النظام أكثر من معارضته، فلم يذكر في بيانه الهادئ دعمه لأي من المرشحين الآخرين القريبين من الاعتدال مثل حسن روحاني أو محمد رضا عارف، وداعيا للإصلاح بين المحافظين والإصلاحيين، ومؤكدا على أن إيران تعاني الكثير من المشاكل السياسية والثقافية والاجتماعية ومحذرا من التهديدات الخارجية والفرقة السياسية.

والملفت للانتباه في هذا السياق، أن الرئيس أحمدي نجاد أبدي موقفا "مهادنا" بدوره، إذ أكد علي أنه "لا مشكلة في وجود المرشد"، مشيرا إلي أنه سيطالب الأخير بالتدخل في القضية، وإن كان ذلك لا يعني أنه سوف يستسلم للجهود الحثيثة التي يبذلها خصومه بهدف استبعاده من الساحة السياسية، خصوصا أن جزء من إصراره علي ترشيح مشائي يرتبط بسعيه للبقاء رقما مهما في المشهد السياسي الإيراني خلال مرحلة ما بعد خروجه من الرئاسة.

خامنئي بدوره بدا حريصا علي تقليص حدة التوتر التي فرضتها قرارات الاستبعاد التي اتخذها مجلس الصيانة، حيث أكد علي أن "من رفضت أهليتهم، ليسوا بالضرورة غير كفوئين"، مشيرا إلي أن "السلطة التي رفضت المصادقة على أهليتهم ربما لم تكن حذرة بما يكفي"، وهي إشارة إلي أن المرشد يرغب في أن يترك لنفسه حرية التدخل للسماح لمرشحين بالانضمام إلي السباق الانتخابي في حالة رأي ضرورة لذلك، ما يشير إلي أن الكلمة الأخيرة في اختيار الرئيس الجديد للجمهورية الإسلامية سوف تكون بيد خامنئي.

يمكننا أن نقول في هذه الورقة الخاصة ب معهد العربية للدراسات أن غياب التنظيم لدى كثير من قوى المعارضة العرقية والطائفية في إيران، بجوار الحالة التي آل إليها الإصلاحيون، والانشغال ب دور إيران- خارج إيران- دون الإصلاح داخل إيران من قبل القوى الدولية والإقليمية يعد عاملا رئيسا في صعوبة التنبوء بحركة جديدة على غرار الحركة الخضراء في إيران عام 2009.