خطة عزل ليبيا عن العالم

محمد الهادي الحناشي
محمد الهادي الحناشي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

حصل ذلك عام 1991، حين سقط نظام سياد برّي في الصومال، وغادرها السفير الأميركي، ومعه السفير الروسي، على متن مروحية، أقلعت من مبنى السفارة، وتتالت موجة هروب السفراء، من العاصمة مقديشو.

حينها كانت السفارة الليبية هي الوحيدة، التي بقيت صامدة في وجه الحرب الأهلية، وحينها أيضاً كان هروب السفراء نذير شؤم على الصومال، التي بقيت على مدى عقدين معلقة بين اللاحرب واللاسلم، فيما لا تجرؤ المنظمات الدولية على مساعدة الملايين، الذين يعانون الخصاصة والحرمان.

وانتظر المجتمع الدولي طويلاً لملمة أطراف البلد الممزق، وتحول الصومال إلى مرتع وملاذ للإرهاب، فمنه تحركت الأيادي الآثمة لتقتل عشرات الأبرياء في نيروبي، ودار السلام عام 1998، ومنه تحركت قيادات القاعدة في أفريقيا لتصل الصحراء، واستغرقت الصومال وقتاً طويلاً ليعود إليها بعض السفارات، وتوقف التاريخ في مساحاته الشاسعة عند انتهاء الحرب الباردة.

الأمر ذاته عرفته أفغانستان عند انسحاب الاتحاد السوفييتي السابق، ودخول البلاد في أتون حرب أهلية بين قادة المجاهدين رفقاء سلاح الأمس القريب، ففرّ السفراء، وأقفرت السفارات، وغابت الحقائق عن المجتمع الدولي، واختفى كل راغب في مساعدة الأفغان، بعد أن كان الكثيرون يفاخرون بانتصارات المجاهدين، وقهرهم لقوة الاتحاد السوفييتي العملاق. وتحولت لاحقاً مقار السفارات، وإقامات السفراء إلى مقرات لقيادات طالبان والقاعدة، ولم تعد السفارات لأصحابها إلا بعد حرب قاسية، قادتها الولايات المتحدة وحلفاؤها، وما زالت مستمرة.

هذا بعض من مشاهد فرار السفراء الذي يتكرر اليوم في ليبيا، مع فرق جوهري، وهو أن سفراء دول العالم في الصومال وأفغانستان لم يهددهم أحد، بل كان برغبتهم وطلباً للسلامة، أما السفراء في ليبيا فوضعهم هو الأسوأ في العالم، بين قتيل ومخطوف تبدو نهايتهم، ورسالة الإرهابيين بدت أكثر وضوحاً في ليبيا؛ اخرجوا واتركوا لنا البلد لنشكله وفق ما نرى، ورؤيتهم طبعاً لا تخرج عن الصور القادمة من درنة وسرت، وأخبار الخطف والقتل التي يطالعنا بها الإعلام يومياً من بنغازي وطرابلس.

إذا كانت هذه هي الرسالة، فأخطر ما فيها أن أصحابها قد اختاروا العناوين الخطأ، فسفير الأردن المخطوف لدى مجموعات مسلحة، بلده من الدول، التي ساندت الثورة الليبية ومستشفياتها تعج بالجرحى، الذين يتوافدون عليها للعلاج، والكثير منهم لم تسدد فواتيرهم إلى اليوم، ومع ذلك كان صبر الأردنيين أكبر من ذلك بكثير، فالأردن من الدول القليلة، التي تتيح لليبيين دخولها من دون تأشيرة، والآلاف منهم ينعمون فيها بالحياة الكريمة، وكرم الضيافة.

تونس أيضاً، وهي ليست دولة شقيقة لليبيا فحسب، فالمشترك بينهما كثير والعائلات والقبائل الليبية تتوزع على مساحة البلدين، فهما شعب واحد موزع على بلدين متجاورين، كانت ملاذاً لليبيين في هجراتهم المتعاقبة، منذ قرنين من الزمن، وهي هجرات داخلية في البلد الواحد، لذلك لا تخلو مدينة تونسية من حي أو حارة تعرف بحارة الطرابلسية، وأشهرها حارة المنستير، التي أنجبت الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة، وهو من أصول ليبية، هاجرت عائلته من مصراتة، في القرن التاسع عشر، كما كانت تونس ولا تزال الملاذ لكل ليبي للعلاج والترفيه والعمل، حيث يعامل الليبي كونه واحداً من أبناء البلد.

تونس تكافأ من الإرهابيين بخطف اثنين من دبلوماسييها في ليبيا، وقبل ذلك تهاجم قنصليتها، وهي التي فتحت الحدود أمام الليبيين بمختلف انتماءاتهم، منذ الثورة الليبية، وتحملت أعباء الثورة الليبية، كأبنائها، وهي الداعم لجميع تفاصيل الثورة.

خطف السفير الأردني، والدبلوماسيين التونسيين، يقيم الدليل على وجود رغبة جامحة لدى أطراف داخل ليبيا، بمعاقبة ذوي القربى، وبتوجيه رسائل للبقية بضرورة الخروج من ليبيا، وهو ما حصل مع دول أخرى، باتت تسرع الخطى للمغادرة، وهذا ينذر بمرحلة صوملة جديدة ستدخلها البلاد، مرحلة تترك فيها ليبيا لمصيرها الغامض، الذي تتلاعب به جماعات مهووسة بالقتل والدمار.

قد تكون ذاكرة البعض ضعيفة، أو هي كذلك، فما حصل في الصومال وأفغانستان قبل عقدين ونصف، لا يستحضره بعض من يتابع الأخبار الليبية اليوم، ولكن بتدليك خفيف للذاكرة، ونفض الغبار عن الأخبار، التي كانت تحملها الوكالات حينها من البلدين، يمكن إدراك حقيقة الصورة.. الصورة الواحدة التي تنذر بصوملة ليبيا، مع فروق جدّ مهمة في هذه الحالة.

وهي أن ليبيا تعوم على بحيرة من الثروات على عكس الصومال، وأفغانستان، وليبيا تتمدد على جنوب المتوسط كأكبر ساحل على ضفتيه، وهي الجار الغربي لمصر قلب العروبة، وعلى مرمى حجر من أوروبا، وهي البوابة الأكبر على أفريقيا ودول الساحل والصحراء، جغرافية إذا وقعت تحت سلطة الإرهابيين، لن تكون كارثة علي ليبيا وحدها، بل ستكون بمثابة برميل البارود المتفجر الذي ستطال شظاياه المنطقة والعالم.

إنها ليبيا الأكبر من أفغانستان، والصومال مجتمعين، وهي اليوم تندفع بقوة إلى هوة الأفغنة والصوملة، ليبقى السؤال؛ كم عقداً سينتظره العالم لإصلاحها، إذا ما فرط فيها اليوم؟ وكم على الليبيين الانتظار للملمة همومهم ودفن ضغائنهم وأحقادهم لإنقاذ بلدهم؟!

* نقلا عن "البيان" الإماراتية


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.