حكومة جديدة بتشكيل يرضي ويقلق
أخيرًا أعلنوا عن تشكيل حكومة جديدة فى مصر، وكان لإذاعة هذا الخبر وقع جيد فى نفوس ملايين المواطنين الذين انتظروا طويلاً نتيجة المشاورات، ووقع في نفسي لا أزال أجد صعوبة في وصفه وصفاً لائقاً . أأقول وقعاً غير مألوف، أم أقول وقعاً غير مريح وربما مثير للحيرة، إذ لم يحدث على امتداد سنوات عدة أن تشكلت حكومة فى مصر من أشخاص تربطني بعدد كبير من أعضائها علاقات وثيقة، وأعرف الكثير عن أغلبهم، واحتفظ مع عدد غير قليل منهم بذكريات عن تجارب خضناها معاً ومواقف خلّفت آثاراً بعضها عميق وطيب ومفيد .
ما المشكلة إذن؟ وأين الدافع للشعور بالحيرة؟
لا أنكر أنني مشفق عليهم . ولا يقلل من إشفاقي علمي بأنهم يدركون تمام الإدراك المشاق التي تنتظرهم، ورداءة حال الطريق التي يتعين عليهم صعوده . هم ولا شك يشعرون بقسوة الأجواء المحيطة بحكومتهم، وقبل هذا وذاك، يقدرون صعوبة، إن لم تكن استحالة، تحقيق إجماع حقيقي بينهم على سياسات بعينها واتخاذ قرارات حاسمة في مسائل حيوية ودقيقة . سيكون التوصل لإجماع مهمة صعبة لأسباب عدة بعضها يتعلق بالبيئة المحيطة بهم داخلياً وخارجياً، وأهمها يتعلق بنسيج هذه الحكومة وبخاصة التفاوت بين أيديولوجيات يعتنقونها وخبرات إدارية وفنية مارسوها، وخلفيات علمية وأكاديمية عاشوها . يبقى أمل هؤلاء معلقاً بتوافق الجميع حول هدف عبور فترة التوتر الشديد التي مرت بها من قبل مجتمعات ثائرة عدة قبل أن تضع أقدامها على مشارف المرحلة الانتقالية .
يجب الاعتراف أولاً بأن هذه الحكومة يحتضنها رضاء شعبي لم يتوافر لحكومة مصرية سابقة، سواء فى عهد مبارك أو في عهود بعده . وهذا في حد ذاته رصيد محسوب لهذه الحكومة وفي الوقت نفسه محسوب عليها عندما تحين ساعة الحساب الختامي وهي غير بعيدة . يلزم أيضاً الاعتراف بأنها تتسلم الحكم في ظل أجواء ملبدة بسحب سوداء وتحديات أقلها شأنا مقاومة الشعور بالخوف من استمرار حالة عدم الاستقرار . أظن أن لا أحد في هذه الحكومة غافل عن حقيقة أن المصريين تغيروا في عامين أكثر مما تغيروا في مئة عام أو أكثر . شعب “تسيس” إلى حدود غير مألوفة وغير مستعد أن يدع قراراً يصدر ولا يبدي فيه رأياً . مواطنون يزعم عديدهم أن لهم دوراً في خلق الظروف التي جاءت بهذه الحكومة وربما في اقتراح أسماء لشخصيات هم الآن أعضاء فيها ورفض أسماء خرجت فعلاً من التشكيلة .
أتخيل ما يدور في ذهن وزير أو أكثر من الوزراء الذين تضمهم تشكيلة هذه الحكومة . أتخيله وهو يحاول وضع خطة قصيرة الأجل، هدفها إشاعة الأمل والتفاؤل وتخفيف المعاناة . أتخيله يضع هذه الخطة بينما تعلو أصوات من حوله في مصر وأنقرة وتونس وربما في صنعاء وعمان وفي إنجلترا وألمانيا والولايات المتحدة، تتوعده وحكومته وشعبه بمصير دخلته الجزائر في التسعينات من القرن الماضى . أتخيله يخطط بينما أصوات أخرى تدعو علنا وجهاراً ليتكرر في مصر مشهد سوريا وهي تحترق .
من ناحية ثانية، أقدر تماماً شعوراً سائداً لدى وزراء بصعوبة تحقيق إنجاز معتبر في زمن قصير للغاية، وبإمكانات مادية أيضاً ضعيفة للغاية . بعض هؤلاء الوزراء محرومون من خبرة سابقة في العمل الحكومي، هؤلاء سيتعرضون إلى مقاومة عنيفة من جانب قيادات بيروقراطية عتيدة ترفض الإصلاح والتجديد، إضافة إلى مقاومة من جانب قيادات جرى توظيفها خلال ما يعرف بمرحلة “تمكين” تيارات الإسلام السياسي وتنظيماته من مفاصل الإدارة المصرية . أتوقع أن عدداً من الوزراء ستفاجئه شراسة المقاومة وكفاءة أسلحتها وقد تتسم ردود فعله بالارتباك أو السلبية بسبب خلفياته ونقص تجاربه التي تمنعه من استخدام قوة “البطش الناعم” التي تسمح بها القوانين العادية .
من ناحية ثالثة، يوجد فى هذه التشكيلة الحكومية أشخاص فى حاجة لوقت حتى يثبتوا أنهم صالحون لأداء مهام المرحلة . هذا الوقت لن توفره لهم الأجواء والظروف الراهنة . هؤلاء سوف يتعرضون منذ الأيام الأولى لامتحانات يومية على أيدي إعلاميين، مذيعين ومحاورين، تعودوا لمدة عام أو أكثر على لغة حوار وخطاب تتميز بالإثارة والمبالغة . لن تكون هذه اللغة جديدة على بعض الوزراء، وخاصة هؤلاء الذين دفعت بهم إلى الواجهة نفس شاشات التلفزيون وبرامج الكلام التي تقف الآن مستعدة لرد الجميل . عندئذٍ سوف يتعين على هذا الوزير أو ذاك إثبات أن قدرته على تقديم حلول عملية وواقعية وفورية لمشكلات الجماهير ليست أقل من قدرته على اقتراح الحلول والنصائح والبدائل الكلامية
من ناحية رابعة، يرضينى ويقلقنى التنوع الأيديولوجي فى هذه التشكيلة الحكومية . يرضيني هذا التنوع لأنه يعكس رغبة عامة فى قطاع الثوار من الشباب والكبار على حد سواء بضرورة إشراك ممثلين عن مختلف التيارات السياسية فى مصر فى حكم البلاد، وأتمنى أن تستمر هذه الرغبة وأن تتحقق . ويقلقني هذا التنوع كلما تخيلت منظر الحكومة مجتمعة لاتخاذ قرار يحظى بموافقة أعتى ممثلي اليمين المحافظ اقتصادياً، وأعتى ممثلي اليسار الناصري اجتماعيا . أقدر كل التقدير ولاء كل وزير لتياره وإيمانه بعقيدته السياسية ولكنى فى الوقت نفسه أشفق على رئيس حكومة مجبر على استصدار قرار لابد أن تتناقض بسببه المواقف، ربما إلى حد يهدد الحكومة بالانفراط المبكر .
المسؤولية كبيرة ليس فقط لأن هذه الحكومة تتحمل عبء إدارة دولة في ظروف صعبة ولكن أيضا لأنها وافقت ضمنياً على المشاركة في عملية إنقاذ مصر من كارثة كادت تكون محققة . المسؤولية كبيرة لأن هذه الحكومة تعهدت، بالأمر الواقع، بأن تقود البلاد إلى مشارف المرحلة الانتقالية التي فشلت الحكومات السابقة منذ يناير 2011 في الوصول إليها . تأخر حلول المرحلة الانتقالية رغم أن دولاً أجنبية وقطاعاً مهماً في الشعب المصري انتظر أن تقوم بهذه المهمة تيارات الإسلام السياسي ولم تفلح . وأظن أنها ما كان يمكن أن تفلح بعد أن تأخرت في صنع توافق شعبي حول مشروعها السياسي والاجتماعي، ولم تقدم برنامجاً اقتصادياً مقنعاً أو على الأقل بملامح واضحة، وفرضت الشلل على أهم مؤسسات الدولة مثل الشرطة والقضاء وأثارت قلقاً وشكوكاً في المؤسسة العسكرية، بمعنى آخر استغنت عن مؤسسات الدولة في مرحلة حيوية من مراحل الاستعداد لتدشين المرحلة الانتقالية .
تأخرت قيادات الإسلام السياسي وأخطأت . نبهنا إلى عواقب التأخير وحذرنا من فداحة الأخطاء . الآن يتعين علينا أن نتكاتف لتعويض التأخير وتصحيح الأخطاء لنلحق بركب الدول التي تخوض غمار مرحلة الانتقال .
* نقلا عن "الخليج" الإماراتية
اختيار المحررين
-
مدارس دولية تشعل زوبعة في مصر.. رسوب جماعي وأوراق بيضاء مصر منذ 9 ساعات -
بلا دوبلير.. محمد إمام يتحدى المونديال والثانوية بـ"صقر وكناريا" ثقافة وفن منذ 9 ساعات -
الأبيض تحت النار والعطش.. مدينة سودانية تبحث عن قطرة ماء السودان منذ 9 ساعات -
جديد البطل السوري الذي شغل أستراليا.. محاكمة بالتعدي على والده الأخيرة منذ 10 ساعات