مباشر

عمود الوطن

جعفر سلمان
نشر في: آخر تحديث:

عند القليل من التأمل في مسيرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى المعظم، وعند محاولة النظر بطريقة شمولية لرؤية الصورة الكاملة، لابد أن نتوقف قليلاً للتساؤل عن المكان الفعلي الذي يملأه صاحب الجلالة، وأقصد المكان الحقيقي والواقعي وليس فقط المكان الرمزي باعتباره ملك مملكة البحرين، ورغم محدودية حجم المقال، سأحاول في الأسطر القليلة القادمة رسم معالم ذلك المكان.

نعود للبداية قليلًا، فجلالة الملك وقبل 25 عامًا استهل فترة حكمه بانفتاح سياسي لا أعتقد أن المنطقة شهدت مثيلًا له، ولعل الحدث الأكبر والتغيير الأضخم في حينها، كان إطلاق الحرية الحزبية وحرية تكوين الجمعيات السياسية، وحق ممارسة العمل السياسي على السطح وتحت نور الشمس، وبغض النظر عن نوع الأيديولوجيا أو نوع التوجه السياسي.

لم يكن هذا الانفتاح شكليًا أو هامشيًا، بل ولم يكن مفروضًا من أحد على أحد، فقد تمت صياغته في (ميثاق) اتفق عليه الجميع من خلال تصويت عام شارك فيه أهل البحرين بنسبة 90%، وقبلوه بنسبة تجاوزت 98%، وهي نسبة لم يستطع أحد في الداخل أو الخارج التلميح عليها فضلاً عن التشكيك فيها.

من أشكال الانفتاح التي ظهرت جلية أيضًا، هو الانفتاح الديني والاجتماعي الذي تعزز في عهد جلالته، فالناس هنا قولاً وفعلاً احرار فيما يؤمنون وكيف يعيشون، فجلالة الملك داعم وبقوة لحرية الناس كل الناس (بحرينيين أو غير بحرينيين)، فكل من يعيش على هذه الأرض حر، وهذا فضلاً عن حرية العبادة لبقية الديانات، فهنا الكنسية الأكبر، وهنا معبد الهندوس واليهود ومركز البهائيين، وهنا يعيش كل إنسان وفق ضميره.

من الأمور التي ميزت عهد جلالته، الكثير من القوانين العصرية والإنسانية، والتي بات كل الناس يعرفونها كقانون العقوبات البديلة أو قانون السجون المفتوحة، أو تلك التي لا يعرف أغلب الناس عنها، كقانون العدالة الإصلاحية للأطفال، والذي استبدل الكثير من العقوبات لمنتهكي القانون من القاصرين بإجراءات تضمن إعادة إدماجهم في المجتمع بدل الاكتفاء بالعقاب الرادع، بل هو نفسه القانون الذي وضع خبراء نفسيين واجتماعيين مع القضاة عندما يتعلق الأمر بالقاصرين.

هناك أمور كثيرة لا يعرف العامة عنها ولو أردت حصرها، فسأحتاج لكتاب بدل مقال، فعلى سبيل المثال، أكتب هذه الكلمات وأنا أنظر ومن شقتي إلى بناية ضخمة مخصصة للأرامل والمطلقات، بناية تؤجر فيها الشقق مدى الحياة، وتؤجر مفروشة بالكامل وبمبلغ لا يتجاوز عند البعض 20 دينارًا بحرينيًا، فكم هم الذين يعرفون عن هذا الأمر يا ترى؟

لم تكن مسيرة جلالته سهلة يسيره، بل على العكس من ذلك، فموقع البحرين الجيوسياسي، فرض الكثير من التحديات، فمع بداية عهد جلالته شهدنا سقوط النظام العراقي وما رافق ذلك من فوضى ومن انقسام طائفي دموي ألقى بظلاله على المنطقة والاقليم، والذي ما أن بدأ يختفي حتى عصف بالمنطقة كلها ما أسموه الربيع العربي، والذي تم استيراده إلى وطننا، وتمت تغذيته والنفخ فيه من قبل حركات سياسية لا يستطيع قادتها رؤية أبعد من أرنبة أنوفهم، أو كان بعضهم على الأقل، يدفعون البلد بوعي منهم ناحية الفوضى، على أمل أن تكون تلك الفوضى خلاقة ومنتجة لهوية أخرى للبحرين، ومكان سياسي آخر.

اليوم ومهما كانت الآراء متباينة حول الربيع العربي، تكفي نظرة واحدة لرؤية أين أصبحت تلك الدول أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا، وأين أصبحنا، كيف هي اليوم وكيف نحن، ولرؤية أثر القيادة الحكيمة هنا، وغيابها هناك.

أعود للتساؤل المهم في المقدمة، وهو عن المكان الفعلي والواقعي لجلالة الملك بالنسبة لنا جميعًا، وأعتقد أن الإجابة باتت واضحة، فهو العمود الذي يقف عليه الوطن وهو المظلة التي تظلل كل أبناء الوطن، فهو حتمًا وواقعًا ليس طرفًا سياسيًا وليس خصمًا سياسيًا لأحد، فهو الرمز ومن تحته تجري أنهر السياسة والتجاذبات، لم ولن يكون طرفًا في التجاذبات الداخلية، ولم ولن يكون لجزء من البحرينيين وليس للجزء الآخر، فهو لنا جميعًا وهو مظلتنا جميعًا وهو الملاذ لنا جميعًا، وإن كنت أتمنى شيء فهو أن يمد الله في أعمارنا جميعًا لنحتفل باليوبيل الفضي لجلالته، وهذا هو جواب التساؤل أعلاه، جواب لمن قد يكون تاه في التفاصيل ونسي الصورة الكبيرة.

نقلا عن "الأيام" البحرينية

قبل أن تذهب