موصلاح.. Mo Salah!
ربما، وحده اللاعب المصري محمد صلاح المولود عام 1992، قدّم أمام الغرب والبريطانيين تحديدًا وجهًا مختلفًا عن الإنسان العربي المسلم! وربما وحده قدّم حضورًا مؤثّرًا عجزت عن تقديمه الكثير من المؤسسات العربية الرسمية والأهلية!
شعوب الغرب قاطبةً، أوروبا وأمريكا، ما زالوا، حتى اليوم، ينظرون إلى العرب بتلك النظرة «الدونية» التي نقلتها إليهم كتب المؤرخين والرحالة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وبدايات القرن العشرين! وللأسف عجزت جميع الجهود العربية المضنية التي سعت إليها مختلف المؤسسات السياسية والفكرية والإنسانية، عجزت عن تغيير تلك النظرة، التي كرّسها ويُكرّسها الإعلام الغربي بشكل يومي، فشعوب الغرب بأسرها لم تزل قناعتها ثابتة عن العربي المتخلّف الذي يعيش في الصحراء والخيمة والجمل والنساء! وهذه الصورة البائسة تكاد تكون منحوتة في رؤوس الملايين، وكم تبدو المفارقة مُذهلة جدًا أن يستطيع إنسان واحد، بجهد شخصي زحزحة وتغيير شيءٍ من وعي بشرٍ لا عدَّ لهم.
في زيارة لي لمدينة «ليفربول - Liverpool» وفي لقاء عفوي مع مجموعة من الشباب، سألتهم عن اللاعب محمد صلاح، فكان الرد المباشر والحماسي: «موصلاح، Mo Salah.. الملك المصري!». تحدّثت معهم حول «موصلاح» فقال لي أحدهم بصراحة لم أطلبها: «أنا أكره الإسلام والمسلمين، فهم وحوش يقطعون رؤوس البشر بالسكين، لكن بعد محمد صلاح، وبالرغم من أنه يسجد بعد كل هدف، إلا أنني ما عدت انظر إليهم بنفس النظرة!». وبحماس خاطبتني فتاة: «اسمع أغنية موصلاح في الملعب وفي صلاته!».
دعوتهم إلى جلسة صغيرة للقهوة، ودار بيني وبينهم حوار شيّق، كانت خلاصته إجماعهم: «محمد صلاح يلعب بقلوبنا!». وتبرّع أحدهم للقول: «سيكون له تمثال في قاعة نادي ليفربول!».
العرب، كل العرب في وصل لحظي ودائم مع العالم، وبأشكال مختلفة. ويأتي الوصل السياسي في المقدّمة من ذلك، وتحديدًا فيما يخصّ قضية فلسطين. لكن شباب العالم، الذين يفترشون منصّات الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، قد يختلفون حول الحق الفلسطيني، لكنهم يقفون عند كرة القدم، هذه الساحرة العجيبة! ملايين الملايين: أطفال ومراهقون وشباب وعجائز، الجميع يلتف حول الكرة، والجميع تغريه المباريات وتحبس أنفاسه، والجميع يتابع الكرة أكثر من متابعة أي ممارسة إنسانية أخرى!
اللاعب المصري محمد صلاح، وبما حباه الله من موهبة كرويّة مُتفرِّدة، استطاع أن يحرك قلوب الملايين، وهؤلاء المشجّعون تجاوزوا عن اسم محمد، وتجاوزوا عن جنسيته العربية، وتجاوزوا عن دينه وتديّنه الخاص، وتجاوزوا أنه سمّى ابنته «مكة» تيمّنًا ببيت الله الحرام، وراحوا يرددون اسمه ويتغنون به: «موصلاح، Mo Salah.. الملك المصري». ولأن لاوعي الإنسان يحرّكه بشكل خفي، استطاع محمد صلاح أن يغيّر شيئًا عصيًا في وعي الكثيرين، ولو كان صغيرًا، حيال العرب والمسلمين!
صحيح أن لدينا مؤسسات سياسية وفكرية عربية كبيرة وفاعلة، وصحيح أنها في تماس يومي مع الآخر، لكن وعبر عقود وعقود، ظل فعل هذه المؤسسات محدودًا في اختصاصها، ونادرًا ما تجاوز ذلك إلى وعي الشعوب. فوحدها الشعوب تستقي معلوماتها ممن تحب، وممن تهوى، وهي في كل ذلك تسعى وفق صور مُخزّنة في وعيها، وللأسف الصورة المُخزّنة في وعي الآخر عنا نحن العرب بائسة ومُتخلّفة!
محمد صلاح الإنسان، الذي تبرّع لأهل بلده بمشاريع إنسانية تبلغ قيمتها عشرات الملايين. نحن أحوج ما نكون لأمثاله، مبدعين عرب يخاطبون شباب شعوب العالم بلغة يحبّونها ويسعون إليها، وفي مختلف المجالات؛ الفكرية والإبداعية والرياضية، وإلى ذلك اليوم الذي سيأتي فيه كاتب عربي يردد شباب الغرب اسمه، سنبقى نردد مع جمهور ليفربول في استاد «الآنفيلد-Anfield»
موصلاح، Mo Salah، الملك المصري!
أخي العزيز محمد صلاح تحية محبة وإعجاب لكَ من بلدي الحبيب الكويت، ومنّي!
نقلا عن "القبس" الكويتية