مباشر

«الزود عندي»

طالب الرفاعي
نشر في: آخر تحديث:

في تغريدة على منصة «تويتر»، تكلّم رجل بنبرة واثقة، عن خلطة طبية تعالج مشاكل المعدة، وأشار إلى أنه يقدّم وجهة نظره ليس كمختص فقط، لكن بناء على تجربة عملية استمرّت لسنوات طويلة، وجاءت بنتائج مُذهلة ومضمونة. أعدتُ الاستماع للتغريدة أكثر من مرة، بدت جداً مُقنعة، ولأني أعاني بعض الإشكالات في المعدة، ولي صديق دكتور مُختص يتابع حالتي بين فترة وأخرى، فلقد أرسلت التغريدة إليه أسأله عن رأيه، وما هي إلا لحظات وأرسل لي الرسالة الآتية: «أخي طالب، التغريدة غير صحيحة، ولا علاقة لها بعلاجات المعدة! وقد تكون ضارة جدًا لبعض الحالات!»
هذه حالة خاصة، تأتي في سياق التنقل اللحظي في متاهة المعلومات المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي، ففي عصرنا الرقمي اليوم، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية. وقد أتاحت طبيعتها المفتوحة لملايين الأشخاص مشاركة أفكارهم وآرائهم وتجاربهم الشخصية. إلا أن هذا التحول الديموقراطي في إنتاج المحتوى الفكري والمعرفي الإنساني يأتي بثمن باهظ، يتمثّل في معلومات غير مؤهلة وغير علمية، وغالبًا ما تكون مضللة. ومع قدرة أي شخص على ادعاء الخبرة، يصبح التمييز بين الحقيقة والكذب أكثر صعوبة.

شبكات التواصل الاجتماعي سوق هائلة بحجم العالم، وهناك شركات مُختصة تؤهّل أشخاصًا بعينهم، لسبب أو لآخر، ليكونوا مُؤثّرين ولهم متابعون بمئات الآلاف وربما الملايين. لكن هذه السوق تحكمها الفوضى، ويحكمها والادعاء والتمثيل، وأخيرًا، صارت تحكمها برامج «الذكاء الاصطناعي». وإذا كانت هناك أسواق مُنظّمة من حيث الماركات التجارية، والمستوى، وجودة البضاعة، وأن يكون البائع هو الوكيل المعتمد، فإن سوق الإنترنت لا تعرف وكيلًا، ولا جودة بضاعة، ولا ضمان، ولا بائع أمين.

خلال فترة وجيزة، صار الجميع، دون النظر إلى التحصيل العلمي، والعمر، والخبرة، والتخصص، وبعيدًا عن أي التزام أخلاقي، صار الجميع يفتي، والجميع ينصح، والجميع يقدّم دعايات مُقترنة بتجاربه الشخصية، وبعضهم يقسم أغلظ الأيمان بأنها الحقيقة، ولا شيء سوى الحقيقة!

إن أبسط قواعد الحياة العملية تقول: لا يمكن لشخص لا يعرف العزف على البيانو أن يُقدم حصصًا ودروسًا لتعليم البيانو! ولا يمكن لشخص لا علاقة له باللغة، أن يقدّم دورة لتعلّم مهارات اللغة. وكم وقفت متعجّبًا ومستغرِبًا من أشخاص لم ينشروا قصة قصيرة واحدة في حياتهم، وهم يعلنون عن قيامهم بتقديم دورة لكتابة القصة القصيرة! ففي كليات «الكتابة الإبداعية» في الجامعات الأمريكية، يكون الشرط الأساسي لمدرِّس مادة الكتابة الإبداعية، وقبل شهادته الأكاديمية، أن يكون كاتباً، قاصاً محترفاً نشر مجاميع قصصية، وكُتبت عن أعماله مئات المقالات النقدية، ونال جوائز أدبية، وبالتالي يكون هو المؤهل لتقديم دروس في مادة الكتابة الإبداعية للقصة القصيرة. وهذا يصح في تعليم جميع المهارات البشرية في مختلف علوم الحياة. فكيف بشخص لا يعرف الطريق أن يدلّك على الاتجاه الصحيح؟!

البشر يعيشون أوقات أزمانهم، ولذا ما عاد ممكنًا تجنب منصّات وسائل التواصل الاجتماعي، لكن الدراسات العلمية الخاصة بالمحتوى الذي يُقدَّم على شبكات التواصل الاجتماعي تنصح بأهمية التحقق من مؤهلات الأشخاص الذين نتابعهم. فقبل قبول أي ادعاء، يجب على الإنسان أن يسأل نفسه عن مُقدِّم الادعاء، ومؤهلاته العلمية، ونتاجه العملي. ومُقارنة المعلومات التي يقدّمها بمصادر موثوقة - كالدوريات الأكاديمية، ووسائل الإعلام المُعتمدة، والتقارير الحكومية، وذلك لفصل البيانات ذات المصادر الموثوقة عن الآراء التي لا أساس لها.

شبكات التواصل الاجتماعي سوق كبيرة وهائلة، وكل بائع يصرخ «الزود عندي»، وليس على المتابع والمشتري سوى التريّث والتدقيق والتحقق، عله يخرج سالمًا دون خسائر فكرية ومالية!

نقلا عن "القبس" الكويتية

قبل أن تذهب