البيوت المهجورة والمسؤولية المجتمعية
عملية التطوير والبناء التي تشهدها المناطق القديمة في العاصمة المنامة والمحرق تستهدف الفرجان والبيوت القديمة ذات البناء المعماري المتميز الذي يعكس حضارة المنطقة وتاريخها العريق، فلا تزال الكثير من البيوت والمساجد والمحال التجارية تحمل ملامح الزمن الجميل وعبق الماضي، وهو إرث ذو قيمة كبيرة ومكانة عالية.
فالتراث المعماري الذي نراه هنا وهناك يشهد على هوية المجتمع والناس الذي سكنوا فيها، لذلك الشعوب المتحضرة تولي اهتمامًا كبيرًا للموروث المعماري، ويعد واجبًا وطنيًا لا يمكن التفريط فيه بكنوز الدنيا، فهو قيمة ثمينة يستقطب السياح ويغذي السياحة ويدعم الاقتصاد، لذلك تضع الحكومات الدراسات والبرامج، وتبذل الكثير من الميزانيات للحفاظ على تراث البلد وتاريخه، فكما يهتم بالتاريخ في جانبه الأدبي والشعري والفني، فلابد من الاهتمام بالتاريخ في جانبه المعماري والمتمثل في البيوت القديمة والتراثية، ومن ثم الاستفادة منها!
العناية بالبيوت القديمة والمناطق الأثرية هي محافظة على هوية البحرين بكل مدنها وقراها، فهي شاهدة على عراقة هذا الوطن وأصالته، وقد أثبتت التجارب على مكانة تلك المناطق، حيث أصبحت عنصرًا مهمًا لجذب السياح ودعم الاقتصاد الوطني، ففي العاصمتين القديمتين، المنامة والمحرق، هناك الكثير من البيوت القديمة التي لا تزال تحافظ على هويتها الوطنية الجميلة، فخلال الثلاثين سنة الماضية تم الاهتمام بالكثير من تلك البيوت والفرجان ضمن عمليات الترميم والبناء.
وتقوم الحكومة الرشيدة، بقيادة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، بالعناية والاهتمام بالبيوت الأثرية التاريخية، وذلك إيمانًا منها بأهمية تلك المناطق وقيمتها الوطنية، فهي تحمل سجلاً للشخصيات والعوائل التي سكنت فيها، وتداخل الناس في مناطقها حتى أصبحوا نسيجًا اجتماعًا جميلاً قائم على الأخوة والمحبة والتعايش والتسامح.
عملية الاهتمام بالمناطق القديمة تستلزم تطويرها وفق أحدث الأساليب العلمية بحيث توسع الطرق والممرات، وإنارتها وتوفير المواقف المناسبة، وإيجاد المساحات الخضراء، ما يعكس الوجه الحضاري للبحرين وسجلها الوطني المشرف، فكم هو الشوق لرؤية مشروع تطوير المناطق القديمة وقد اكتمل وتم افتتاحه، فهناك البيوت ذات الأبواب الخشبية المنقوشة، والبوادكير (الهوايئات)، والمرازيب التي أعلى المنازل للمطر، والمساجد ودور العبادة التي تحمل هوية العمارة الإسلامية في البحرين.
تجارب الدول للمحافظة على المدن التاريخية والقديمة هو بوضع قوانين صارمة لحماية تلك المناطق، وهذا ما نشاهده في الكثير من الدول مثل تركيا (إسطنبول) وإسبانيا (قرطبة) والتي تعتبر المدن القديمة مسؤولية وطنية لا يمكن التفريط فيها، والبحرين فيها من المباني التراثية القديمة الكثير، لذا فإن عملية الاهتمام بتلك المناطق يستلزم تعاونًا كبيرًا بين الجهات الحكومية والأهالي بالمنطقة.
البيوت القديمة والأثرية بالبحرين كثيرة وذلك لاهتمام أصحابها بها، وهي بيوت لها تاريخ طويل ربما يعود لأكثر من مائة عام، لذا هي ذات قيمة تاريخية يجب المحافظة عليها والاهتمام بها، وفي المقابل هناك بيوت مهجورة تركها أصحابها وارتحلوا إلى مناطق فيها الكثير من الخدمات، فهي بيوت مغلقة ومؤصدة منذ سنوات، فإن لم يتم الاعتناء بها والاهتمام بحالتها المعمارية بلا شك ستنهار وتفقد قيمتها التاريخية.
من المؤسف أن هناك منازل في بعض المناطق تحتاج إلى عناية واهتمام، فالبعض منها بعد أن هجرها أصحابها أصبحت خطرًا على المارة لتصدع جدرانها، وهي تشوه المنظر العام لعدم العناية بها وترميمها، والمسؤولية تقع على أصحابها، فإما أن يتم ترميمها أو هدمها أو بيعها، فلا بد أن يكون هناك تعاون بين أصحابها والبلديات والجهات ذات العلاقة.
نقلا عن "الأيام"