صوم اللحظة
«فستان بثلاثمئة دينار، والله حرام!».
التقطتْ أذني الجملة وأنا أمرّ في أحد المجمعات التجارية الكبيرة، قالتها أمٌ لابنتها قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك. توقفتُ للحظة، ليس لأن السعر صادمٌ، بل لأن الكلمة (حرام) كانت تشير إلى المال، لا إلى الفعل. وحينها أدركتُ أننا فقدنا البوصلة!
نعم، الأسواق تنشط قبل رمضان كما هي العادة، لكن شيئاً ما تغيّر. الاستعداد الذي كان روحياً بات ماديّاً. الانتظار الذي كان قلبياً صار استهلاكياً. والعالم، الذي يتغيّر في كل لحظة، يأخذ المسلمين معه بوعي أو دون وعي. ففي رمضان الماضي، ارتفع الإنفاق الإعلاني بنسبة %46 عبر التلفزيون والإنترنت، واستخدام الهواتف النقالة للتسوق والتواصل.
حين كنتُ صغيراً، كانت رياح رمضان تهبّ مبكراً... في أيام شعبان، قبل الشهر بأسابيع، كان هناك شيءٌ سماويٌ خاص يمسّ الأرواح. ليس إعلاناً تجارياً، ولا عرضاً للملابس، بل نور خافت في العيون، وهدوء في الخطوات، وانتظار لذيذ في القلب. كان رمضان عنواناً عريضًا يعني: القرآن، والتراويح، والسكينة، ووصل الجيران، ومساعدة الفقير، وبث روح التسامح.
لا أنسى تلك الصور: أطفالٌ قبل الغروب بدقائق، كلٌّ يحمل صحناً بسيطاً إلى الجيران، يمشون بابتسامة ودٍّ إنساني تعلو وجوههم. كانوا يعرفون بعضهم البعض. كان الفريج كله أسرة واحدة. لم يكن هناك فاصل بين البيت والشارع، ولا بين الغني والفقير، ولا بين القريب والغريب.
رمضان كان «تدريباً روحياً خفياً»، يستعد له الكبير بحنين، ويفرح به الصغير بالفطرة، لكن اللحظة الراهنة مختلفة تماماً. هذه لحظة تقنية ملطّخة بصور وفيديوهات وسائل التواصل الاجتماعي، ومشبعة بالإعلانات والعروض، تأخذنا بعيداً عن جوهر الشهر. لم نعد نستعد لرمضان بروحنا؛ بل، وهذا مؤسف، نستعد له بمظاهر كاذبة، ونستعد له أكثر بالتصاقنا بهواتفنا النقالة! ففي رمضان 2024، بلغ استخدام وسائل التواصل 17 مليار زيارة يومياً في بعض الدول، بزيادة %66 عن العام السابق، وارتفع استخدام الهواتف الجوالة بنسبة %74 للإنترنت النقال، مع 42 مليون مستخدم يومياً.
إضافة إلى الصيام الرباني المطلوب، ربما كان أفضل صيام يمكن أن يقوم به المسلم اليوم هو أن يصوم عن وسائل التواصل الاجتماعي لمدة شهر. نعم، صيام موازٍ. صيام عن الضوضاء الرقمية التي تسرق لحظاتنا وتلوّث قلوبنا دون أن ننتبه... في أوروبا وأمريكا، هناك مستشفيات متخصصة لعلاج إدمان الإنترنت الحاد، يدخل الإنسان إليها ليتخلّص من السموم التي علقت بجسده وروحه، ويعاملونها كمرض يحتاج إلى علاج. والمسلم محظوظ فلديه هدية سماوية لا يملكها غيره «شهر كامل مخصّص لتنظيف الروح»!
الصيام ليس الجوع والعطش. الصيام الحقيقي هو تخليص الروح مما علق بها من أدران، من الحقد، من الغيرة، من الإدمان على الشاشات، من سموم المقارنات اللانهائية على السوشيال ميديا.
هذه ليست دعوة لرفض مطلق للتكنولوجيا، فالتكنولوجيا ليست شر بكلها، بل هي سلاح ذو حدين: تسهّل حملات خيرية واسعة، وتلاوات قرآنية مشتركة، لكن الإفراط يسرق الروح. إنها دعوة لأن نلتفت لمن حولنا، ونستمع لصوت قلوبنا، وأن نشعر بلذة الصمت الروحي ولو لساعة واحدة يومياً في الشهر.
هل ترانا نجرؤ على صيام يبعدنا ولو بضع ساعات عن الشاشات؟
أقول: جرّبوا، فلربما نستعيد روح رمضان.
نقلا عن "القبس"