مباشر

ثَمَرُ عُمرِكَ

طالب الرفاعي
نشر في: آخر تحديث:

تعرّفتُ عليه مع أولى سنواتي الدراسية في كلية الهندسة والبترول، جامعة الكويت. شابٌّ يلمع العزمُ في عينيه، وتطلّ الإرادةُ من نبرة صوته، يتّخذ من الجدّ والاجتهاد طريقاً لمسيرته. تصاحبنا طوال سنوات الدراسة، وتخرّجنا معاً مهندسَينِ مدنيَّينِ، وسلك كلٌّ منا طريقه.
في مطلع حياتي المهنية عام 1982 عملتُ مهندساً في إحدى كبرى شركات المقاولات الكويتية، التي نفّذت مشاريع كبيرة مثل: «مستشفى الأميري»، و«مسجد الدولة الكبير»، و«مقاسم البرق والبريد والهاتف»، و«مشروع القرين الإسكاني». غير أنه لم يكد يمرّ يومٌ دون أن أجلس إلى القراءة والكتابة، حتى بدأ اسمي يتسلّل إلى صفحات الجرائد والمجلات الأدبية المحلية والعربية بوصفي كاتبَ قصة. في المقابل، خاض صديقي عالم المقاولات. كنا نلتقي في الديوانية، وبعد خمس سنوات أخبرني والنشوةُ تملأ صوته:

«أسّستُ شركتي الخاصة»..

باركتُ له، وبقيتُ أرصد عن بُعد نجاحات مشاريعه، فيما راح هو يتابع ما أكتب. وهكذا دفعتْ بنا الحياة على دروبها، ونحن نسير بخطوات أقدارنا.

توالت نجاحات مشاريعه الإنشائية، فيما وطّدتُ نفسي على المزيد من القراءة والكتابة والعمل الثقافي، ولا سيّما بعد أن انتقلت للعمل في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب عام 1996. وبقيت الصداقة بيننا حيّةً دافئة، وبقي إرثُ ذكريات الشباب يتجدد في كل لقاء.

في الأسبوع الماضي زارني في بيتي. رحتُ أنظر إليه وقد جاوز منتصف الستين، فخاطبني بالنبرة التي أعرف: «لم أكبر وحدي، كلانا صار عجوزاً».

ابتسمتُ له، فأخبرني أنه سلّم شركته لولده المهندس الشاب، وأنه بات يكتفي بين فترة وأخرى بالمرور للاطمئنان على سير المشاريع، واستنشاق رائحة عملٍ يداعب روحه. التفت إليَّ سائلاً: «صرتَ أديباً مُتفرِّغاً فهل تكفيك القراءة والكتابة؟!».

استوقفني سؤاله. رحتُ أنظر إليه وقُلت: «يا صديقي، القراءة والكتابة تكفيان روحي. أنا في بحثٍ يومي متجدد حول عيش الحياة عبر فهم ما أقرأ وتجويد كتاباتي. لكن..».

وقفتْ الكلمة بيننا، ووقف بيننا عمرٌ من صداقة لم تنقطع، وصولاً للتقاعد والشيخوخة. أصبح هو يمتلك الملايين، وصرتُ أنا أعتز بإصداراتي القصصية والروائية، وترجمة أعمالي إلى مختلف لغات العالم، تلك الأعمال التي تحمل إرثَ بلدي وقضاياه إلى القارئ في كل مكان.

تقاطعت نظراتنا فأكملتُ: «في أرجاء الوطن العربي كما في كثير من دول العالم، لا تأتي القراءة والكتابة بمردود مادي يكفي الكاتب حاجة عيشه. لكَ أن تكون كاتباً، ولكَ في الوقتِ ذاته أن تُدبّر شؤون تكاليف عيشك وأسرتك. ليس ذلك سهلاً، لكنها الحال، ولكنه قدر كل إنسان»..

مرّت لحظة هدوء بيننا، قبل أن يقول:

- «لي سؤال؟»

- «تفضل»

-«ماذا تُقدّم لكَ كتبُك؟ وماذا تنتظر منها؟».

ابتسمتُ له، وخطر لي أن أسأله بدوري: ماذا تُقدّم ملايينك لكَ؟ ولأني أعرف ردّه. رفعت وجهي إليه، وكمن يحدّث نفسه قُلت: «بعد هذا العمر، القراءة والكتابة أصبحتا أنفاسي التي أعيش بهما يومي. وكتبي وكتاباتي هي مشاركتي الأبسط والأعمق في المشهد الإنساني، وشهادتي بقناعاتي على تفصيل عيش الإنسان. وأطمح أن تكون صوتي الأبعد للبشر حيثما كانوا، وهي وحدها ستبقى بعد أن أرحل».

مسَّت أنفاسُ هدوءٍ أجواء جلستنا. صببتُ له استكانة شاي، وقلتُ:

«كلُ إنسان يُبادل أيام عمره بما يؤمن، وكلٌّ يحصد ثمرة بستانه».

نقلا عن "القبس"

قبل أن تذهب