مباشر

العودة إلى حفيف الورق

محمد النغيمش
نشر في: آخر تحديث:

يبدو أن قدر الأمم أن تتبع الدول الإسكندنافية في التقدم والتراجع. فبعد تراجع السويد مؤخراً عن الاعتماد الكلي على الأجهزة اللوحية، واستبدالها بالورق والقلم تدريجياً بعد دراسة تأثير الإفراط في استخدام التكنولوجيا في المدارس، حذت حذوها بلدان متقدمة عديدة.

ولم يكن ذلك التحول مقصوراً على السويد، التي تعد من أكثر البلدان تقدماً في التعليم، ففي فنلندا أيضاً، بدأت المدارس بالعودة إلى الكتب الورقية بعد سنوات من الاعتماد على الشاشات. جيرانهم الإنجليز تصاعدت لديهم التحذيرات من آثار الإفراط في استخدام الأجهزة على التركيز والمهارات الحركية لدى الأطفال، إذ ربطت أحد التقارير بين تراجع الخط اليدوي وضعف الأداء الأكاديمي. وقد لاحظت ذلك بنفسي في أجيالنا الصغيرة، حيث إن خطوطها ضعيفة جداً وكأنها كتبت باليد اليسرى، بسبب قلة الاعتماد على الورق في المدرسة.

المفارقة أن هذه البلدان، من أوائل الداعمين والمتحمسين للتكنولوجيا، لكن الدراسات والتجارب الحديثة تشير إلى أن الإفراط يؤدي إلى نتائج عكسية.

ما زال الورق مريحاً في التعليم بهدوئه، حيث لا يرسل للعقل مشتتات. وثبت كذلك أن استخدام كل الجوارح يؤدي إلى حسن فهم المادة وتخزين المعلومات، ومن ثم سهولة استدعائها من الذاكرة. ولعل ذلك يفسر المقولة التربوية الشهيرة: «أسمع فأنسى، وأرى فأتذكر، وأفعل فأفهم».

والكتاب الورقي لا يحتاج إلى بطاريات، ومجرد وجوده على سطح المكتب يستدعي جميع حواسنا للتفاعل معه، كاللمس، والنظر، وربط ما نسمع في القاعات الدراسية بالنصوص المكتوبة، فضلاً عن الكتابة على هوامشه. شخصياً ظللت لعقود لا أكتب حرفاً على هوامش أي كتاب «احتراماً له» واعتقاداً بأنه بعد رحيلي سوف تنتقل مكتبتي الكبيرة إلى من يحتاجها. ثم تراجعت عن كل تلك الأوهام، حيث اكتشفت متعة جديدة عند إعادة قراءة كتاب ورقي والبدء بتأمل بهوامشي. تخيل أن تعثر على كتب لأشخاص أهم بكثير في المجتمع كتبوا هوامشهم، مثل الجاحظ، وابن القيم، ونجيب محفوظ، وغازي القصيبي. في كثير من الأحيان تكون متعة قراءة تلخيصات الهوامش أكبر من قراءة النص الأصلي، لأن فيها ردود أفعالنا، ورسوماتنا وربطنا للمعلومة مع ما اختمر في ذاكرتنا من معلومات أخرى مع مرور الزمن. هنا يصبح الربط جميلاً وجاذباً لمواصلة رحلة القراءة والفهم والمتعة.

رغم أنني مغرم بالتكنولوجيا، ولدي كتب إلكترونية عديدة وجربت هوامش إلكترونية أطبعها بلوحة مفاتيح، إلا أنني وجدت أن الكتابة اليدوية على الكتب أياً كان شكلها (إلكترونية أو ورقية) أكثر تأثيراً وتشجيعاً على التركيز والانغماس في النص. يسمي هذا الأسلوب علمياً بالقراءة النقدية critical reading والتي تتطلب تفاعلاً من جميع الجوارح مع النص. وهناك دراسات عديدة تؤكد قوة التفكير النقدي مع النص المقروء.

في الجلسات العلاجية والنفسية، يُطلب ممن تحفه المشتتات من جميع الجهات، بأن يخصص وقتاً قصيراً للتأمل والتفكير وتدوين ما يشغله بقلم وورقة. الورق يمنح صاحبه مساحة للتفكير الهادئ وترتيب أفكاره بعيداً عن الضجيج.

في التعليم وغيره، من المهم التدرج في التغيير، حتى لا يصدم التلاميذ بالحرمان ثم تكون النتائج عكسية. فالمرء إذا حرم فجأة من شيء تشبث به واشتاق إليه.

السويد التي تعد من أكثر الدول تقدماً في التحول الرقمي التعليمي، قررت التراجع «التدريجي» عن الشاشات، وذلك بعد ظهور نتائج متدنية في اختبارات الطلاب الدولية في القراءة والرياضيات، وهي عودة إلى الأساسيات التقليدية في التعليم. كما حظرت أيضاً الهواتف المحمولة في المدارس ابتداء من خريف 2026. وفي بريطانيا انخفضت أيضاً مهارات القراءة والكتابة مما دفع البريطانيين إلى أن يحذوا حذو السويديين.

العودة إلى حفيف الورق وصرير القلم ليست رجعية، بل هي عين التقدم إذا ما كانت بعد دراسة وتأمل لواقع كل بلد وما يحتاجه أفراده.

نقلا عن "البيان"

قبل أن تذهب