مباشر

أجمل ثقافة.. لا أعلم!

محمد حسين آرتي
نشر في: آخر تحديث:

في زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة بضغطة زر، والمجالس ممتلئة بالآراء، ومنصات التواصل تعج بالمحللين والخبراء في كل مجال، أصبحت عبارة بسيطة مثل «لا أعلم» من أندر العبارات التي يمكن أن تسمعها. والأغرب أنها من أجملها.
كثير من الناس يعتقد أن الاعتراف بعدم المعرفة يقلل من مكانته أو يضعف صورته أمام الآخرين، فيندفع لإبداء رأيه في كل موضوع، سواء كان يفهمه أم لا. يتحدث في الاقتصاد، ويفتي في الطب، ويناقش القانون، ويحلل الرياضة، ويصدر الأحكام على الناس والأحداث وكأنه خبير في كل شيء.

مع أن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير.

ليس مطلوبًا من الإنسان أن يعرف كل شيء، ولا أن يكون له رأي في كل قضية، ولا أن يشارك في كل نقاش.

أحيانًا يكون أكثر المواقف حكمة أن تقول: «لا أعلم».

هذه العبارة لا تدل على الجهل، بل على الوعي. لأن الإنسان الواعي يعرف حدود معرفته، ويدرك أن هناك أمورًا تحتاج إلى علم وخبرة واختصاص قبل إصدار الأحكام أو نشر الآراء. كم من إشاعة انتشرت لأن شخصًا لم يكتفِ بقول «لا أعلم»؟

وكم من خلاف اشتعل لأن أحدهم تحدث فيما لا يعرف؟

وكم من معلومة خاطئة صدقها الناس لأن قائلها تحدث بثقة أكبر من حجم معرفته؟

لقد علّمنا التاريخ أن الجهل ليس في عدم المعرفة، بل في الادعاء بمعرفتها.

ولهذا كان العلماء الحقيقيون أكثر الناس استخدامًا لعبارات مثل: «لا أدري»، و«أحتاج إلى التحقق»، و«ليس لدي علم كافٍ في هذا الأمر». لأنهم يدركون أن الحقيقة أكبر من أن تختصرها الثقة الزائدة.

وفي بيئة العمل أيضًا، كثيرًا ما نخسر الثقة عندما نتظاهر بمعرفة الإجابة. بينما يزداد احترام الآخرين لنا عندما نعترف بأننا لا نعرف، ثم نسعى للبحث والتأكد قبل الرد.

إن ثقافة «لا أعلم» ليست هروبًا من المسؤولية، بل احترام للحقيقة.

وليست ضعفًا في الشخصية، بل قوة في الصدق.

وليست نقصًا في المعرفة، بل بداية الطريق إليها.

لذلك، لا تشعر بالحرج إذا سُئلت عن أمر لا تعرفه. ولا تبحث عن إجابة فقط لتبدو مطلعًا. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من المتحدثين بغير علم، بقدر ما يحتاج إلى أشخاص يمتلكون الشجاعة ليقولوا عند الحاجة:

«لا اعلم.. ولكن سأتعلّم».

نقلا عن "القبس"

قبل أن تذهب