مباشر

فن الإقلاع عن التدخين

د. سيد محمود القلاف
نشر في: آخر تحديث:

لابد أن القارئ الكريم على دراية تامة ووعي بمخاطر التدخين وتأثيره على مختلف جوانب صحته وربما أدويته. ولربما أصبحت الصورة لديه سوداوية وتبعث على اليأس عند معرفة ذلك، لذا فنحن هنا وفي سبيل إكمال سلسلة المقالات السابقة حول التدخين نفتح نافذة الأمل للمدخنين من أجل مساعدتهم للإقلاع عن التدخين وبدء حياة أكثر صحة، فالحقيقة التي يجب معرفتها أن الإقلاع عن التدخين لا يعني خسارة صديقك المفضل (أي التدخين)، بل يعني التخلص من طفيلي.

إن الفوائد المتوقعة للإقلاع عن التدخين كثيرة وتبدأ في التحقق فورًا بعد آخر سيجارة. بعد حوالي 20 دقيقة من التوقف يبدأ معدل ضربات القلب وضغط الدم في الانخفاض، وبعد حوالي 8 - 12 ساعة تنخفض مستويات أول أكسيد الكربون في الدم إلى النصف، وتعود مستويات الأكسجين إلى طبيعتها، وبعد حوالي أسبوعين - 3 أشهر تتحسن الدورة الدموية، وتزداد وظائف الرئتين (تصل إلى 10 % في بعض الحالات) ويصبح التنفس أسهل. أما بعد حوالي سنة واحدة من التوقف عن التدخين فينخفض خطر الإصابة بالنوبات القلبية إلى النصف مقارنة بمن يستمر في التدخين، وبعد حوالي 5 - 10 سنوات ينخفض خطر الإصابة بالسكتة الدماغية وسرطانات الفم والحلق والحنجرة بشكل كبير، وبعد 10 - 15 سنة يصبح خطر الإصابة بسرطان الرئة حوالي النصف مقارنة بالمدخن، ويقترب خطر أمراض القلب من خطر الشخص الذي لم يدخن أبدًا.

ومن الفوائد الإضافية: تحسن حاسة التذوق والشم، وزيادة الطاقة، وتحسن قدرة الرئتين أثناء التمارين، ورائحة أنفاس وملابس أنظف، وتوفير مالي كبير (عادة تدخين علبة يوميًّا قد يكلف آلاف الدولارات سنويًّا).

يحقق الإقلاع في سن مبكرة أكبر الفوائد، لكن التوقف حتى في سن 65 عامًا أو أكثر يمكن أن يضيف سنوات معنوية إلى العمر ويقلل خطر الإصابة بالأمراض. الأشخاص الذين يقلعون قبل سن الأربعين يمكنهم تجنب حوالي 90 % من خطر الوفيات الزائد المرتبط بالتدخين.

في سبيل الإقلاع عن التدخين يجب على المدخن فهم التحديات التي سيقابلها. النيكوتين مادة شديدة الإدمان، وعند البدء في الإقلاع تبدأ أعراض الانسحاب والرغبة الشديدة في الظهور عادة خلال ساعات من آخر سيجارة، وتصل إلى ذروتها في اليومين الثاني والثالث، وتختفي إلى حد كبير خلال 3 - 4 أسابيع (رغم أن بعض الرغبات قد تستمر لفترة أطول). أعراض الانسحاب الشائعة تشمل: التهيج، القلق، أو تقلبات المزاج، الرغبة الشديدة في التدخين، صعوبة التركيز، زيادة الشهية وزيادة محتملة في الوزن، الصداع، التعب أو الأرق، السعال، حيث تقوم الرئتين بالتخلص من المخاط. وهذه الأعراض مؤقتة ودليل على أن جسمك يتعافى.

لا توجد طريقة واحدة تناسب الجميع للإقلاع عن التدخين. السر يكمن في اختيار الاستراتيجية التي تتوافق مع شخصيتك ومستوى إدمانك. أولى الطرق التي قد تنفع هي طريقة القطع الفوري حيث يقوم المدخن بالتوقف تمامًا ودفعة واحدة عن التدخين، وإيجابيات هذه الطريقة أن يتخلص الجسم من النيكوتين في أسرع وقت (عادة خلال 72 ساعة)، وأما سلبياتها فإنها تسبب أعراض انسحاب شديدة وتتطلب إرادة حديدية، وتنجح غالباً مع المدخنين الخفيفين أو أولئك الذين لديهم نظام دعم قوي جدًّا.

ثاني الطرق هو العلاج باستخدام بدائل النيكوتين، حيث يمكن استخدام اللاصقات، أو العلكة، أو أقراص المص، أو البخاخات التي تمد الجسم بجرعات منخفضة من النيكوتين دون السموم والمواد الكيميائية الأخرى الموجودة في الدخان. وإيجابيات هذه الطريقة أنها تضاعف فرص نجاح الإقلاع عبر تخفيف حدة الرغبة الجسدية الملحة، وأما سلبياتها فإن المدخن يظل معتمدًا على النيكوتين في البداية، ويتعين عليه تقليل هذه البدائل تدريجيًّا حتى التوقف التام.

ثالث الطرق استخدام الأدوية الخالية من النيكوتين مثل فارينيكلين (Varenicline) أو بوبروبيون (Bupropion) والتي يصفها الطبيب لتقليل الرغبة الشديدة في التدخين وحجب شعور المتعة المرتبط به. هذه الأدوية فعالة جدًّا للمدخنين الشرهين، وتعالج الجانب العصبي للإدمان، إلا أنها تتطلب استشارة طبية، وقد تكون لها بعض الأعراض الجانبية.

وربما تساعد قاعدة التاءات الأربع في إدارة الرغبة الملحة في التدخين، فعندما عندما تزداد هذه الرغبة، فإن جموحها يستمر عادةً من 5 إلى 10 دقائق فقط، ولتجاوزها يمكن اتباع التكتيكات التالية... التأجيل: انتظر 10 دقائق قبل أن تتصرف، فغالبًا ما تختفي الرغبة بعد مرور هذا الوقت. كذلك تنفس بعمق: استنشق الهواء ببطء من أنفك وازفره من فمك لمحاكاة إيقاع التنفس أثناء التدخين. وتناول الماء: ارتشف كوبًا كبيرًا من الماء البارد ببطء لإشغال فمك ويدك. وقم بتشتيت الانتباه: غادر المكان الذي أنت فيه، أو اتصل بصديق، أو مارس أي نشاط سريع لتغيير تركيز دماغك.

نادرًا ما يكون التدخين مجرد إدمان جسدي؛ فهو مرتبط بعوامل نفسية وسلوكية بشكل وثيق، فالمدخن على الأرجح يدخن استجابةً لمحفزات ربما تكون مشاعر معينة أو مؤشرات بيئية محيطة به. لذلك فإن من أهم الخطوات في رحلة الإقلاع عن التدخين هو تحديد هذه المحفزات والعمل على التغلب عليها.

وفيما يلي بعض المحفزات الشائعة والحلول السريعة لها:

• قهوة الصباح: استبدلها بالشاي لبضعة أسابيع، أو غيّر المكان الذي تشرب فيه قهوتك (مثلاً: في المطبخ بدلاً من الشرفة).

• طريق العمل أو القيادة: احتفظ بأعواد الأسنان، أو أعواد القرفة، أو الحلوى الصلبة في حامل الأكواب بالسيارة لإشباع عادة حركة اليد إلى الفم.

• التوتر والضغط النفسي: استبدل “استراحة التدخين” بمشي سريع لمدة 5 دقائق أو بجلسة تأمل قصيرة عبر تطبيق هاتف أو من دونه.

إن محاولة الإقلاع عن التدخين في عزلة تشبه اللعب في المستوى الأصعب لأية لعبة، ولكن يمكن مضاعفة فرص النجاح عبر الاستعانة بالدعم الخارجي وبناء جدار من الدعم. في هذا السبيل قم بإخبار دائرتك المقربة مثل أصدقائك، وعائلتك، وزملائك في العمل بتاريخ إقلاعك، واطلب منهم صراحةً ألا يعرضوا عليك السجائر أو يدخنوا بالقرب منك. كذلك قم بتتبع تقدمك، حيث إن رؤية عداد مرئي للأيام التي نجحت فيها، والسجائر التي تجنبتها، والأموال التي وفرتها يمنحك دفعة نفسية هائلة.

الإقلاع ليس اختبار تحمّل، إنه مشكلة لوجستية، ويجب التعامل معها كذلك. قوة الإرادة وحدها ربما لا تكفي للإقلاع عن التدخين. يحاول أغلب الناس الإقلاع فجأة دون مساعدة، يتألمون عدة أيام من الجحيم، ثم ينهارون بعد ذلك عند أول ضغط، ويستنتجون بعدها: “أنا لست قويًّا بما يكفي”. هذا خطأ، أنت قوي بما يكفي ولكنك تستخدم الأداة الخاطئة. أكثر المقلعين نجاحًا لا “يتصلبون” فقط، بل يستخدمون استراتيجية، يدمجون العلاج التعويضي بالنيكوتين مع تغييرات سلوكية، يزيلون المحفزات، يخبرون أصدقاءهم، يتجنبون المقهى أو الأصدقاء المدخنين لمدة أسبوعين، يمضغون علكةً، ويمارسون الرياضة.

ختامًا عليك تذكر أنك إذا دخنت سيجارة واحدة في لحظة ضعف، فهذا لا يعني أنك فشلت. الانتكاسة العابرة هي مجرد تجربة نتعلم منها وليست هزيمة. إنها تعني فقط أنك واجهت محفزًا لم تكن مستعدًّا له تمامًا. تجنب عقلية “طالما أنني دخنت واحدة، فلأكمل العلبة”. تخلص من بقية السجائر فورًا، وحلل السبب الذي أدى إلى ذلك، وعدّل استراتيجيتك، وأعد ضبط عدّادك. كل يوم تقضيه بدون تدخين هو خطوة حقيقية نحو صحتك المستقبلية.

نقلا عن "البلاد"

قبل أن تذهب