مباشر

«الاقتصادي» و«السياسي» في تركيا

فواز بن حمد الفواز
نشر في: آخر تحديث:

جاءت الانتخابات الأخيرة بخسارة مؤثرة للحزب الحاكم - العدالة والتنمية تحت قائده الاستثنائي أردوغان لهذه الدولة المحورية في المنطقة. نجاح تركيا منذ وصول الحزب إلى السلطة في 2002 كان لافتا على خلفية تعثر التجربة السياسية والاقتصادية لعقود قبله. في هذا العمود سأستند إلى ملاحظات الاقتصادي التركي الأمريكي داني رودرك وتحليل لـ"أمسقلو" (أحد كتاب لماذا تفشل الدول) ومراد أشر. نجاح الحزب في الأساس كان اقتصاديا ولذلك عبّر السوق عن الخسارة بانخفاض العملة بنحو 3.5 في المائة و6.5 في المائة في سوق الأسهم في أول يوم. النظرة العامة لدينا التي لا تخلو من العاطفية أن تركيا تجاوزت عتبة التقدم ولكن هذا في نظري لم يحدث على الرغم مما أحرزته تركيا خاصة في جزء متعثر من العالم. أهمية تركيا في المنطقة العربية قد تكون سياسية لأن النظرة لدينا ليست تنموية ولأن الأوضاع السياسية أعلى مرتبة. الدور التركي مهم ولكن دور تركيا كان بسبب نجاحها الاقتصادي في المقام الأول.

تركيا دولة متوسطة الدخل وليست قريبة من تحقيق مصاف الدول الآسيوية مثل كوريا وتايوان أو حتى الصين. فمثلا حققت تركيا زيادة في حصة الفرد من الدخل القومي الحقيقي بنسبة 50 في المائة منذ 2002 ولكن هذه النسبة تحققت أيضا في إندونيسيا وغانا وسريلانكا. التطور في تركيا حدث لأسباب مؤسساتية في الجوهر كمحاربة الفساد والانفتاح على مناطق أخرى خاصة مدن الأناضول حيث تطورت شركات التصنيع المتوسطة ودرجة أعلى في استقلال البنك المركزي والاستفادة من النظام المالي العالمي خاصة على أثر انخفاض أسعار الفائدة وأخيرا درجة قبول أعلى للآخر مثل الأكراد وتطوير البنية التحتية. غالبا لما تصل الدول إلى هذه المرحلة (متوسط الدخل عشرة آلاف دولار للفرد) تبدأ تحديات من نوع آخر ولذلك وصلت تركيا إلى مرحلة مفصلية فإما أن ترتقي إلى مدار أعلى مؤسساتيا أو تتراجع إلى ما يعرفه الأتراك في الجيل الذي سبق تجربة الحزب.

اقتصاديا بدا وكأن تركيا في تعثر منذ نحو ثلاث سنوات لأن النجاح الأولي نسبيا سهل حيث المراهنة على الطلب الداخلي الاستهلاكي الذي عبر عنه العجز في ميزان المدفوعات بتمويل خارجي قصير الأجل في غالبه أكثر منه استثماري رأسمالي طويل الأجل. لعل توجه الكثير من العرب لشراء العقارات هناك إحدى تجليات هذه الظاهرة. صاحب هذا التلكؤ الاقتصادي أخيرا تراجع مؤسساتي تمثل في الحد من حرية الصحافة والحديث عن تسييس القضاء وضعف التعليم مقارنة بالدول المتقدمة. أغلب صناعات تركيا من المستوى الخفيف والمتوسط حيث القيمة المضافة محدودة وعرضة أكثر إلى ارتفاع التكاليف. الوصول إلى الصناعات الأكثر تعقيدا يتطلب تطورا مؤسساتيا ولكن هذا لم يحدث بالدرجة الكافية. لعل انخفاض أسعار النفط يساعد على تقليل العجز التجاري، لكنها لن تكفي وحدها.

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية "

قبل أن تذهب