العثرة التركية تحتاج رؤية موحدة
اعتبر كثيرون تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا نموذجاً مهماً للتنمية، لكن مع وجود جوانب مهمة في هذه التجربة قد تكون جديرة بالمحاكاة، ثمة جوانب أخرى تتطلب التدقيق. لقد تمكن الحزب على مدى 13 سنة من الحكم المنفرد من تطوير آليات الاقتصاد ودفع القطاع الخاص ليؤدي دوراً مهماً في مختلف القطاعات، وانتعشت الصناعة التحويلية والتجارة والسياحة، وتحقق استقرار نسبي لسعر صرف الليرة التركية بعدما كان عرضة للتراجع وأحياناً التدهور. والآن ما هي معالم الاقتصاد التركي بعد هذه السنوات الطويلة؟ وما هي التوقعات للسنوات المقبلة، بعدما أصبح صعباً على الحزب الانفراد بالسلطة في ضوء نتائج انتخابات 7 حزيران (يونيو)؟
تعتبر تركيا من الدول العشرين الأهم اقتصادياً في العالم، ويقدر ناتجها المحلي الإجمالي بـ 800 بليون دولار، وبلغ معدل النمو الاقتصادي عام 2014 نحو 2.9 في المئة، وسجل متوسط معدل النمو بين 2002 و2011 نحو 5.2 في المئة. وارتفع متوسط دخل الفرد إلى 10 آلاف و500 دولار عام 2014. وساهمت الزراعة بنسبة 8.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي والصناعة بنسبة 25.5 في المئة والخدمات بنسبة 48.4 في المئة.
وظلت تركيا تواجه عجزاً في الميزان التجاري، إذ صدرت عام 2014 بقيمة 177 بليون دولار واستوردت بواقع 240 بليون دولار، ما يعني أن العجز في ميزان التجارة الخارجية كان 63 بليون دولار. بيد أن قطاع السياحة كان وربما سيظل من أهم مصادر الدخل، إذ راوح عدد الزوار في السنوات الأخيرة بين 30 و35 مليون شخص سنوياً، ويقدر الدخل السنوي من هذا القطاع بنحو 30 بليون دولار. وبذلت الحكومة جهوداً وأنفقت أموالاً على البنية التحتية في العديد المناطق تشجيعاً للمستثمرين لتوظيف أموالهم في مشاريع الفنادق والمنتجعات السياحية. وبذلك أصبح القطاع من القطاعات التي توجد فرص عمل في البلاد.
ودفعت مشاريع البنية التحتية وغيرها من مشاريع كبيرة إلى الاستدانة، فبلغت الديون الخارجية عام 2014 نحو 400 بليون دولار، منها 69 في المئة للقطاع الخاص و31 في المئة للقطاع العام، ومقارنة بـ 130 بليون دولار عام 2002. ووفق معايير البنك الدولي تعتبر تركيا من الدول المثقلة بالديون التي تعادل 252 في المئة من الصادرات. وهكذا يتطلب الأمر معالجات لمسألة الديون وتطوير إمكانيات البلاد لجني مداخيل تمكنها من مواجهة الاستحقاقات. وتشمل هذه المعالجات تعزيز الصادرات وتقليص الواردات وتحسين ميزان المدفوعات، ومراجعة بعض المشاريع الأساسية والتأكد من جدوى البعض الآخر، خصوصاً تلك التي أثقلت البلاد بالديون.
ولا بد لمسألة الديون الخارجية من أن تنعكس على سعر صرف الليرة البالغ الآن 2.7 ليرة للدولار. وخلال سنة تراجع السعر من 2.1 ليرة للدولار إلى 2.7. ولا بد من التأكيد على أهمية الأحداث السياسية التي مرت بها البلاد خلال العام الماضي وهذا العام وبروز النزاعات السياسية بين الرئيس رجب طيب أردوغان وعدد من حلفائه السابقين الذين يملكون قدرات اقتصادية مهمة، يضاف إلى ذلك تزايد المعارضة لأسلوب أردوغان في الحكم. هذه العوامل زادت القلق لدى المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال ودفعت إلى هجرة مهمة لرؤوس الأموال من البلاد. لكن لا بد من الأخذ في الاعتبار تزايد الالتزامات الناتجة عن الديون وارتفاع عجز ميزان المدفوعات بما يزيد من الضغوط على سعر صرف الليرة.
يمثل سعر صرف العملة الوطنية لأي اقتصاد مؤشراً مهماً يقيس به المستثمرون والمؤسسات المالية عافية الاقتصاد، كما أن تقلب سعر الصرف ينعكس على الأوضاع المعيشية للمواطنين إذ يرفع من مستويات التضخم. لا تزال تركيا مستوردة صافية للعديد من البضائع والسلع، خصوصاً النفط ومشتقاته. وضغطت حكومة أردوغان قبل ثلاثة أشهر على المصرف المركزي لخفض سعر الحسم دعماً لمعدلات النمو من دون الأخذ في الاعتبار العوامل الفنية ومتطلبات السياسة النقدية والحد من التضخم. وربما كان ذلك الضغط لأهداف انتخابية.
من جانب آخر، يقدَّر عدد سكان تركيا بـ 78 مليون شخص، وهذا الحجم السكاني يعتبر كبيراً في ظل الإمكانات الاقتصادية للبلاد. ولحسن حظ تركيا فإن معدل النمو السكاني لا يزال معقولاً فهو لا يتجاوز 1.4 في المئة سنوياً. كما أن معدل الخصوبة يبقى ملائماً، فهو لا يزيد عن 2.1 طفل للمرأة البالغة سن الخصوبة. وحاول أردوغان تشجيع الأتراك على زيادة الإنجاب لكن السلوكيات الاجتماعية المكتسبة على مدار عقود، خصوصاً في المناطق الحضرية، لم تستجب إلى ذلك.
ولا يزال معدل البطالة مرتفعاً في تركيا، إذ يصل إلى نحو 10 في المئة، وهو مستوى مرتفع لكنه ليس غير عادي فالبطالة في دول الاتحاد الأوربي تعادل هذا المستوى. وهناك مناطق في تركيا تشكو بشدة من البطالة، مثل المناطق الجنوبية الشرقية حيث تسكن الأقلية الكردية، ما يبرز أهمية توظيف مزيد من الأموال لانتشال هذه المناطق من وطأة التخلف الاقتصادي. يضاف إلى ذلك أن 17 في المئة من سكان تركيا هم دون خط الفقر المتعارف عليه دولياً، ما يعني أن هناك ضرورة لمواجهة هذه المشكلة وتعزيز فرص العمل وتحسين مستويات المعيشة.
إذاً، تركيا ليست في أوضاع وردية على رغم كل التطورات الإيجابية، وثمة تحديات أمام الحكومة المقبلة تتمثل في معالجة العديد من الملفات الاقتصادية. وعندما تكون الحكومة ائتلافية، كما هو متوقع، فإن أهمية صياغة برامج اقتصادية متفق عليها سياسياً تصبح مستحقة، كي لا تتعطل المشاريع والبرامج الإنمائية والإصلاحات المالية ومواجهة استحقاقات الديون وجذب رؤوس الأموال من الخارج.
* نقلا عن صحيفة "الحياة "
اختيار المحررين
-
مدارس دولية تشعل زوبعة في مصر.. رسوب جماعي وأوراق بيضاء مصر منذ ساعة -
بلا دوبلير.. محمد إمام يتحدى المونديال والثانوية بـ"صقر وكناريا" ثقافة وفن منذ ساعة -
الأبيض تحت النار والعطش.. مدينة سودانية تبحث عن قطرة ماء السودان منذ ساعة -
جديد البطل السوري الذي شغل أستراليا.. محاكمة بالتعدي على والده الأخيرة منذ ساعتين