مباشر

أقطاب النفط الثلاثة والتعاون السعودي الروسي

إحسان بوحليقة
نشر في: آخر تحديث:

ينطبق على روسيا وصف «صليب الراس»، وبالرغم من أن روسيا تضع يدها في كل الملفات الحساسة في منطقتنا، إلا أن الشق الاقتصادي معها كان دائماً "نفطياً"، فالمملكة وروسيا تلتقيان في وضعهما المميز في عالم النفط، من حيث الاحتياطيات والإنتاج، ففي شهر مايو 2015 وصل إنتاج روسيا إلى 10.7 مليون برميل يومياً، أعلى قليلاً من إنتاج السعودية الذي وصل الشهر المنصرم إلى 10.25 مليون برميل يومياً، لكن يبقى مستوى الإنتاج متقارباً بين البلدين، ويبقى التقارب حتى فيما عُرف بنقطة التعادل المالي، التي راج الحديث عنها في النصف الثاني من العام المالي 2014، فقد قُدرت تلك النقطة بنحو 105 دولارات للبرميل لروسيا، مقابل 104 دولارات للبرميل للمملكة، وفقاً لتقرير صدر عن دوتش بنك اعتماداً على بيانات صندوق النقد الدولي.

وكما تحدثنا هنا مطولاً عن النفط الصخري وما حققته الولايات المتحدة من مكانة بسبب تصاعد إنتاجه، فقد تمكنت قبل أيام من إزاحة روسيا عن عرش لطالما تربعت عليه باعتبارها أكبر منتج للنفط والغاز الطبيعي. وبغض النظر عما قد يعتقده البعض من أن تراجع أسعار النفط سيكون الصخرة التي ستتحطم عليها صناعة استخراج النفط الصخري، إلا أن ما تبين من الواقع المعاش حالياً أن بوسع معظم المنتجين الأمريكيين التعايش مع الأسعار القائمة (60-65 دولارا للبرميل).

وعلى الرغم من أن روسيا خارج أوبك، وأن لها سياسة نفطية مستقلة تسعى من خلالها لتعظيم مكاسبها من النفط، إلا أن الغاز الطبيعي يمثل مرتكزاً أساسياً لصادرات روسيا من الطاقة، وبالتالي علاقاتها الإستراتيجية وخصوصاً مع بلدان أوروبا القديمة!

وفيما يتصل بتقاطع سياستها النفطية معنا في الماضي القريب، فكانت روسيا قد وعدت قبل انعقاد اجتماع أوبك في العام الماضي (2014) من أنها ستساهم مع بعض دول أوبك في جهد منسق لخفض الإنتاج؛ للحد من الفائض في السوق لكبح تراجع الأسعار، إلا أن روسيا لم تشارك، ففي 25 نوفمبر 2014 خرجت لنا وسائل الإعلام بأن روسيا لم تتوصل لاتفاق مع بعض دول أوبك ومنها السعودية حول خفض الإنتاج! لكنها دخلت - بطريقة أو بأخرى - ولعل قوى السوق النفطية أرغمتها على ممارسة (الأسلوب "السعودي") بإعادة التوازن للسوق النفطية من خلال الدفاع عن الحصة عبر إشباع الطلب، وقد تُرجم ذلك بزيادة الإنتاج بصورة مطردة، وهذا ما تبينه احصائيات انتاج روسيا من النفط، مع الأخذ بالاعتبار أن روسيا كانت تريد أن تبيع لكل مشتر للتخلص من الضغوط على خزانتها العامة، فمن المتوقع أن يتقلص الاقتصاد الروسي هذا العام (2015) بنحو 3.25 بالمائة، وهي تعاني من عقوبات على قطاعي النفط والمال بسبب أوكرانيا.

وعلى الرغم من خروج بعض منتجي النفط الصخري مرتفعي التكلفة والمخاطر المتصاعدة التي سيتعرضون لها في حال رفع سعر الفائدة على الدولار، إلا أن محاولة كسر عنفوان الطفرة في إنتاج النفط الأمريكي لم تنجح حتى الآن، ففي مايو الماضي (2014) كان متوسط الإنتاج الأمريكي من النفط 8.4 مليون برميل يومياً، وقد ارتفع إلى 9.6 مليون برميل في شهر (مايو 2015)، أي بزيادة 1.2 مليون برميل يومياً.

التعاون مع روسيا في مجال الطاقة ضروري؛ للحفاظ على التوازن في سوق الطاقة العالمي، وهذا يستدعي بالضرورة ترتيباً يمكن تسميته (أوبك+1) والواحد هنا هو روسيا، إذ علينا تذكر أن عدم التوصل إلى اتفاق مع روسيا يوم 25 نوفمبر 2014 اضطر أوبك للتخلي عن إستراتيجيتها التقليدية القائمة على "تجفيف الفائض"؛ لتحقيق توازن في السوق النفطية. أما في حال التوصل لاتفاق مع روسيا، فسيكون مجدياً التخلي عن سياسة الدفاع عن الحصة السوقية والعودة إلى التوازن بين العرض والطلب.

وهكذا، نجد أن مصالح اقتصادية حيوية تدفع لتقارب بين المملكة وروسيا، يأتي على رأسها النفط، باعتبار أنه يمثل ما يربو على 90 بالمائة من إيرادات الخزانة السعودية، في حين تمثل صادرات روسيا من النفط والغاز نحو 68 بالمائة من إيرادات الخزانة. ورغم أن النفط نقطة الالتقاء الأساسية، إلا أن ثمة نقاطا أخرى مهمة. وقد اتضح ذلك من الاتفاقيات التي وقعت إبان الزيارة المهمة لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع ورئيس مجلس الشئون الاقتصادية والتنمية، والتي تمثل نقاط التقاء أساسية، وهي الصناعة الذرية الروسية للاستخدامات السلمية، وكذلك الآفاق لتبادل الاستثمارات بين المملكة وروسيا، والنقطة هنا هي التملك والاستحواذ للشركات القائمة والاستفادة من التقنيات الروسية والصناعات المعرفية والزراعية على حدٍ سواء.

* نقلا عن صحيفة " اليوم "

قبل أن تذهب