لماذا نعمل؟
وكان السؤال، الذي تم طرحه في هذا الحيز في الأسبوع الماضي، ما دامت الحكومة هي التي تطبع النقود، لماذا لا توزع على كل فرد من أفراد المجتمع ما يكفيه لشراء كل ما يريد؟
ولنفرض جدلاً أن الحكومة طبعت ووزعت من دون شروط فماذا سيحصل؟
سيتنافس الناس للحصول على ما يرغب كل فرد في الحصول عليه حتى يصبح ما كان الناس يدفعون له عشرة بمئة. وإذا استمرت طباعة وتوزيع النقود فما وصل سعره إلى مئة سيصل إلى ألف، ثم عشرة آلاف، ثم مئة ألف، وهلم جرا.
وما هذه الأرقام إلا لإيضاح التناسب العكسي بين كمية ما يتم إصداره من نقد وقيمة النقد. أو التناسب الطردي بين الزيادة في كمية النقد وتصاعد الأسعار. أما النسبة الحقيقية التي سترتفع بها الأسعار فتعتمد على كمية ما يتم طبعه وتوزيعه. وسبق أن مرت ألمانيا، قبيل وصول هتلر إلى الحكم بسنوات قليلة، بتجربة مماثلة لما ورد وصفه أعلاه، إلى درجة أن الناس حين اشتروا بعض الضرورات في الصباح، وعادوا لشراء المزيد منها بعد العصر وجدوا أن الأسعار تضاعفت في المساء خلال يوم واحد.
إن النقود، وسواءً أكانت عملة ورقية أم مسكوكة من الذهب والفضة، أداة قياس للثروة، وليست الثروة نفسها. وقد جرب ذلك البرتغاليون والإسبان حين استعمروا مناطق في أميركا الجنوبية فاكتشفوا كميات ضخمة من الذهب والفضة، فجلبوا ما استخرجوا من ذهب وفضة وسكوا كميات ضخمة مما حازوا عليه من الذهب والفضة.
فماذا حصل؟
ارتفعت الأسعار لكل سلعة وكل خدمة، بكل أنواعها، فارتفعت جميع التكاليف. بمعنى أن العملة فقدت نسبة كبيرة من قيمتها. فساءت مستويات معيشة عامة الناس بدل أن تتحسن، «وكأنك يا أبو زيد ما غزيت».
إن ما حدث في إسبانيا وفي البرتغال يوضح الفرق بين أداة القياس وما يراد قياسه. فالثروة الحقيقية هي ما أنتجه أو سينتجه المجتمع من سلع وخدمات. وما العملة حتى لو كانت مسكوكة من الذهب والفضة إلا أداة تداول، ولا تحتفظ بقيمتها إذا زاد المتداول منها عما تبرره الزيادة في الإنتاج الكلي من السلع والخدمات.
ومقدار وحدة العملة أيضاً ليس مهماً. فمثلاً إذا أراد المواطن السعودي شراء 100 جنيه إسترليني، فذلك يكلفه نحو 534 ريالاً سعودياً، وإذا أراد شراء 100 ين ياباني فإن ذلك لا يكلفه أكثر من 4 ريالات فقط. فهل يعني ذلك أن الين الياباني عملة ضعيفة والجنيه الإسترليني عملة قوية؟
كلاهما عملة صعبة قوية ما دام يمكن شراؤها أو بيعها في الأسواق الحرة من دون تدخل السلطات التي أصدرتها. فقياس المسافة بالأميال أو الأكيال لا يغير المسافة.
إن جميع السلطات النقدية، وهي السلطات الحكومية التي تصدر أو تطبع العملات الصعبة المعوّمة (أي التي تباع وتشترى في الأسواق العالمية من دون قيود) التي تحدد قيمتها نسبة إلى بقية العملات المعروض منها والمطلوب منها وما هو متوقع عرضه أو متوقع طلبه لا يتم إصدارها عشوائياً. فالدولار الأميركي على سبيل المثال يتم إصداره من دون مقابل من ذهب أو فضة أو رصيد من عملات أخرى. ومع ذلك فلا يتم إصدار كميات إضافية من الدولارات إلا إذا رجح البنك المركزي الأميركي (ويسمونه في أميركا بنك الاحتياط الفيديرالي) إن ما تم إصداره يفي بحاجات أسواق الائتمان (أي أسواق الحصول على القروض مهما صغرت أو كبرت) من دون رفع نسبة التضخم.
وكلمة عابرة عن معنى التضخم. فليس أي ارتفاع بالأسعار تضخماً. وإنما التضخم هو «استمرار ارتفاع المستوى (العام) للأسعار». ولكلمة (عام) معنى محدد نقربه بالقول إنه «مؤشر» أسعار مكونات المعيشة المهمة كتكاليف السكن والغذاء والوقود... إلخ، وليس أسعار سلعة واحدة.
وبالنسبة إلى الريال السعودي فهو مرتبط بالدولار. أما «كتلة» الريالات أو الكمية التي تصدرها أو تطبعها مؤسسة «النقد» فالذي يحددها هو إنفاق الدولة. وإذا احتاجت الدولة مبلغاً فإن مؤسسة النقد تأخذ من احتياطيات الدولة بالعملات الأجنبية وأهمها الدولار ما يساوي قيمة المبلغ المطلوب من الريالات. وهذا يعني أن مستوى سيولة الريال يزيد وينقص بمقدار زيادة أو نقص الإنفاق الحكومي.
وملخص الموضوع، لا بد من العمل أو المشقة، لإنتاج ما نرغب في حيازته. وبما أن غالبية البشر يفضلون الراحة وقضاء الوقت في ما يحبون، فلا بد من تعويضهم في مقابل تخليهم عما يحبون عمله، إذا عملوا عملاً آخر يؤدي إلى إنتاج أو إنجاز سلع وخدمات. وللأسف فإن ما يمكن توفيره من سلع وخدمات، مهما كثرت، محدود. وهذه المحدودية هي ما يدفع الناس إلى التنافس للحصول عليها. وما النقود أو العملة إلا أداة قياس. أما السعر الحقيقي لكل سلعة أو خدمة مطلوبة فهو ما يتخلى عنه المرء في مقابل الحصول على غيره.
* نقلا عن صحيفة " الحياة "
اختيار المحررين
-
صدمة بين السوريين.. أطباء يقرون بسرقة كبد أحد الموقوفين سوريا منذ 10 ساعات -
ما لا تعرفه عن أول مونديال في الأرجنتين.. نهائي مثير للشكوك الأخيرة منذ 16 ساعة -
قبل مرزبان.. نجوم لقوا حتفهم بحوادث سير بينهم عمر خورشيد وأسمهان ثقافة وفن منذ 16 ساعة -
ماكرون يكشف سبب توقيع مذكرة التفاهم في قصر فرساي أميركا منذ 18 ساعة