مباشر

اقتصاد

اشتر الآن وتورط لاحقاً

عبد الله الردادي
نشر في: آخر تحديث:

مع انتهاء النصف الأول من السنة، بدأت نتائج الشركات الناشئة في مجال التقنية المالية تعلن عن قفزاتٍ في إيراداتها وأرباحها التي تتضاعف عاماً بعد عام، وترتفع بالتالي تقييماتها التي وصلت إلى مليارات، ويُحتفى بهذه القفزات بوصفها قصص نجاح في ريادة الأعمال، ودليلاً لفائدة الالتقاء بين القطاعات والتقنية، وبالتأكيد فإن في هذا الصعود ما يستحق الاحتفاء، فهو انعكاس لمرونة الابتكار والقدرة على قراءة الطلب في السوق، ولكن هذا الاحتفاء يطرح تساؤلاً جوهرياً؛ هل تضاعف أرباح شركات التقنية المالية – والتي يقوم معظمها على الإقراض – علامة ازدهار المستهلك أم حاجته إلى الاستدانة؟ فأرباح المقرض لا تنمو إلا بنمو ديون المقترضين، وهو ما يستدعي النظر في الجانب الاجتماعي من هذه الظاهرة.البداية من طبيعة ما يُشترى بالتقسيط، فالشراء بالأقساط ليس سلبياً على كل حال، فحين يموّل المرء أصلاً يبقى ويولد قيمة على المدى الطويل فذلك أمر إيجابي، ولكن أن تكون الأقساط لطعام يُستهلك، أو لسلعة ترفيهية تزول لذتها سريعاً، فإن في ذلك ما يثير التساؤل، وقد كشفت استطلاعات الأسواق الأميركية أن قرابة 29 في المائة من مستخدمي هذه الخدمات لجأوا إليها لشراء الطعام، وترتفع هذه النسبة في الجيل الناشئ إلى نحو 38 في المائة، وأكثر من نصف من شملهم الاستطلاع لا يستطيعون تدبّر نفقاتهم دون خدمة الشراء الآن والدفع لاحقاً، وحين يقسط المرء ما يأكله اليوم، فإنه يدفع غداً ثمن شيء استهلكه وانتهى، ويبدأ شهره التالي مثقلاً بفواتير الأمس، وليس في ذلك مؤشر ازدهار، بل هو مؤشر هشاشة معيشية خلف واجهة أنيقة، والمتأمل في المطاعم الفاخرة التي توفر خدمة الشراء الآن والدفع لاحقاً يستوعب هذه الواجهة الأنيقة الزائفة.ولا يمكن إيقاع اللوم كله على المستهلك، فكما هو الحال مع كثير منتجات هذا العصر، فخدمة «اشتر الآن وادفع لاحقاً» مصممة بعناية لتغري المستهلك، وتظهر الأدبيات العلمية أن تطبيقات التقنية المالية توظف ما يسمى ب«تلعيب الديون» (Gamification of Debt)، ويشمل ذلك المكافآت والتنبيهات لتحويل الإنفاق إلى تجربة مسلية تشد المستخدم وتبقيه، وجوهر الحيلة هنا في فصل «ألم الدفع» عن «لذة الشراء»؛ فحين يتأجل الألم ويتجزأ إلى أقساط صغيرة، يخفت إحساس المستهلك بثقل ما ينفق، ويضعف بالتالي ضبطه لنفسه، ولا غرابة في أن تجد الأبحاث أن أصحاب ضبط النفس المنخفض هم الأكثر إقبالاً على هذه الأدوات، وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن هذه الخدمات تعد جزءاً مما يسمى ب«إضفاء الطابع المالي للحياة» (Financialization of Life)، وحينها يتحول الدَّين نفسه إلى سلعة ونمط حياة يتربى عليه الشباب، ونتيجة ذلك أن مستخدم التقسيط أكثر بنسبة تتراوح بين 17 و26 في المائة، وأن واحداً من كل خمسة يتكبّد غرامات تأخير.هذه التكلفة الاجتماعية لا تظهر في نشرات الأرباح، وثقافة الادخار التي تؤدي دوراً جوهرياً في الاقتصاد، ستتآكل حين يُقدّم حل فوري مؤجل الدفع لكل رغبة لحظية. فخدمة «اشتر الآن وادفع لاحقاً» تمنح المتعة وتؤجل الحساب، بينما الادخار تأجيل المتعة إلى حين القدرة عليها، وللقارئ التخيل أيها سيفضل المستهلك في غياب الوعي المالي، وينتج عن ذلك ديون متراكمة على الأسرة من التزامات صغيرة غير مرئية تلتهم الدخل قبل وصوله، وتلبس هذه الخدمة ثوباً لطيفاً بمفردات مثل، التيسير، والتسهيل، وهو ثوب يختلف كلياً عن الاتصالات الواردة حين التأخر عن الدفع.

ويكمن حل الإفراط في هذا النوع من الاقتراض في جانبين، أولهما حكومي تشريعي يسعى إلى ضبط الخدمة لا حظرها فيما يعرف ب«الإقراض المسؤول»، وقد كشفت أبحاث أن العديد من المستخدمين في بعض الدول يظنون خطأ منهم أن هذه الخدمة منظمة ومحمية كبطاقات الائتمان، وهو ما يكشف عن الجانب الثاني وهو الوعي. وبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن فرط الديون من أخطر ما يهدد استقرار الأسر، ودعت المنظمة إلى تثقيف مالي يواكب الأدوات الرقمية الجديدة، كما أكدت أبحاث أكاديمية أن ارتفاع الثقافة المالية يقلل من احتمالات التعثر، والتوعية هنا ليست وعظاً، بل هي تمكين للمستهلك في أن يقرأ ما وراء القسط الصغير، وأن يفرق بين ما يموّل لأنه أصل نافع، وما يقسط لمجرد أنه متاح عبر الهاتف الذكي.

إن نجاح الشركات المالية التقنية هو نجاح لجزء من الاقتصاد، وهو يعرف النجاح بحجم الإيراد والتقييم في جولات التمويل، ولكنه لا يلتفت لميزانيات الأسر، ولا لمستويات ادخارها، وهي معايير لصحة الاقتصاد في مجمله، والتي ليست ضمن مهام ومسؤوليات الشركات المالية، التي تركز على «لذة الحاضر»، ويقع ضحية ذلك المستهلك الذي يشتري ما لا يحتاج بما لا يملك.

* نقلا عن صحفية الشرق الأوسط

قبل أن تذهب