لبنان في الطريق الصعب إلى الجمهورية الثالثة
تتجه الأمور في لبنان بقوة إلى تأجيل الانتخابات النيابية وبالتالي التمديد لولاية المجلس النيابي الحالي . لن يكون ممكناً إجراء الانتخابات وفق القانون الحالي الذي لم يصبح نافذاً بسبب عدم تعيين الهيئة المشرفة على الانتخابات، فضلاً عن الاعتراض الواسع عليه من معظم القوى السياسية . ولن يكون ممكناً تصديق مشروع القانون المسمّى “اقتراحاً أرثوذكسياً” في ظل اعتراض طائفي من كتلتين مع احتمال مقاطعتهما جلسة تصديق المجلس على المشروع . أما المقترحات الوسطية لنظام مختلط فلن تحظى بالتأييد لا من حيث توزيع المقاعد ولا من حيث تكوين الدوائر الانتخابية .
على ذلك يبدو أن الأفق مقفلاً أمام وجود قانون يحظى بالتوافق، وبالتالي يعكس عدم وجود تسوية سياسية تضمن إجراء انتخابات في ظل أوضاع أمنية يمكن لها أن تنفجر من باب الاحتجاج على قانون الانتخاب .
المسألة التي يجري التداول بها هي كيفية إخراج التمديد، ومن هي الجهة التي تتحمل سياسياً تبعة التأجيل والتمديد والطعن بالمسار الديمقراطي اللبناني . لكن المخرج يمكن أن يأتي من رئاسة الجمهورية ومن الحكومة نفسها عند بلوغ نقطة الصفر .
يعكس هذا الواقع حجم الأزمة السياسية التي فاضت عن المؤسسات وإمكان استيعابها وحلها في ظل غياب رعاية إقليمية ودولية . فلا يستطيع اللبنانيون أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم لأن المعادلة التي نشأت بعد اتفاق “الطائف” واقعياً، وكذلك بعد اتفاق “الدوحة”، لم تعد مقبولة من طرفي النزاع اللبناني .
ففي اتفاق الدوحة (2008) جرى الاتفاق على قانون الانتخاب وعلى حصص القوى والأطراف وعلى طبيعة وشكل الحكومات وتوازناتها وكذلك التوافق على انتخاب رئيس للجمهورية . هكذا حصلت الانتخابات من ضمن صفقة متكاملة تأمنت لها رعاية وضمانة من الخارج الإقليمي والدولي . وحين اختلّت هذه التسوية في الممارسة الحكومية، جرى الانقلاب عليها ونشأ وضع انتقالي جديد تمثل في الحكومة الحالية التي تدير الأزمة من دون إمكان معالجتها . على هذا الأساس لا يمكن لأي من الطرفين أن يقبل أرجحية حاسمة للطرف الآخر تجعله يسيطر على الشرعية الرسمية اللبنانية فيأخذ البلاد في خياره السياسي وحده . ولا أفق الآن لاحتواء الأزمة الإقليمية يمكن أن تترجم في لبنان تسوية جزئية، بل إن الوضع الإقليمي لايزال مرشحاً لمزيد من دورات العنف، وليس من أحد يضمن لنفسه مناخاً إقليمياً في مصلحته .
ومن المرجح أن يتم التمديد القانوني لمجلس النواب حتى لا يحصل الفراغ الدستوري الذي يمكن أن يعطل دور السلطة التنفيذية كذلك ويوقع البلد في فوضى عامة . بل إن هذا التمديد يمكن أن يشمل مواقع السلطة كلها بما فيها رئاسة الجمهورية، وربما يشمل مواقع أمنية كذلك .
هذا الواقع يضعف أكثر شرعية الدولة وعملياً يزعزع الصيغة التي أقرها اتفاق الطائف لجهة توزيع السلطات والصلاحيات على الطوائف . ولعل المناخ الذي رافق النقاش على قانون الانتخاب، أكد أن الجماعات الطائفية معظمها ليست راضية عن النظام الحالي والتوازنات الحالية . فإذا حصل التمديد لمجلس النواب لن يكون ذلك نهاية المطاف، بل سيطرح فوراً احتمال تغيير النظام السياسي وإعادة النظر بالصيغة الحالية . وقد أصبحت الجماعات الطائفية لأكثر من سبب قلقة على مصيرها إن لجهة الأوضاع الإقليمية ومصير النظام الإقليمي، أو بالنسبة إلى المخاوف الناتجة عن التنافس الحاد الذي يحصل على السلطة . وفي الواقع السياسي الحالي ليس هناك من قوى وسطية أو تعددية داخل الطوائف تسمح بخلط الأوراق سياسياً، لذا فإن احتمالات هيمنة طائفة كبرى على النظام السياسي أصبحت ممكنة إذا توافرت لها تحالفات معينة، الأمر الذي يطبع النظام بسمة طائفية واضحة .
على هذا الأساس يبدو الصراع مفتوحاً على احتمالات إنشاء “جمهورية ثالثة” تقتضي تعديل الدستور من أساسه وليس إجراء بعض التعديلات في الصلاحيات، إلا أن التحضير للانتقال نحو “الجمهورية الثالثة” لن يكون من دون صدمة قوية سياسية وأمنية . وفي الاتجاهات التي تتعمق يومياً يبدو أن لبنان مرشح لإيجاد صيغة من صيغ الفيدرالية، لأنه بات يصعب قيادة نظام من خلال مواقع ثلاث قوى رئيسة (الموارنة، السنة، الشيعة) .
بناء على هذه الاعتبارات لن يشهد لبنان استقراراً سياسياً تحت كل الظروف قبل أن تنجلي معطيات النظام الإقليمي، وبالتالي رعاية خارجية لصيغة الحل اللبناني.
* نقلا عن "الخليج" الإماراتية