مباشر

من قتل شكري بلعيد ؟

ناصر بن عرب
نشر في: آخر تحديث:

سيبقى شكري بلعيد رمزالحرية ومقاومة الرأي الواحد في ذاكرة شعبنا. أما أن يبلغ الاختلاف درجة الخصومة والعنف والاغتيال فهذا ليس من شيم الأمم المتحضرة.
وهنا نريد أن نحيّي روح هذا المناضل الفذّ الذي رفع صوته سابقا ودخل السجن من أجل الحرية والكرامة لشعبنا. وفي نفس السياق نطالب الدولة المنتخبة باتخاذ القرارات الفورية ضدّ البطالة والفوضى والاعتداءات والانتهاكات المتعدّدة ضدالمواطنين والمعالم والمؤسّسات دون أن يخشى أحد ولم يعل صوته إلا للدفاع عن الشعب وعن التونسيين أجمعين. فهذا الرأي وإن اختلف فإنه يستحق التقديرولا يستحق الاغتيال. وفاجعة مثل هذه هزت مشاعر شعبنا وفتحت ثغرة لقيام الفتنة بيننا...
فمن هوالمجرم الذي قتل شكري بلعيد ؟ للأمانة، هنالك عدة أطراف قادرة على تنفيذ جريمة شنيعة مثل هذه. وما لم يلق القبض على المتهم في هذه القضية ، سيتواصل الشك في أذهاننا ويسود الارتباك، لأن خطاب شكري بلعيد كان خطابا لا يسرالعديد من الأطراف الفكرية والسياسية والاقتصادية وطنيا وعالميا و بقدرما كان يدافع عن حقوق الشعب والعدالة الاجتماعية ينزعج أصحاب الأموال والسلطة لفقدان مصالحهم. وكلنا نعرف أيضا أن شكري بلعيد كان ملتزما بالوحدة العربية والقضية الفلسطينية مما يجعله أكثرعرضة للخطر... كما أنه كان خصما جريئا، تخشاه أكثرية الأحزاب في تونس بما فيها الحزب الحاكم في خصوص إنشاء المشروع الاجتماعي المستقبلي للعيش الكريم والأفضل بتونس وفي نظرخصومه فهذه الاختلافات الفكرية قد تبررإبعاده عن الساحة السياسية الوطنية والعربية ولوأدى ذلك لاغتياله. وللأسف الشديد، هذا ما حصل. لقد دافع الأستاذ شكري بلعيد عن الحرية والديمقراطية رغم القمع الرهيب الذي مارسه النظام السابق ضد حرية التعبير، ثم أطلقت الثورة لسانه ففاجأ الساحة السياسية بحماسه وفصاحته وتمكن من مخاطبة الناس بما يفهمون ولقد ركزفي خطابه علنا لرجال الدولة الحاكمة على تحقيق مطالب الشعب التي من أجلها اندلعت الثورة وعن التناقضات والانحرافات التي بدأت تغزو السلطة. كما أن خطابه كان متجها للمسؤولين في الأحزاب الأخرى يحذرهم فيه عن سعيهم وراء السلطة أكثرمن دفاعهم عن تحقيق مطالب الشعب.
وهذا الخطاب بإمكانه في نظرنا أن يزعج الكثيرمن هذه الأحزاب لأنه كما قلنا بادربطرح المسائل المصيرية على الساحة العمومية وتحقيق الحرية والعدالة والديمقراطية واكتساب الذات والهوية.
لما عقدنا العزم على تحقيق الكرامة لأفراد شعبنا بعد الثورة، انتخبنا أعضاء المجلس التأسيسي لتحريردستورجديد يعززهويتنا ويضمن لكل فرد منا الحرية والعدالة والكرامة والأمن والأمان والائتلاف والتآخي واحترام الرأي الآخر.
لكن العنف بلغ ذروته وتمكن المجرمون من اغتيال شكري بلعيد. فلا بدّ لنا أن نفهم الأسباب التي أدّت لقتله. وفي رأينا لا يكفي أن يكون السبب اختلافا سياسيا أوفكريا فحسب ، إنما الأسباب تكمن أيضا في الأزمة الرّهيبة التي يعيشها شعبنا منذ الاستقلال والتي تتمثل في فقدان الهوية.لأن الأمم لا تقوم إلا على هوية متينة صلبة سليمة لتحقيق وحدتها واستقرارها. فكيف نطرح مسألة الهوية بينما نحن نتساءل عن هوية المجرمين الذين اغتالوا شكري بلعيد ويتّموا كل فرد من شعبنا يؤمن بالعدالة والأخلاق السامية وحقوق الانسان ؟
نحن نعتبرالهوية العروة الوثقى التي تدفع الأمم إلى الرقي والتقدم وهي كذلك شرط من الشروط الأساسية لبعث الثقة في النفس والاعتزاز بالانتماء إلى شعب وأمة تخلومن الشعوربالنقص لأن الهوية الوطنية هي التي تجمع أفراد الشعب حول نفس الأفكاروالطموحات والمفاهيم والقيم لصقلها وضمانها. ولتحقيقها لا بدّ أن تكون قائمة على أركان ثابتة. أولها اللغة والمعتقدات والثقافة والأعراف ثم تأتي العادات والتقاليد التي توارثت وتداولت منذ القدم. فلكل شعب هوية تختلف عن هوية الشعب الآخروبقدرما تكون الهوية قوية، تخول لشعبها هيبة وكرامة وحماية وصيانة يكون نفوذها أقوى على الصعيد الدولي. والسؤال الذي لا بد أن نلقيه باستمرارعلى أنفسنا هو: من نحن كمجتمع ؟ من أين أتينا ؟ ماذا نمثل لبعضنا بعض ؟ ماذا نريد؟ ما هو الشيء الذي نرغب فيه ؟ وماذا ينقصنا لتحقيق حياة أفضل؟
ولتفسيرتلاشي الهوية في بلادنا ،لا بد أن نعرف الأسباب التي أدّت إلى هذه الأزمة في مجتمعنا. بعد تأسيس الجمهورية في بلادنا شرعت الدولة في صياغة دستوريخول لتونس الالتحاق بركب الدول الأوروبية. والذي يشد انتباهنا في الدستورهوالبند في شأن الهوية الذي يصرح أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة التونسية كما أن الاسلام دينها. هذا ما ينص عليه الدستورأما في الواقع فهذا شيء آخر.
لقد انحدرمستوى اللغة العربية والتعليم في بلادنا وبقدرما تنحدراللغة العربية بقدرما يصعب علينا فهم بعضنا لبعضنا؛ كما أن الفهم وأسوء من ذلك وقع إدراج اللغة الفرنسية كلغة رسمية لتعليم العلوم والتكوين المهني وبدون وعي استقرفي أذهاننا أن اللغة العربية ليست قادرة على استيعاب العلوم ومواجهة العصرالحديث.
ومن هذا المنطلق وقع انفصام في شخصية شعبنا وتغلغل شعور النقص فينا وخاب الأمل في قدراتنا. فهويتنا اليوم تخلومن العناصر الثابتة التي ترفع من شأن أنفسنا والتي تدفعنا للاعتزازبالانتماء إلى ماض زاخركان علماؤه وعظماؤه يكتبون وينطقون بلغة الضاد ، وساهموا في تطويرالعلوم والمعرفة في بلادنا.
إن المجتمع التونسي يمربأزمة مصيرية كبرى ترتبط ارتباطا متينا بمسألة الهوية. كما أن مواقف وخطاب الاتجاهات والتكتلات السياسية ليست واضحة شفافة وليست مبسّطة ومفهومة عند الجماهير وطغى مزيج اللغة الفرنسية باللغة العربية على ألسنة مثقفينا وفي الأوساط الشعبية كذلك؛ فقام الالتباس وعدم إدراك المعاني الدينية والمدنية وحلت الفوضى وانتشر الانحراف والعنف والتطرف والإفقارالثقافي والتصحرالذاتي والتقليد الأعمى للمثل الغربي.
لقد أضعنا مبادئنا ولغتنا وأهملنا تاريخنا ولم نخصّص له قراءة جديدة معاصرة حتى يكون الماضي عبرة للحاضروالمستقبل. كما أننا اعتبرنا أن المدينة الفاضلة لا تتحقق إلا إذا سرنا على درب وخطى الدول الأوروبية.
فإذا تحقق العديد من المشاريع الاجتماعية والتربوية والصحية منذ الاستقلال في بلادنا فهذا لا يمنعنا من إعادة النظرفي برامج ومناهج التربية والتعليم وتقييمها وما الالتزام بمبادئ واضحة تمام الوضوح في خصوص الهوية الوطنية إلا شرط من شروط اكتساب الذات وتحرير أنفسنا من الشعور بالنقص خاصة وأن شعبنا أثبت قدراته وساهم مساهمة نيرة في الحضارة الانسانية.
لقد مات شكري بلعيد ضحية العنف والتطرف. والتطرف عادة ما يكون نتيجة الجهل جهل القيم الدينية والتربوية والأخلاقية والانسانية، القائم على عدم إدراك المعرفة في أمور الدين والدنيا.
لقد خاض شعبنا العديد من المعارك وتحدّاها وإذا كان اغتيال شكري بلعيد نتيجة الجهل والتطرف فالجماهيرالغفيرة المتعددة الاتجاهات خرجت وراء جثمانه مؤكدة أنها طوت صفحة القمع والظلم والاستبداد وهي اليوم تواكب حلقة أخرى لتحقيق حرية التعبير وقبول الرأي الآخر في بلادنا وهذا كسب عظيم.
إن تعدّد الآراء أصبح حقا من حقوق شعبنا وكل من يتجرأ للهيمنة على الساحة الفكرية والسياسية والإعلامية يعرف اليوم أن الشعب عقد العزم على صد العنف ورفض التطرف مهما كان؛ والذين اغتالوا الشهيد شكري بلعيد تأكدوا كذلك أن الاقتراع أصبح الوسيلة الوحيدة لتمثيل الشعب في المجلس التأسيسي لخوض معركة التنمية المستدامة لحياة أفضل.


*نقلاً عن "الصباح" التونسية


قبل أن تذهب