مباشر

رسالة مفتوحة إلى السيد آيت أحمد

عبدالحكيم بلبطي
نشر في: آخر تحديث:

يعيش ''الأفافاس'' لحظة انتقال، قد تكون بمنزلة لحظة ولادة جديدة. أحد مؤسسيه، ورمزه التاريخي حسين آيت أحمد، ينسحب بعد عقود من المعارضة، أهّلته ليكون كابوس السلطة.

هل ستحافظ جبهة القوى الاشتراكية على خطها التاريخي؟

شكّلت مشاركة الحزب في تشريعيات ماي 2012، منعطفا صدم جزءا من أبناء الأفافاس، وفريقا كبيرا من المتعاطفين معه. وإن كان قرار الحزب لم يتم استيعابه إلى اليوم، فإن الأمر الذي حال دون الحكم على الحزب بانحيازه كلية للسلطة، هو وجود آيت أحمد على رأس هذا الحزب.

لكن اليوم، هو يوم آخر.

الرجل التاريخي وكبير الجزائر ينسحب، تاركا أسئلة هو مشكور لو شرحها لنا نحن المقدّرين له تاريخه ونضاله، وعدم طمعه في الحكم من أجل الحكم.

سأكون شاكرا له لو قدم في خطوة أخيرة، خلفيات مواقفه منذ بداية 2011 وهل كانت لها علاقة بترتيبات داخلية وخارجية بأحداث الربيع العربي؟ ليقل لنا لماذا ترك البعض يميل إلى فهم مشاركة الأفافاس في برلمان مزيف، على أنه عربون. ثم إذا كان عربونا، فمقابل ماذا؟

سأكون شاكرا لزعيم ثوري تفضله في تفتيت ظنون أوصلتنا إلى الشك في كل شيء له علاقة بالسياسة.

ليس لي من التاريخ لأبرر به مطلبي هذا من رجل بحجم آيت أحمد، لا أطمح منه إلى أكثـر من كلمة حق، ولو في جملة مفيدة واحدة. أريد فهم واستيعاب مشاركته في البرلمان.

ليس لي من التاريخ ما يجعلني ألزمه بطلبي. ولا أن أتطاول عليه. ومقدما، أعترف بأنني لم أشك في نواياه لحظة واحدة، على الرغم من أنني لم أستوعب، إلى هذه اللحظة، معاني تلك المشاركة.

صحيح أن خلافة آيت أحمد ليست بالأمر الهين، لكن الأفافاس عرف أمرا لم تعشه الأحزاب الأخرى، ربما باستثناء حمس. فقد تميّز هرم مؤسسة الحزب ببروز أجيال من المسيرين.

لهذا، لا أعتبر آيت أحمد مكسبا للأفافاس فحسب، هو رمز من رموز الجزائر، وهو الرجل الذي رفض الرئاسة مرتين (1962 و1992)، لأنها قدمت له على طبق فضة مسموم. واختار العام 1999 خوض تجربة رئاسيات ظنها مفتوحة، لينسحب منها، حين تأكد أنها قدمت على طبق فضي مسموم لمترشح آخر.

ليس المقام لمدح شخص أحترمه كثيرا وأقدّر فيه شجاعة مواقفه وترفّعه عن السلطة لما زحفت إليه، لكن، أتمنى أن يوضح لماذا اختلط علينا الأمر هذه المرة؟

لقد دخل الحزب مرحلة جديدة من النزاع الداخلي، ترسّم بانسحاب كريم طابو الذي أعتبره من بين أكثر الشخصيات السياسية التي كان لها تأثير على الحياة السياسية في السنوات الأخيرة. كان مسموعا من قبل السلطة قبل غيرها. كانت ترصد كلماته، وتترقب مواقفه.

قد تكون مشكلة طابو، أنه كسر أحد أكبر طابوهات جزائر الاستقلال، وهو صعود نجمه بسرعة مذهله، ليصبح أصغر مسؤول سنا على حزب تاريخي، ورمزا قياديا كبيرا، مؤكدا بأن الخبرة تكتسب أيضا بالذكاء وليس بتراكم عدد السنوات في تقلد المناصب، في أغلب الأحيان من دون مسؤوليات.

أدرك أن مثل هذا الكلام حين أكتبه عن طابو أو عن عبد الرزاق مقري، يزعج تلك الأجناس من الرخويات السياسية التي شاخت في المناصب من دون مواقف ولا شجاعة. أصبحوا قادة بالتقادم.

كان ينظر إلى كريم طابو كخليفة محتمل لآيت أحمد، فهو يترجم مسار الحزب. وأفضل من يستخدم تلك النوعية من الخطاب الذي يستعمله الأفافاس مع السلطة. لكن ما يجري منذ جانفي 2011، أخلط أوراق ''مواقع'' القيادات داخل الحزب وموقع الحزب تجاه السلطة، وتحديدا من الرئيس بوتفليقة.

هل هناك اتفاق أو أي نوع من التقارب ولو باللاسلكي بين آيت أحمد والرئيس بوتفليقة؟

سألت أكثـر من سياسي نظيف اليد والتاريخ، وكان جوابهم ''ممكن أن يكون هناك نوع من التفاهم''. أما حجتهم أن ''السيد آيت أحمد يناضل من أجل مبادئ، أهمها الطابع الجمهوري للدولة''، بمعنى ''دولة يخضع فيها العسكري للسياسي''.

سألت ''لماذا إذا يأتي بالعسكري ويعزل طابو، في حين أن نواياه هي كسر أحد طابوهات الجزائر؟''. فأتاني الجواب ''ربما الصفقة تضمنت إزاحة طابو، لأنه كان يستخدم خطابا جريئا مباشرا''، في وقت تتطلب المهمة ''قفازات ناعمة تهدئ ولا تزعج''.

دللت بتساؤلاتي لأشهر. وأعترف بأنني كلما تباهيت بالوصول إلى جواب، أكتشف أنني أعود إلى نقطة البداية. أي، كيف يتم تفسير ما قام به آيت أحمد في وقت كان قد قرّر الانسحاب؟

هل أخطأ التقدير، أم ظن بأن المعارضة الداخلية ستبقى تحت ظله؟

من بين الفرضيات التي يقدمها قياديون خرجوا من الحزب في آخر ''انتفاضة داخلية''، تلك القائلة بأن ''الزعيم'' لم يعد يتحكم بالحزب. وحديث عن وجود التفاف حوله عزله عن محيطه الطبيعي..

ربما ضعف هذه الفرضية، حسب نظري، أن آيت أحمد لن يضحي بمستقبله الأكيد مقابل آخر افتراضي أو مادي. والمستقبل الأكيد الذي أقصده، هو ذلك الكم والنوع الهائل من الرصيد الذي رصده طوال مشواره الثوري والسياسي. فهذا الكنز هو الذي ستتوارثه الأجيال، فهو حقيقي وأصيل وغير مغشوش.

الأمر الثاني، أنه يعيش بعيدا عن ضغط الحزب والأحداث المحيطة به، ويستطيع الكلام متى شاء مع من يشاء.

كما لا أميل إلى تصديق فرضية سقوط الأفافاس بين أحضان السلطة من أجل حسابات مع غريمه الأرسيدي في القبائل، ولا من أجل مقابل سياسي، ولو بحجم تعديل دستوري يكون بحجم عودة القرار إلى المدنيين، لأن الذي سيعيد التوازن إلى العمل السياسي وإلى أولوية السياسي على العسكري، هو تراكم العمل القادم من مجتمع سياسي ـ مدني. والضغط بالمفهوم المؤدي إلى ذلك التعديل غير متوفر الآن.

فهل يحل آيت أحمد هذا اللغز؟

نقلاً عن صحيفة "الخبر" الجزائرية

قبل أن تذهب