قضاء يحاكم الضحايا
تحكي قصيدة “كلب الست” للشاعر المصري أحمد فؤاد نجم، قصّة طالب في أحد المعاهد، قاده القدر للمرور بجانب فيلا لمطربة شهيرة، فلم يرق لكلب الست صاحبة الفيلا مرور ذلك الطالب الفقير، فانقض عليه وعضّه حتى أسال دمه . وصلت القضية لقسم الشرطة التي سألت الطالب عن ملابسات القضية، فما كان منه إلا أن أخذ يستجدي الشرطة كي تتركه في حاله، مقدّماً اعتذاراته إن كان الكلب تعرّض للتسمم . القضية انتهت بأن سجلت النيابة في محضر إقفالها “إن الخدمات التي قدّمتها الست للوطن تكفي لإعفاء الست وكلبها من أية مسؤولية” .
ما دفع لاستحضار تلك القصة القيّمة مثول تسعة عشر فناناً تونسياً اعتدى عليهم سلفيون خلال عرض مسرحي أمام القضاء بتهمة خدش الحياء . وباستثناء كون العرض يحمل بعداً تكريمياً للشهيد شكري بلعيد الذي اغتالته أياد سوداء، لم يتضح في ثنايا الخبر طبيعة العرض الذي قدّموه، لكي نقدّر إن كان فيه “خدش للحياء” أم لا، حيث إن هذه مسألة نسبية، ففي نظر البعض يعتبر وجود ممثلة وممثل في عمل فني واحد “خدشاً للحياء”، بل إن الفن برمّته بنظر هذا البعض خدش للحياء .
مهما يكن من أمر، قد يكون هؤلاء الفنانون “خدشوا الحياء”، فهل يحق لأحد غير الأوصياء على القانون أن يتولّوا أمر محاسبتهم والاعتداء عليهم؟ نسيت السلطة “النهضوية” في تونس أمر الاعتداء وتفرّغت لقضية “خدش الحياء” . ولأن هذه ليست القضية الأولى من نوعها، بل هناك سلسلة لا تنتهي من الانتهاكات، فإن هناك من يريد تغليف تونس بكيس من الخيش ويشدّها إلى الوراء مئات السنين دفاعاً عن “الحياء” . لقد سبق أن حوكم مغني الراب التونسي ولد الكانز وحكم عليه بالسجن، لأنه قدّم أغنية اعتبرت إهانة للشرطة . وفي مثل هذا الشهر من العام الماضي، هاجم متطرفون ظلاميون عروضاً فنية وثقافية، فأشعلوا اضطرابات شملت العديد من المدن سقط فيها قتيل وأكثر من مئة جريح .
يحسب للرئيس التونسي المنصف المرزوقي أنه حذّر من إمكان عودة الاستبداد، بل من ثورة جديدة، وذلك لرؤيته مظاهر تراكمية يمكن أن تشعل الثورة . ولاتزال عالقة في الأذهان “فضيحة الفساد وهدر المال العام” التي أثيرت حول وزير يحظى برعاية “المرشد”، وبدل التحقيق في ما أبرزته المدوّنة عفّة الرياحي من وثائق، خرج على التونسيين من يدعو لجلد مروجي الإشاعات!! .
بعد الأحداث الأخيرة في مصر، وما استتبعته من ارتدادات تجلّت على شكل توتّر على وجوه قادة حركة “النهضة” الإخوانية، فمن المتوقّع ارتفاع منسوب قمع الحريات في هذا البلد الأخضر، أسوة بما يفعل “العدالة والتنمية” الأردوغاني بكل من تسوّل له نفسه أن “يتمشى” وإن “تفسّحاً” باتجاه ساحة تقسيم، شقيقة “ميدان التحرير” المصري .
ثمة معادلة لا بد أن يفهمها أنصار الدين السياسي، فإذا كانوا غير قادرين على قيادة دولة مدنية، ينبغي عليهم أن يعودوا إلى مواقفهم المعلنة في بدايات الحراك العربي عندما أعلنوا أن الظروف لا تسمح لهم بالترشّح للرئاسة . بإمكانهم أن يعودوا للعمل في أوساط الشعب، أن يقنعوه بآرائهم “بالحكمة والموعظة الحسنة”، وعندها سيكون الحاكم والمحكوم على وفاق وتستقيم الأمور .
نقلاً عن صحيفة "الخليج"
اختيار المحررين
-
تراشق جديد بين ترامب وميلوني.. والأخيرة: صداقتي لك لم تزد شعبيتي أميركا منذ 8 ساعات -
لهذا السبب يُعيد عقلك تكرار المحادثات أثناء النوم علم منذ 14 ساعة -
اسم حمزة الخطيب يطل من الداخلية.. وسوريون "لفتة جميلة" سوريا منذ 14 ساعة -
جديد عن داهسة بائعة الشاي التي أبكت المصريين.. "بتتعلم السواقة" مصر منذ 16 ساعة