تسييس العسكر.. وعسكرة السياسة!
تحت هذا العنوان نفسه, نشرت مقالا في شهر مايو الماضي( أي قبل ثورة يونيو بشهر كامل), قمت فيه بتحليل عناصر احتمال تدخل المؤسسة العسكرية في الحكم, وانتهيت فيه إلي أن: روشتة العلاج قد تتمثل في إدارة عسكرية داخل نسق ديمقراطي, أي باستبعاد الديكتاتورية العسكرية أو الاحتكار العسكري لمفاصل الدولة, بحيث تكون صيغة الحكم تشبه إلي حد كبير أسلوب إدارة المناطق المنكوبة مثل تلك التي تعرضت لزلزال,
حيث تتحرك القوات العسكرية لضمان الأمن والاستقرار والضرب بيد من حديد علي العابثين الذين يريدون استغلال حالة الاضطراب, مع التدخل الفعال في عمليات الإنقاذ والبناء, فيما تتولي القيادات المدنية الرقابة الدستورية التي تضمن الحفاظ علي مدنية الدولة خلال تلك الفترة الانتقالية الاستثنائية.
وأجدني اليوم مضطرا لإعادة زيارة الموضوع, بعد أن احتدم النقاش والجدل حول نيات الفريق أول عبد الفتاح السيسي في الترشح لمنصب رئيس الجمهورية, رغم أن الرجل قد نفي في أكثر من مناسبة وبأكثر من طريقة أي رغبة له في هذا الاتجاه.
وقد اكتسبت فكرة ترشح السيسي زخما كبيرا في أوساط مختلفة, ففي أغلب الطبقات البسيطة والمغلوبة علي أمرها, أصبح السيسي يمثل البطل القومي والمخلص المنتظر, ومن المدهش أن العديد من النخب المعتبرة في مصر صارت تتبني هذه الفكرة, مع إضافة حجج نخبوية تدعم هذا الاختيار.
يذهب أغلب المدافعين عن هذه الفكرة إلي أن الأوضاع الحالية في مصر تحتاج إلي رجل قوي يضبط الأوضاع الأمنية, ويقضي علي الإرهاب, ويمسك بدفة سفينة الوطن خلال تلك المرحلة التي تتأرجح فيها بين العواصف والأمواج العالية, ويشدد هذا الاتجاه علي أن ذلك لا يعني عودة لحكم العسكر, لأن مستوي النضج لدي الشعب المصري بعد الثورة لن يسمح بذلك.
أما عن كون السيسي بطلا قوميا, فلا جدال في ذلك, فقد تقدم في توقيت مفصلي كي ينقذ الدولة المصرية من التفكك والسقوط في هوة حرب أهلية طاحنة, وهو موقف يحسب له لدي أغلبية ساحقة من أبناء الشعب المصري, وإن اختلفت وجهة نظر أقلية معتبرة تشمل قطاعا واسعا فيما يسمي تيار الإسلام السياسي.
إلا أن نظرة متعمقة لأصول المسائل ينبغي أن تقودنا إلي بحث أهداف ثورة25 يناير التي كانت في الأساس هبة شعبية ضد نظام حكم مستبد, وكان هذا النظام يمسك بتلابيب الدولة بيد من فولاذ تتمثل في أجهزة الأمن المختلفة, ومنظومة فساد تنخر في كيان المجتمع حتي بدا وكأنه أضعف من مقاومة هذا النظام, وبالتالي فإن حجة ترشيح السيسي بغرض فرض الأمن كرجل قوي لا تعد حجة كافية, بل ربما تعتبر حجة مضادة علي أساس أن الشعب الذي ثار علي نظام قمعي بوليسي, لن يقبل أو يتحمل عودة هذا النظام بنفس الحجج القديمة المتعلقة بتأمين المجتمع ضد أخطار داخلية وخارجية, فضلا عن أن مواجهة تلك الأخطار تتطلب بالإضافة إلي الإجراءات الأمنية إجراءات أخري بنائية سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية, بحيث يصبح قصرها علي الجانب الأمني فقط هزيمة لأهم أسباب ثورة25 يناير, بل ولأهدافها في العيش الكريم والحرية والعدالة الاجتماعية.
وفيما يتعلق بالاطمئنان إلي أن الشعب المصري قد أصبح ناضجا بشكل لا يسمح بإعادة إنتاج النظام السابق علي الثورة, فإن ذلك يثير إشكالتين: أولاهما أن أي محاولة لوضع معيار كيفي لقيم كمية يعد خلطا في المقاييس, ولا توجد أداة مضمونة لقياس توجه العقل الجمعي للمجتمع المصري في المستقبل, واقرب دليل علي ذلك أن نسبة معتبرة من هذا العقل قد ارتضت صعود الإخوان إلي الحكم, وبعد شهور قليلة انقلب هذا العقل بنسبة كبيرة ضد وجود الاخوان نفسه, والإشكالية الثانية هي أنه إذا أخذنا في الاعتبار الهواجس الأمنية والمخاوف الاقتصادية التي تتملك من الشعب المصري حاليا, فإن الأقرب إلي الاحتمال هو القبول بشكل من نظام الحكم يمكن التساهل فيه مع إجراءاته القمعية الاستبدادية, وفي الواقع ذلك ما تعكسه الآن بالفعل بعض التعليقات العفوية من الناس, بل ومن بعض النخب, حيث لا تمانع في تشديد القبضة الأمنية, وتتغاضي عن بعض التجاوزات التي يمكن أن تستفحل في المستقبل بحجة مواجهة الإرهاب.
لا يمكن للنضال المصري الطويل أن يرتضي التخلي عن حلمه في بناء دولة مؤسسات حقيقية, وبعد كل هذه التضحيات الجسام لا يجوز للقوي السياسية والنخب أن تستسلم لهواجس أمنية يبدو أن بعض بقايا النظام الأسبق تغذيها, بل وأزعم أن حركة الاخوان المسلمين تسعي إلي تكريسها كي تحقق هدفين: أولهما أن تعمق مظلوميتها كي تواصل ممارسة دور الضحية الذي أجادته عبر تاريخها, وثانيهما أن تدفع النظام القادم دفعا إلي اتجاه شكل بوليسي قمعي يؤدي في النهاية إلي ثورة جديدة ضده.
وفي تقديري أن حسابات أغلب الأطراف خاطئة, لأن تلك النخب التي تقبل بنظام بوليسي لفترة تراها مؤقتة بظروف واقعية استثنائية, وبناء علي أمنية غير مضمونة في نضج شعبوي يحول دون تمدد هذا النظام, هذه النخب تغامر بما حققته جموع الشعب المصري بتضحيات كبيرة, لأنها لا تدخل في حساباتها دور قوي الثورة المضادة التي ستدافع عن مصالحها بشراسة, ومن خلال السيطرة علي وسائل الإعلام, وتغذية الشعور باستمرار حالة انعدام الأمن, فضلا عن أن تلك النخب تتصور مقدرة لا تمتلكها في إمكانية تحريك الجماهير, ولا تدرك أن الشعوب لا تستطيع أن تقوم بثورة كل بضعة أشهر, لأن هناك حقيقة لا يمكن إغفالها سبق لي أن أطلقت عليها اسم الإعياء الثوري أوRevolutionaryFatigue.. ومن ناحية أخري أري أن الإخوان المسلمين بدورهم يراهنون رهانا خاسرا, والمقامرة هذه المرة قد تقتلع التنظيم بشكل نهائي من التربة المصرية.
في عام1985, انحاز وزير الدفاع السوداني لانتفاضة الشعب ضد النميري, وتسلم الوزير مقاليد الحكم لمدة عام واحد وترك الحكم طواعية وسلمه لحكومة مدنية منتخبة..
وفي تقديري أن حسابات أغلب الأطراف خاطئة, لأن تلك النخب التي تقبل بنظام بوليسي لفترة تراها مؤقتة بظروف واقعية استثنائية, وبناء علي أمنية غير مضمونة في نضج شعبوي يحول دون تمدد هذا النظام, هذه النخب تغامر بما حققته جموع الشعب المصري بتضحيات كبيرة, لأنها لا تدخل في حساباتها دور قوي الثورة المضادة التي ستدافع عن مصالحها بشراسة, ومن خلال السيطرة علي وسائل الإعلام, وتغذية الشعور باستمرار حالة انعدام الأمن, فضلا عن أن تلك النخب تتصور مقدرة لا تمتلكها في إمكانية تحريك الجماهير, ولا تدرك أن الشعوب لا تستطيع أن تقوم بثورة كل بضعة أشهر, لأن هناك حقيقة لا يمكن إغفالها سبق لي أن أطلقت عليها اسم الإعياء الثوري أوRevolutionaryFatigue.. ومن ناحية أخري أري أن الإخوان المسلمين بدورهم يراهنون رهانا خاسرا, والمقامرة هذه المرة قد تقتلع التنظيم بشكل نهائي من التربة المصرية.
في عام1985, انحاز وزير الدفاع السوداني لانتفاضة الشعب ضد النميري, وتسلم الوزير مقاليد الحكم لمدة عام واحد وترك الحكم طواعية وسلمه لحكومة مدنية منتخبة..
*نقلاً عن "الأهرام" المصرية