مباشر

تصحيح الأخلاق

محمد اليامي
نشر في: آخر تحديث:

مهلة تصحيح أوضاع العمالة المخالفة تنتهي اليوم، ولسان حال القطاعات المعنية من الحكومة يقول «قد أعذر من أنذر». وهذه الحملة التي تأخرت كثيراً ليس الجميع سعيداً بها، فهي هدت عروشاً صغيرة لكنها كثيرة من الكسب الذي يفترض أنه غير مشروع كونه يرتكز على مخالفة النظام.

لا بد من الإشارة إلى أن الحملة هي لتصحيح مخالفات الجميع، مواطنين ومقيمين، فالمعادلة العمالية علاقة ثلاثية الأطراف إذا أضفنا الجهات المعنية طرفاً ثالثاً للمعادلة مع العامل أو الموظف ورب عمله.

خلال الأسابيع الماضية قرأنا أرقاماً مفزعة، ولغة الأرقام هي دوماً الأقرب إلى الوضوح. فهذه الملايين التي تم تصحيح وضعها - بما ذلك ترحيل المخالفين تماماً ممن لا يحملون أية صفة قانونية أو أوراقاً ثبوتية - كانت بمثابة الدليل على ترهل وقصور بعض الجهات، وغضها الطرف عن داء استشرى في المجتمع إلى درجة أن شكل الخطر فانتبهنا إلى أن القضية ليست فقط سعودة، أو إتاحة فرص عمل جديدة للسعوديين من الجنسين، انتبهنا إلى مخاطر أمنية واجتماعية جمة رصدتها الحكومة، فجاء قرار التصحيح الأول بمهلة محددة أعقبتها مهلة أكبر، ولعل النتائج النهائية ستكشف عن المزيد من الأرقام.

نعرف أن وجود الكثيرين يعيشون ويعملون بيننا من دون أوراق ثبوتية وإقامات سليمة كان قصوراً أمنياً، وأن عمل الكثيرين عند غير كفلائهم كان قصوراً في «الجوازات» و«العمل» و«البلديات»، وأن التستر قصور في أداء التجارة، وهكذا تطول القائمة، وبعض القصور مبرر نظرياً لضعف الإمكانات البشرية في مقابل نمو المخالفات والأعمال وتوسع المدن، وبعضه ليس مبرراً وبخاصة وأن بعض الظواهر تفاقمت إلى الحد الذي رأينا، وإلى الأرقام التي تجعل مراقباً من الخارج يظن أنه لم يكن أحد وضعه القانوني سليم في ما يتعلق بالعمالة. ما يقلقني أكثر هو الفساد الأخلاقي لدى المواطنين المشاركين في كل هذا.

فالعاملون المخالفون تماماً من دون إقامات عملوا في محال يملكها سعوديون، وسكنوا في منازل وغرف واستراحات يملكها سعوديون، تبادلوا المصالح معهم، ومثلهم وإن بدرجة أقل من كانوا يحملون الإقامات، لكن يعملون بطرق مخالفة لأنظمة «الجوازات» و«العمل» و«البلديات»، وهذا ما يضعني أمام كلمة «تصحيح الأخلاق»، التي يجب أن نفكر فيها بعد هذه الموجة التصحيحية الجبرية بيد النظام والقانون.

تسويغ المرء لنفسه أن يعيش ويطعم أولاده ويغتني بطريقة تضر على المدى الطويل الوطن والمواطنين يحتاج إلى وقفة أخلاقية عميقة، فحتى من يأمن العقوبة لا يصل به الطمع إلى مثل هذا، وهذا - كما علمنا من التجربة - ينخر في اقتصادنا ومجتمعنا، فأين ذهبت الأخلاق الإسلامية أولاً؟ ثم أين ذهبت المروءة العربية والطيبة السعودية إن كانت ثمة بقية لهما؟ لن يستغني أي اقتصاد كبير وغني عن العمالة، ولدينا قطاعات نضحك على أنفسنا لو قلنا بسعودتها حالاً، لكن هذا الاقتصاد لا يبني الأمة وحده، ولا يمكن أن نكون صورة «مزركشة» بالمثل، والملايين منا كما قالت نتائج الحملة لا مبادئ لهم عندما يتعلق الأمر بالمال.

*نقلا عن "الحياة" اللندنية


قبل أن تذهب