مباشر

الحق على البعير

خلف الحربي
نشر في: آخر تحديث:

كان الجمل في الأزمنة القديمة وسيلة النقل شبه الوحيدة في هذه الصحاري الشاسعة والعملة النقدية الأكثر تداولا ومصنع الألبان المتنقل ومستودع اللحوم المضمون ومصدر الوبر وغير ذلك الكثير، لم يكن حيوانا عاديا بالنسبة لسكان شبه الجزيرة العربية ولذلك اكتسب مكانته الخاصة في قلوب الناس ومساحته الهائلة في الشعر والأمثال واللغة، ولولا ثقتنا الخالصة بصبر حيواننا القومي الشهير لما حملناه مسؤولية فيروس كورونا، فالبعير منا وفينا ولا أحد (يمون) عليه مثلنا، لذلك عليه أن يتقبل الأمر الواقع و(يشيل القضية) مثل أي جمل أصيل يحمل الأمور الثقال...فقد جرب خلال السنوات الماضية الدلع والدلال بما يكفي وأصبح سعره يقارن بأسعار الطائرات الخاصة واليوم عليه أن يعود إلى نقطة ما تحت الصفر ويثبت أن وجوده ليس خطرا على الصحة العامة !..وسبحان مغير الأحوال!.

دعوة وزارة الصحة الباحثين إلى المساهمة في مواجهة الفيروس ونفى اتهامات الصحفيين بأن دعوة الوزارة هذه جاءت متأخرة، وبين ما أثاره بعض الباحثين على شبكات التواصل الاجتماعي، والحق أن المشكلة هنا لا تتعلق بتأخر دعوة الوزارة أو صدورها في الوقت المناسب بل في غياب هذا المنهج وقلة اللجوء إليه في الظروف العادية لذلك لا يشكل حضوره الطارئ في الأزمات الفائدة المأمولة لأنه يأتي على سبيل (الفزعة) دون توفر الإمكانيات وقنوات التنسيق بين الباحثين والمراكز البحثية والجامعات وبقية الجهات الحكومية المرتبطة بهذه الأزمة أو تلك.

وفي موضوع كورونا الذي يشغل الأذهان اليوم يفترض أننا من أكثر دول العالم دعما للأبحاث التي تتعلق بالفيروسات وطرق انتشارها لأن الله شرف هذه الأرض الطاهرة باستقبال ملايين الحجاج والمعتمرين من مختلف أنحاء العالم فتنتشر أحيانا العدوى بسبب هذه التجمعات البشرية التي ليس لها مثيل في العالم، لذلك من الضروري دعم الأبحاث المتعلقة بهذا المجال واستقطاب نخبة الباحثين المحليين والعالميين في مراكز بحثية معنية بهذه الأمراض المعدية بالذات وزيادة التنسيق بين وزارة الصحة والجامعات بهذا الخصوص، هذا هو السبيل الوحيد للعثور على الأجوبة بصورة أسرع وأدق وأقل كلفة وإلا فإن الوقت الذي يضيع في التعامل مع علامات الاستفهام الأولى سوف يقودنا دائما إلى مثل هذه الحيرة باهظة الثمن!.

الحل الوحيد لمواجهة الإشاعات التي يمكن أن تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي ودردشات الجوال يكمن في شفافية وزارة الصحة مع وسائل الإعلام المحلية، ووسائل الإعلام لديها مسؤولية مهنية بأن لا تجنح باتجاه الإثارة على حساب الحقائق العلمية.

نشرت عكاظ أمس مقابلة سريعة مع مواطن توفي ابنه الذي ولد بصمام قلب واحد ولم يخبره الأطباء في تخصصي جدة أن سبب وفاة ابنه إصابته بفيروس كورونا إلا بعد وفاة الولد، الأب مؤمن بأن ما حدث قضاء الله وقدره ولكنه يؤكد أنه طوال زيارته وزوجته للطفل في غرفة العناية المركزة لم يطلب منه أحد هو وزوجته ارتداء الكمامات أو استخدام أي وسيلة من وسائل مكافحة العدوى لأن أحدا ـ كما يرجح الأب ـ لم يكن يعرف أن الطفل مصاب بالفيروس! ..وإذا لم تتخذ وسائل السلامة في غرفة العناية المركزة فلماذا نتوقع اتخاذها في أي مكان آخر.

في عكاظ أيضا دعت الدكتورة ماجدة أبوراس إلى ضرورة الإسراع في إنشاء هيئة عليا مستقلة للإدارة البيئية تتولى وضع المعايير للمستشفيات ومراكز الرعاية الصحية بل وكل الإدارات العامة للحد من انتشار بعض الأمراض المعدية مثل كورونا وكذلك لتقليل فرص التلوث البيئي الذي يهدد الصحة العامة، وقالت إنها سبق وأن تقدمت بهذا الاقتراح بصورة رسمية قبل أربع سنوات دون أن تجد أي اهتمام.

*نقلاً عن "عكاظ" السعودية

قبل أن تذهب